
في خطابه عن حالة الاتحاد، يوم 24 فبراير (شباط) 2026، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بوضوح إن دول الناتو وافقت على طلبه رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بدلًا من 2%، التي كانت سارية قبل عودته إلى البيت الأبيض. فضلًا عن ذلك، أكد ترمب أن ما يُرسل إلى أوكرانيا من سلاح أمريكي يمر عبر الناتو، ويُدفَع مقابله بالكامل إلى المصانع العسكرية الأمريكية.
رسالة ترمب للأوروبيين هذه المرة تجاوزت مسألة التذكير التقليدي الذي اعتاده بأن الزمن قد تغير، وأن عليهم أن يتقاسموا الأعباء إذا كانوا يريدون استمرار الحماية، بل يمكن القول إنه صاغ معادلة جديدة لتعامل واشنطن مع بروكسل، بصفتها الأوروبية لا البلجيكية، بأن على عواصم القارة العجوز الدفع أكثر، والتحرك أسرع، وتولي الجزء الأكبر من أمن بلدانهم بأنفسهم، لكنه في الوقت نفسه حذرهم من مجرد التفكير في تحويل ذلك إلى استقلال صناعي يؤدي إلى خروج الشركات الأمريكية من اللعبة.
في مقابل هذه اللغة الترمبية المهينة لأغلب الأوروبيين، تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة النقاشات الأوروبية عن ضرورة إنشاء منظومة ردع نووية مشتركة خارج نطاق المظلة النووية الأمريكية.
استغل الأوروبيون قاعات مؤتمر ميونخ للأمن لمداولات طرحوا خلالها مسألة أن الأوان آن لتعزيز القدرات النووية الأوروبية، لكنهم ربطوها بسياق الحرب الأوكرانية، مستغلين كالعادة “البعبع الروسي” مقترنًا بتشكيكهم المتنامي في استدامة الضمانات الأمريكية النووية.
برلين وباريس سارعتا -خوفًا من رد فعل ترمب- إلى القول إن هذه المشاورات الأوروبية لا تستهدف استبدال المظلة الأمريكية؛ بل دعمها وتكاملها.
الدعوات الأوروبية لإعادة تقييم مفهوم الردع التقليدي والنووي في آن واحد، وخصوصًا ما رصدته من تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تعكس -بلا شك- تحولًا في المزاج الإستراتيجي داخل أوروبا. وتأكيدات برلين وباريس رسميًّا أن أي ترتيبات أمنية أوروبية لن تكون بديلة للمظلة الأمريكية، بل مكملة لها، يمكن كذلك أن نفسرها -أي التأكيدات- تفسيرًا معكوسًا؛ لأن مجرد طرح فكرة التكامل النووي الأوروبي، يعني -بلا جدال- أن الثقة المطلقة بالضمانات الأمريكية لأوروبا لم تعد قائمة كما كانت على مدى العقود السابقة.
لكن كيف تقرأ موسكو هذا التحول وهذه المساعي؟ من واقع متابعتي لرد الفعل الروسي، سواء على المستوى الرسمي أو على مستوى التحليل السياسي والعسكري، لا يوجد لدى الدوائر الروسية أي وهم بأن السياق ليس سياق حرب أوكرانيا حصرًا، وإنما يأتي في إطار أوسع يتعلق بإعادة تعريف وترتيب وتنظيم الأمن الأوروبي الذي تتشارك فيه روسيا -شاءت أم أبت- مع دول أوروبا الناتوية الطموحات النووية الوليدة نفسها، وخصوصًا ألمانيا.
فتصريحات ميرتس بأن “القيادة الأمريكية (في أوروبا والعالم يقصد) أصبحت محل تساؤل، وربما فُقدت بالفعل”، تعكس -بلا شك- إدراكًا أوروبيًّا بأن أولويات واشنطن الإستراتيجية في ظل حكم ترمب، ومن سيأتي بعده من التيار نفسه، آخذة في التحول نحو آسيا والمحيط الهادئ.
أما ماكرون الذي دعا إلى “إعادة التفكير في الردع النووي الأوروبي” فهو يتحرك ضمن رؤيته الفرنسية القديمة التي تقوم على ضرورة استقلالية القرار الإستراتيجي والعسكري الأوروبي، ونتذكر هنا دعواته منذ سنوات، خلال فترة حكم ترمب الأولى، إلى إنشاء جيش أوروبي موحد، وقوله إن “مخ الناتو مات”. بالطبع هذا الطرح الماكروني كان يتم التعامل معه بسخرية، وبتقليل أهميته في السابق، لكن الحرب الأوكرانية، وعلينا الإقرار بذلك، منحت هذه الرؤية زخمًا غير مسبوق.
وإذا تحدثنا عن حدود القدرة الأوروبية لتحقيق هذه الأفكار، فسنقول إن أوروبا تمتلك بالفعل قوتين نوويتين معترفًا بهما، وهما فرنسا وبريطانيا. تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام لعام 2025 تؤكد أن كلًا منهما يمتلك قرابة 290 رأسًا نوويًّا، مع تفوق فرنسي طفيف في عدد الرؤوس المنتشرة. كما تعتمد فرنسا على أربع غواصات نووية إستراتيجية وقوة جوية نووية، في حين ترتكز بريطانيا حصريًّا تقريبًا على غواصات “فانغارد” المتمركزة في قاعدة كلايد الإسكتلندية.
ومن الضروري الإشارة في هذا الصدد إلى أن فرنسا -بوصفها قوة نووية- تمتلك كل عناصر الثالوث النووي، مثلها مثل روسيا والولايات المتحدة، ومؤخرًا الصين كما شاهدنا في عرضها العسكري الضخم العام الماضي. فضلًا عن ذلك، من بين كل دول أوروبا المنتجة للسلاح، تبقى فرنسا هي البلد الأوروبي الوحيد تقريبًا الذي لديه قدرات تصنيع عسكري وحربي متكامل لكل أنواع الأسلحة.
والاتفاق الدفاعي المحدث بين باريس ولندن، الذي ينص على تنسيق الردع في حال تهديد المصالح الحيوية لأي منهما، يمثل -بلا جدال- تطورًا نوعيًّا في المسرح الأوروبي. صحيح أن الردعين يظلان مستقلين، لكن الإقرار المتبادل بإمكانية العمل المشترك يعني عمليًّا تشكيل كتلة ردع أوروبية -وإن مصغرة- بالفعل كحقيقة قائمة.
بالطبع هذه الكتلة، رغم رمزيتها، تبقى محدودة جدًّا عند مقارنتها بالترسانة الروسية الضخمة، أو الأمريكية كذلك، سواء من حيث الكم، أو تنوع وسائل الإيصال، ومدياتها، وقدراتها.
والسؤال المحوري هنا في سياق ما نتناوله في هذا المقال هو: هل يمكن تعميم المظلة الفرنسية- البريطانية لتشمل ألمانيا وبولندا ودول البلطيق؟
والجواب، تقنيًّا نعم، هذا الأمر ممكن من خلال ضمانات سياسية، لكن من الناحية القانونية والإستراتيجية يبقى معقدًا؛ ففرنسا مثلًا ليست عضوًا في مجموعة التخطيط النووي لحلف الناتو، ولا تزال تُصر على أن قرار استخدام السلاح النووي الفرنسي هو قرار سيادي بالكامل، وبيد رئيس الجمهورية فقط، وهذا معناه أن “أوربة” الردع النووي الفرنسي تعني تلقائيًّا تعديلًا في فلسفة العقيدة النووية الفرنسية نفسها، وهنا يظهر سؤال جديد عن مدى قدرة ماكرون على إقناع القادة العسكريين والمؤسسة العسكرية بذلك.
وإذا تحدثنا عن الطموح الألماني المتصاعد، فلا بد من التنويه إلى أن ألمانيا لا تزال مقيدة بما يعرف باتفاقية “4+2” (معاهدة التسوية النهائية فيما يتعلق بألمانيا لعام 1990) التي تحظر على برلين إنتاج أو امتلاك سلاح نووي؛ لذلك فإن طموح ميرتس لا يمكن أن يتمثل إلا في المشاركة، وليس الامتلاك بحال. والسيناريو الأقرب في الحالة الألمانية هو صيغة مشابهة للمشاركة النووية داخل الناتو، حيث نُشرت قنابل أمريكية نووية من طراز B61 على أراضي خمس دول أوروبية، من بينها ألمانيا، مع بقاء قرار الإطلاق بيد واشنطن حصرًا.
أما بولندا فقد ذهبت أبعد في الخطاب! فالرئيس البولندي الشاب كارول نافروتسكي يتحدث عن الرغبة في الانضمام إلى المشروع النووي، لكن القراءة الواقعية بالطبع تشير إلى أن وارسو لا تستطيع، وليس لديها القدرة على صنع القنبلة النووية، فضلًا عن كون ذلك خيارًا عالي التكلفة سياسيًّا واقتصاديًّا. الأقرب لبولندا هو استضافة قدرات نووية حليفة، سواء أمريكية أو أوروبية، على غرار النموذج الروسي البيلاروسي، وهو الحاضر في الذهن البولندي على الأغلب عند الحديث عن هذه المسألة، ولكن في اتجاه معاكس بالطبع.
دويلات البلطيق -مثل لاتفيا وإستونيا- تظل دولًا تفتقر إلى أي مقومات ذاتية في هذا المجال، وما تطرحه يندرج فقط ضمن البحث عن مظلة سياسية وعسكرية تعزز شعورها بالأمن في مواجهة روسيا. وفي هذا السياق مثلًا تأتي تصريحات وزير خارجية إستونيا مؤخرًا عن استعداد تالين لاستضافة قنابل نووية ناتوية على أراضيها، وهو ما رد عليه الكرملين بتهديد مباشر بتوجيه الصواريخ النووية الروسية عليها.
إجمالًا، يمكن القول إن الحديث عن درع نووية أوروبية لا يعني أن أوروبا تستعد لحرب نووية وشيكة مع روسيا، لكنه يعني أن الحرب الأوكرانية أعادت النووي إلى مركز التفكير الإستراتيجي في أوروبا.
والحقائق التي لدينا لحظة كتابة هذه السطور هي أن أوروبا لا تملك بنية ردع مستقلة، باستثناء فرنسا وبريطانيا كما أشرنا أعلاه بالطبع، وأن أي محاولة توسيع للمظلة النووية الأوروبية ستصطدم بتعقيدات قانونية وتعقيدات سيادية داخلية في دول القارة العجوز، وأن الخطاب النووي الأوروبي في ذاته يرفع منسوب التوتر ويخفض عتبة الحساسية تجاه فكرة الاستخدام نفسها، خصوصًا لدى موسكو والكرملين.
وبوتين لا يرى أن أوروبا تستطيع الخروج من الجلباب الأمريكي، في هذه اللحظة التاريخية على الأقل، ولكنها تخيط بطانة إضافية تحسبًا لأي تغير في واشنطن، وهذا لا يعني أن أوروبا ستصبح مستقلة غدًا، لكنه يعني أنها بدأت تتحرك. ومع ذلك يريد ترمب أن يستمر ممسكًا بالمقود، بمعنى أنه يريد أن تزداد ميزانيات أوروبا، وأن تتسع طلباتها من السلاح الأمريكي، وأن تبقى الصناعات الأمريكية شريكًا لا يمكن تجاوزه.
بالمختصر المفيد، يريد ترمب أوروبا أقوى، نعم.. لكن أوروبا منافسة لأمريكا، لا.
أما فيما يتعلق بموسكو والكرملين، فإن كل خطوة أوروبية لبناء صناعة دفاع مستقلة تحمل مفارقة؛ بمعنى أنها من ناحية تضعف نفوذ واشنطن نسبيًّا، لكنها في الوقت نفسه تعزز القدرة العسكرية الأوروبية على الجناح الشرقي للناتو.
أي إن بوتين لا يربح تلقائيًّا من حدوث شقاق صناعي وتسليحي ونووي عبر الأطلسي، فهو قد يواجه ناتو أقل أمريكية، نعم، لكنه أكثر قدرة أوروبية على المدى المتوسط.
في النهاية، ما يقوله ترمب لأوروبا اليوم يمكن تلخيصه في جملة بسيطة: ادفعوا أكثر كي تردعوا روسيا، ولكن بشرط ألا تحولوا هذا الدفع إلى مشروع استقلال يخرجكم من جلبابنا، أو يخرجنا من سوقكم ومنظومتكم، ومن قيادتكم.
أما أوروبا فهي عالقة بين خوفين: خوف من روسيا على حدودها، وخوف من أن تصبح رهينة مزاج سياسي أمريكي متقلب، خير مثال عليه ترمب وما يفعله بها.
وبين الخوفين يعود شبح النووي إلى الواجهة، ليس لأن أوروبا تريد حربًا نووية، فأنا أستبعد ذلك؛ فالأوروبيون “أحرص الناس على حياة”، ولكن لأن السياسة حين تفقد الثقة، فهي تبحث عن الضمانة القصوى، ولو كانت مجرد خطاب.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير