مقالات المركز

الرؤية الواقعية في العلاقات الهندية مع حركة طالبان أفغانستان


  • 27 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: newindianexpress

برزت علاقة الهند بحركة طالبان في أفغانستان بوصفها واحدة من أبرز الظواهر السياسية التي تجسد مبدأ الواقعية الدبلوماسية، لا سيما بعد سقوط حكومة الجمهورية الإسلامية الأفغانية في أغسطس (آب) 2021، حيث وجدت نيودلهي نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها إعادة تقييم سياستها التاريخية تجاه كابُل. استثمرت الهند أكثر من ثلاثة مليارات دولار في مشروعات تنموية في أفغانستان خلال العقدين الماضيين، منها بناء البرلمان الأفغاني وسد سلمى، لكن عودة طالبان أجبرتها على التوفيق بين مصالحها الإستراتيجية والقيم الديمقراطية التي تدافع عنها. يأتي هذا التحول في ظل تصاعد التوترات بين طالبان وباكستان، حيث أدت الغارات الجوية الباكستانية على مخيمات تحريك طالبان باكستان في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى إدانة حادة من كابُل، مما فتح الباب أمام تعاون أقرب مع نيودلهي. والدافع الرئيس لهذا التفاعل هو أسباب أمنية وجيوسياسية، مع هدف واضح هو زيادة الضغط على إسلام آباد من خلال رفع تكاليف الجبهتين الشرقية والغربية لها.

تعود جذور العلاقة الهندية الأفغانية إلى عقود مضت، حيث كانت نيودلهي حليفًا رئيسًا للحكومات المتعاقبة في كابُل بعد عام 2001، بعد إسقاط طالبان الأولى على يد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. واستثمرت الهند في أكثر من خمسمئة مشروع تنموي، بما في ذلك بنى تحتية حيوية، مثل خطوط الكهرباء والطرق، مما جعلها الشريك الخامس الأكبر في إعادة الإعمار الأفغاني. ومع ذلك، كانت سياسة نيودلهي تجاه طالبان الأولى (1996- 2001) صارمة، حيث رفضت الاعتراف بهم ودعمت التحالف الشمالي، معتبرة إياهم تهديدًا أمنيًّا بسبب روابطها بجماعات إرهابية.

مع عودة طالبان في 2021، غيرت الهند نهجها تدريجيًّا. بدأت بالاتصالات غير الرسمية عبر دبلوماسيين في قطر وإيران، ثم أعادت إرسال بعثة إلى كابُل في يونيو (حزيران) 2022 لتنسيق المساعدات الإنسانية. وبحلول عام 2025، شهدت العلاقة تصعيدًا ملحوظًا. في يناير (كانون الثاني) 2025، التقى الأمين الدبلوماسي الهندي فيكرام ميسري بوزير الخارجية لطالبان أمير خان متقي في دبي، في أول لقاء رسمي على مستوى عالٍ، حيث ناقشا تعزيز الروابط السياسية والاقتصادية. وفي مايو (أيار) 2025، أجرى وزير الخارجية الهندي س. جايشنكار مكالمة هاتفية مع متقي، مؤكدًا دعم نيودلهي للاحتياجات التنموية الأفغانية.

الذروة جاءت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، عندما زار أمير خان متقي نيودلهي لأول مرة بوصفه مسؤولًا طالبيًّا كبيرًا منذ 2021، في زيارة دامت ستة أيام. خلالها، أعلنت الهند ترقية بعثتها التقنية إلى سفارة كاملة، وتعهدت بصيانة المشروعات السابقة، وإطلاق ستة مشروعات جديدة، منها بناء مستشفيات، ودعم قطاع الصحة. كما سلمت الهند عشرات السيارات الإسعاف وأجهزة أشعة طبية متقدمة، ووسعت إصدار التأشيرات للطلاب والمرضى الأفغان. هذه التطورات تمثل تحولًا ملحوظًا في جيوسياسية المنطقة، مدفوعًا بتدهور العلاقات بين طالبان وباكستان.

الدوافع الإستراتيجية: الضغط على باكستان ومواجهة الصين

الدافع الرئيس وراء هذا الاقتراب هو الرغبة في زيادة الضغط على باكستان، التي ترى نيودلهي فيها التهديد الأمني الأكبر. ويهدف التعاون مع طالبان إلى رفع التكاليف على الجبهتين الشرقية والغربية لباكستان، خاصة مع نشاط الجبهة الغربية بسبب تحريك طالبان باكستان. في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، شنت باكستان غارات جوية على مخيمات الجماعة في أفغانستان، مما أثار إدانة طالبان ودعمها للهند في مكافحة الإرهاب عبر الحدود. هذا التوتر، الذي بلغ ذروته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 مع فشل محادثات السلام، أعطى الهند فرصة لتعزيز نفوذها في كابُل دون تدخل عسكري مباشر.

كما يأتي هذا الاقتراب كاستجابة لنفوذ الصين المتزايد في أفغانستان. تسعى بكين إلى استغلال المعادن النادرة الأفغانية ضمن مبادرة الحزام والطريق، مع توقيع اتفاقيات ضخمة في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. تخشى نيودلهي من عزلتها الجيواقتصادية، خاصة مع حظر باكستان للطرق التجارية عبرها؛ لذا، ركزت الهند على تعزيز ميناء چابهار الإيراني كبديل، حيث اتفقت مع طالبان في يناير (كانون الثاني) 2025 على استخدامه للتجارة والمساعدات الإنسانية، وأصبحت أفغانستان بذلك آلية بقاء للهند للحفاظ على الوصول إلى آسيا الوسطى.

من جانب طالبان، الذين يسعون إلى كسر عزلتهم الدبلوماسية، ويرون في الهند شريكًا تنمويًّا رئيسًا. زيارة وزير التجارة الطالبي نور الدين عزيزي إلى نيودلهي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أسفرت عن مناقشات بشأن الاستثمارات والتجارة، مع تركيز على نقل البضائع والمعادن. ويعكس هذا سياسة التوازن لدى طالبان للحصول على مساعدات في ظل الانهيار الاقتصادي الأفغاني الشديد.

رغم التقدم الدبلوماسي، تواجه الهند تحديات داخلية كبيرة. نظام طالبان، المتهم بالفصل الجنسي المنهجي، يتعارض مع قيم الهند الديمقراطية وحقوق الإنسان، وزيارة أمير خان متقي أثارت احتجاجات في نيودلهي، خاصة من الصحفيات؛ مما اضطر الجانب الهندي إلى عقد مؤتمر صحفي أوسع لتهدئة الغضب. داخليًّا، ينتقد الليبراليون والمحافظون هذا الاقتراب، معتبرين إياه تنازلًا عن مبادئ حقوق المرأة، في حين ترى الحكومة فيه خطوة إدارية ضرورية. مع ذلك، لا توجد قيود سياسية داخلية كبيرة تحول دون هذا النهج، حيث يُنظر إلى طالبان على أنه خيار غير مستساغ أيديولوجيًّا، لكنه ضروري للأهداف الإستراتيجية الطويلة الأمد.

الديناميكيات الإقليمية: مثلث الهند- باكستان- أفغانستان

يُعد مثلث الهند- باكستان- أفغانستان محور الديناميكيات الإقليمية في 2025؛ فالتوتر بين طالبان وإسلام آباد يعزز المصالح المشتركة بين نيودلهي وكابُل، حيث يريد كلا الطرفين الضغط على باكستان دون تورط عسكري مباشر. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أدت الغارات الباكستانية إلى مقتل مدنيين أفغان؛ مما دفع طالبان إلى اتهام إسلام آباد بالعدوان، ودعمت الهند هذا الموقف دوليًّا. أما الصين وروسيا، فهما لاعبان رئيسان آخرين. موسكو اعترفت بطالبان رسميًّا، وبكين توسع نفوذها الاقتصادي؛ مما يثير مخاوف هندية من تحالف فرعي يضعف موقعها في آسيا الوسطى. ومع ذلك، لن تقاتل طالبان في حروب الهند ضد باكستان، ولن تقدم نيودلهي دعمًا عسكريًّا لطالبان، مما يحد من إعادة هيكلة توازنات القوى جذريًّا.

يعتمد اقتراب الهند وطالبان على الجانب الاقتصادي بوصفه أداة رئيسة للنفوذ. منذ 2022، حققت أفغانستان فائضًا تجاريًّا كبيرًا مع الهند. في 2025، خصصت الهند عشرات الملايين من الدولارات للمساعدات التنموية، بالإضافة إلى منح دراسية واسعة للطلاب الأفغان. اتفاقيات نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 شملت إطلاق رحلات شحن جوية، ودعوة الشركات الهندية إلى الاستثمار في التعدين الأفغاني. هذه الجهود تعيد إحياء القوة الناعمة الهندية التي كانت أساس نفوذها قبل 2021، رغم هشاشة الاقتصاد الأفغاني.

أخيرًا، يمثل الرأي الواقعي الهندي تجاه طالبان في 2025 تحولًا إستراتيجيًّا يجمع بين الفرص والمخاطر. من جهة، يعزز أمن الهند بضمان عدم استخدام الأراضي الأفغانية ضد كشمير، ومن جهة أخرى، يزيد التوترات الإقليمية، مع خطر تصعيد باكستاني أو صيني، ويطرح تحديًا أخلاقيًّا للهند التي تروج للديمقراطية عالميًّا، لكن من المتوقع أن تستمر نيودلهي في سياسة التفاعل دون الاعتراف الرسمي الكامل؛ للحفاظ على النفوذ بأقل مخاطر ممكنة. ومع ذلك، إذا استمرت التوترات مع باكستان، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة هيكلة جذرية للتوازنات في جنوب آسيا.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع