مقالات المركز

من التباعد والفتور إلى التقارب والشراكة الإستراتيجية الوثيقة

السعودية وروسيا.. 100 عام من العلاقات


  • 17 فبراير 2026

شارك الموضوع

تقدم العلاقات السعودية الروسية نموذجًا فريدًا ومميزًا على الساحة الدولية، يعتقد البعض أنه تاريخ يتسم بالتعقيد والضبابية، في حين يقود الفهم الثقافي والعمق المعرفي إلى إدراكٍ أعمق ينعكس على السياسات والتعاون المشترك بين الجانبين.

يؤرَّخ الوجود الروسي في الجزيرة العربية منذ عهد الإمبراطورية الروسية خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وقد أشار د. فيتالي نعومكين، في بحثه بعنوان “الدبلوماسية الروسية في الجزيرة العربية والخليج العربي”، إلى أنه مع تنامي أعداد المسلمين الروس وتزايدهم في ظل احتلال الإمبراطورية الروسية مناطق جديدة يقطنها المسلمون، توجهت الأنظار نحو الفرص المتاحة لأداء فريضة الحج أو العمرة، تزامنًا مع الاهتمام الروسي في المنطقة، ومنافسة النفوذ بينها وبين الدولة العثمانية والفارسية.

وفي عام 1321هـ الموافق 1903م افتُتحت القنصلية الروسية في جدة، ومن خلال التعليمات التي وجهتها سفارة الإمبراطورية الروسية في إسطنبول إلى المستشار شاهيمراد إبراهيموف، كان أحد أهم أهداف تأسيسها حماية حجاج الإمبراطورية الروسية المتوجهين بأعداد كبيرة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتنظيم مراقبة الحجاج، وفهم احتياجاتهم. واستمر ذلك حتى الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من ثورة البلاشفة، وانهيار الإمبراطورية الروسية عام 1335هـ/ 1917م، وكذلك انهيار الدولة العثمانية.

كريم حكيموف وبداية العلاقات السعودية الروسية

لم تكن حقبة السفير التتاري المسلم “كريم حكيموف” عادية، ولا جزءًا تقليديًّا من قراءة التاريخ؛ بل مسيرة حملت عهدًا جديدًا من العلاقات، وفتحت فرصًا كبيرة، ورؤية طيبة ما زالت مثمرة رغم الفجوات، حتى بعد مرور مئة عام. كان حكيموف يُلقب بـ”الباشا الأحمر”، وأوفده الاتحاد السوفيتي كأول قنصل سوفيتي في الحجاز عام 1342هـ / 1924م. ولم يكن ذلك عملًا سهلًا؛ بل محفوفًا بالتحديات، وعدم الاستقرار السياسي في المنطقة آنذاك، مع مواجهة المحاولات البريطانية لعزل الروس عن الجزيرة العربية. وكان صيت الملك عبد العزيز -رحمه الله- وتوسع الدولة السعودية الثالثة يتنامى في مقابل الهواشم، وقد أشار تقرير استخباراتي أرسله مايسي أكسلرود -نائب حكيموف- إلى القيادة السوفيتية، إلى ضرورة فتح علاقات مباشرة مع الملك عبد العزيز آل سعود لعدة أسباب، من أهمها أنه الأكثر قوة وذكاء وطموحًا وقدرة واستقلالية عن باقي ملوك المنطقة وأمرائها، والقادر على توحيد دولة عربية كبرى تواجه القوى الاستعمارية الأوروبية، ليذهب حكيموف بسيارته ليلًا عابرًا مناطق نزاع غير آمنة، ليسلم الملك عبد العزيز شخصيًّا مذكرة الاعتراف الرسمية بالمملكة العربية السعودية من الاتحاد السوفيتي في 3 شعبان 1344هـ/ 16 فبراير (شباط) 1926م، وبذلك أصبح الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف بالمملكة العربية السعودية قبل توحيدها، وأصبح حكيموف صديقًا مقربًا للملك عبد العزيز آل سعود، إلى جانب دعمه وتعزيزه موقف الملك عبد العزيز في قيادة العالم الإسلامي، ومشاركة روسيا السوفيتية في المؤتمر الإسلامي العالمي الأول المنعقد في مكة المكرمة عام 1926م، في عام الاعتراف نفسه، بإرسال العلامة موسى جار الله وشخصيات إسلامية بارزة من مناطق أخرى، ومع مطلع العام نفسه بدأت البضائع السوفيتية تتدفق إلى المواني السعودية -مثل ميناء جدة- قادمة من ميناء أوديسا على البحر الأسود، كإمدادات من الحبوب إلى جانب الكيروسين والبنزين. كما أسهم في ترتيب زيارة الملك فيصل -حين كان وزيرًا للشؤون الخارجية- إلى الاتحاد السوفيتي في يونيو (حزيران) 1932م، وكان استقبالاً مبهجًا؛ إذ تزينت شوارع العاصمة الروسية لأول مرة برايات كُتب عليها: “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، وعلى الرصيف رُفعت لافتات باللغة العربية كُتب عليها: “أهلًا وسهلًا”. وكان كريم حكيموف في مقدمة مستقبليه، إلى جانب ميخائيل كالينين، رئيس اللجنة التنفيذية المركزية لعموم الاتحاد السوفيتي، الذي استضافه في الكرملين.

واستمرت الزيارة عشرة أيام، تخللها عدد من الزيارات إلى أماكن عسكرية وصناعية وثقافية مهمة، لكن سرعان ما تغير ذلك كليًّا بعد استدعاء حكيموف فجأة إلى موسكو، وفور وصوله وُجهت إليه تهم ملفقة، وفي يناير (كانون الثاني) 1938م نُفذ فيه حكم الإعدام رميًا بالرصاص، وفور وصول الخبر إلى الملك عبد العزيز بإعدام صديقه المقرب كريم حكيموف، غضب واعتبر ذلك إهانة وتصرفًا غير مفهوم من الحليف السوفيتي، فرفض استقبال أي دبلوماسي بديل، وقرر إغلاق البعثة الدبلوماسية السعودية في موسكو عام 1938م، ولم تقتصر الخسارة على الجانب الإنساني فحسب؛ بل كانت جيوسياسية بامتياز، فبعد إعدام حكيموف انقطعت العلاقات الدبلوماسية تمامًا بين الرياض وموسكو، وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية بسد الفراغ الذي تركه السوفيت، وتقوية نفوذها في المنطقة، لا سيما أنه في منتصف العام نفسه اكتُشفت حقول النفط في المملكة العربية السعودية، لتبدأ حقبة الشراكات السعودية الأمريكية، في حين لم يكن الوجود الروسي مرتبطًا بمصالح نفطية في الجزيرة العربية، لكن إعدام حكيموف قلب الموازين تمامًا.

عهد جديد من العلاقات

رغم الاختلاف الكبير بين التوجهات السياسية تجاه بعض القضايا، فإن نقاط التلاقي والمصالح المشتركة أكبر، وكان ذلك جليًا خلال السنوات الأخيرة بتحويل مسارات التباعد والفتور الماضية إلى تقارب وشراكة إستراتيجية وثيقة، يمثل البعد السياسي إحدى ركائزها الأساسية، ويقوم على مبدأ الحوار البراغماتي القائم على المصالح المشتركة، واحترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وقد انعكس هذا النهج في تكثيف الزيارات الرسمية الرفيعة المستوى، وإنشاء آليات للتشاور السياسي المنتظم، سواء على المستوى الثنائي، أو في إطار المنظمات الدولية. وتتلاقى رؤى الرياض وموسكو في عدد من القضايا الدولية، خصوصًا ما يتعلق بأهمية الاستقرار الإقليمي، ورفض فرض نماذج سياسية جاهزة على الدول، والدعوة إلى حلول سياسية للأزمات الإقليمية. ويمثل “أوبك بلس” حجر الزاوية في بناء الثقة المتبادلة وتعزيز التنسيق بين الجانبين، ودعم استقرار أسواق النفط العالمية، إضافة إلى الشراكات في مجالات الطاقة والصناعة والتحول التقني والتعدين.

ووصولًا إلى العام الماضي 1446- 1447هـ/ 2025م، شهدت العلاقات ارتفاع عدد السياح السعوديين القادمين إلى العاصمة موسكو، وتوقيع اتفاقية الربط الجوي بين البلدين خلال منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي، وهو ما لن يكون له أثر سياحي فحسب؛ بل سيسهم في تسهيل رحلات الحج والعمرة للمسلمين القادمين من مختلف مناطق روسيا الاتحادية، إلى جانب اتفاقية الإعفاء المتبادل من التأشيرات بغرض الزيارة (سواء أكانت للسياحة أم الأعمال)، التي سيكون لها أثر كبير في عدة مجالات. تمثل العلاقة بين الجانبين نموذجًا معاصرًا للعلاقات الدولية القائمة على المصالح المشتركة، بعيدًا عن التحالفات الأيديولوجية التقليدية، ويمكن وصفها بأنها شراكة ضرورية لعدة أسباب، لكنها ما زالت بحاجة إلى مد مزيد من الجسور الثقافية، وتفعيل جوانب التبادل المعرفي.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع