مقالات المركز

الخليج.. وحسابات الحرب المعقدة


  • 7 مارس 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: upi.com

بعد خمسة أيام من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لم تعد المؤشرات الميدانية والسياسية مجرد تفاصيل يومية، بل تحولت إلى معطيات يمكن اعتمادها لقراءة مسار الحرب وكلفتها ونتائجها المحتملة. فالحرب، كما تبدو حتى الآن، ليست مواجهة ثنائية مغلقة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، بل هي حدث إقليمي يعيد ترتيب موازين القوة ويختبر بنية الأمن الخليجي برمته.

أحد أهم هذه المؤشرات أن دول الخليج العربي باتت أكثر الأطراف تحمّلًا لأعباء الرد الإيراني، ربما أكثر من إسرائيل والولايات المتحدة نفسيهما.

فالجغرافيا هنا ليست عاملًا محايدًا، بل محددًا استراتيجيًا حاسمًا. والإشكال بالنسبة لهذه الدول، التي تحولت إلى الهدف الأول للاستهدافات الإيرانية، أنها لم تقرر خوض هذه الحرب، ولم تحدد توقيتها، ولم تكن طرفًا في قرار اندلاعها في هذا التوقيت وبهذا الشكل المفتوح.

لكنها وجدت نفسها أمام سيناريوهات تتعارض مع حساباتها الاستراتيجية والجيوسياسية ومشاريعها الإقليمية القائمة على الاستقرار وضبط الإيقاع ومنع الانفجار الشامل.

الحقيقة الجغرافية، وحسابات إسرائيل التوسعية، واستراتيجية إيران في إدارة الصراع، كلها عوامل جعلت الخليج في قلب كرة النار المتوهجة. فاعتماد طهران على استراتيجية تعظيم الكلفة، ونقل الضغط إلى المجال الحيوي للخصم، جعل جغرافيا الخليج المسرح المفضل لصواريخها الباليستية وطيرانها المسيّر، نظرًا لميزة القرب العملياتي وكثافة الأهداف الحساسة فيه. والرهان الإيراني هنا مزدوج: رفع الكلفة الأمنية والاقتصادية على الحلفاء الإقليميين لواشنطن، وخلق اتجاه ضاغط داخل دوائر القرار الأمريكية لإنهاء الحرب قبل أن تتحول إلى نزيف استراتيجي مفتوح، بما يتيح إنقاذ النظام في طهران من سيناريو السقوط.

غير أن الحسبة السياسية والجيوسياسية الموضوعة أمام صانع القرار الخليجي أعقد بكثير مما تبدو عليه. فكل قرار – سواء بالتصعيد أو التهدئة أو التموضع الحذر – له كلفته الآنية وتداعياته المستقبلية.

يدرك الخليج، الواقع في مرمى النيران، أن السيناريوهات المرسومة في واشنطن وتل أبيب لا تتوافق مع أولوياته الاستراتيجية. فسقوط النظام في طهران، رغم ما قد يحمله من مكاسب ظرفية تتعلق بإضعاف النفوذ الإيراني، قد يفتح في المقابل بابًا لفوضى جيوسياسية واسعة النطاق، تمتد آثارها إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، بما يضع الخليج أمام بيئة إقليمية غير مستقرة وهدّامة لسنوات طويلة.

وفي المقابل، فإن نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في تغيير النظام في إيران والإتيان بنظام موالٍ لواشنطن قد يسرّع من إعادة تشكيل الإقليم وفق تصور يقوم على إعادة هندسة موازين القوة، بما ينسجم مع فكرة “الشرق الأوسط الجديد” القائم على هيمنة إسرائيل وإعادة تعريف أولويات المنطقة الأمنية. وفي هذه الحالة، قد يجد الخليج نفسه أمام معادلة جديدة تتقلص فيها هوامش المناورة الاستراتيجية، ويتحول فيها من شريك في التوازن إلى ساحة ضمن منظومة أمنية تقودها تل أبيب. كما أن تخلص إسرائيل من معضلة إيران سيجعلها أكثر قدرة على إعادة ترتيب أولوياتها تجاه ما يسميه بنيامين نتنياهو “المحور السني”، بما يحمله ذلك من دلالات تتعلق بإعادة صياغة التحالفات والضغوط.

وفي المقابل أيضًا، يدرك الخليج أن صمود إيران وتجاوزها هذه المحنة عبر استراتيجية الفوضى وتوسيع ساحات الاشتباك سيعني تعزيزًا لموقعها التفاوضي مستقبلًا، ويمنحها سردية انتصار تعيد من خلالها تثبيت نفوذها الإقليمي بثقة أكبر. وعندها ستكون دول الخليج قد دفعت كلفة الحرب دون أن تحقق تحولًا استراتيجيًا حاسمًا في ميزان القوة.

لذلك حاولت دول الخليج، من خلال تحركاتها الدبلوماسية السابقة، تجنب اندلاع هذه الحرب أو على الأقل الحد من اتساعها. غير أن الحسابات الإسرائيلية، القائمة على استثمار اللحظة الدولية، نجحت في إقناع الإدارة الأمريكية بجدوى المواجهة. أما حسابات ترامب فتبدو مرتبطة بسياق أوسع يتجاوز إيران نفسها؛ إذ تندرج ضمن استراتيجية تطويق الصين وإعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية في بؤر الارتكاز الجيوسياسي.

ومن هذا المنظور، فإن إسقاط إيران لا يعني فقط إزالة خصم إقليمي، بل بناء حلقة جديدة في سلسلة الاحتواء الاستراتيجي للصين، فضلًا عن إعادة فتح ملف الثروات الإيرانية وإعادة دمجها ضمن منظومة النفوذ الغربي.

بعيدًا عن الحسابات بعيدة المدى، فإن الواقع العملياتي يتعقد يومًا بعد آخر.

فكلما أمعنت واشنطن وتل أبيب في ضرب إيران، وسعت الأخيرة نطاق استهدافاتها في الخليج، في متوالية تصعيدية مفتوحة على احتمالات غير منضبطة.

وتكشف المؤشرات أن واشنطن تتحرك تكتيكيًا، وتعيد تعديل استراتيجيتها بناءً على النتائج اليومية للمعارك، بعدما سقطت فرضية الانهيار السريع للنظام عبر استهداف الصف الأول أو التعويل على تحرك شعبي واسع.

ومع تراجع هذه الفرضيات، تتجه بعض دوائر القرار الأمريكية إلى خيارات أكثر خطورة، من بينها دعم فواعل محلية مسلحة للتقدم على الأرض.

وهي خطوة تحمل في طياتها مخاطر إعادة إنتاج نماذج الفوضى المركبة في الإقليم، بما يهدد بتفكيك دول وإعادة رسم خرائط نفوذ على أسس عرقية ومذهبية، في سيناريو ستكون كلفته على الخليج مضاعفة أمنيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا.

أي إن المعضلة الخليجية لا تكمن فقط في نتائج هذه الحرب، بل في شكل الإقليم الذي سيتشكل بعدها.

فسواء انتهت بسقوط النظام في طهران أو بصموده، فإن التوازنات التي ستنشأ ستشكل واقعًا جديدًا. وبين هذين المسارين، يجد الخليج نفسه أمام معادلة دقيقة: حماية أمنه المباشر، والحفاظ على تماسك بيئته الإقليمية، ومنع تحوله من فاعل في معادلة التوازن إلى ساحة يُعاد رسمها وفق إرادات الآخرين.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع