
أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في نهاية فبراير (شباط) 2026 إلى هزة جيوسياسية جديدة في آسيا الوسطى. فهذه المنطقة، المحصورة بين روسيا والصين وبحري قزوين والأرال، تعتمد بشكل أساسي على الممرات التجارية التي تمر عبر إيران وموانئها على الخليج وبحر عمان للوصول إلى الأسواق العالمية. حين أُغلق مضيق هرمز وتعطلت بعض المنشآت النفطية، بدأت حكومات آسيا الوسطى في تقييم الآثار الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية لهذا الصراع. يتناول هذا المقال تأثير الحرب على اقتصاد دول آسيا الوسطى، وعلى أمنها الداخلي، وعلى علاقاتها الخارجية، ويخلص إلى أن الصراع كشف هشاشة البنى التحتية للتواصل في المنطقة، وزاد من الحاجة إلى تعزيز مسارات بديلة عبر بحر قزوين والقوقاز.
قبل الحرب، كان الممر الجنوبي عبر الأراضي الإيرانية يمثل أسرع وسيلة لدول آسيا الوسطى للوصول إلى البحار الدافئة. فالسكة الحديد الممتدة من أوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان إلى ميناءي بندر عباس وتشابهار كانت تنقل النفط والغاز والمعادن والصادرات الزراعية، وتوفر منفذًا للاستيراد من الخليج والهند. وعندما تعرضت هذه الموانئ والمنشآت النفطية لهجمات، أُغلق مضيق هرمز أمام الملاحة عدة أيام، وتعطلت خطوط الشحن. ارتفعت تكاليف التأمين على السفن، وتضاعفت أسعار الشحن، ما انعكس مباشرة على سلع المستهلكين في المدن الآسيوية الوسطى.
وفي بيان مشترك عقب اجتماع عقد عبر الإنترنت في بداية مارس (آذار)، دعا وزراء خارجية كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان وأذربيجان إلى تطوير ممرات بديلة عبر بحر قزوين والقوقاز وتركيا، وتنسيق عمليات إجلاء المواطنين. هذا الإعلان غير المسبوق عكس إدراكًا جماعيًا بأن الاعتماد على ممر واحد عبر إيران يجعل الاقتصاد الإقليمي رهينة للتوترات في الشرق الأوسط.
وقد أدى تضرر الممر الجنوبي إلى تحوّل الأنظار نحو الممر الأوسط عبر بحر قزوين وجنوب القوقاز وتركيا، المعروف أيضًا بـ”الطريق العابرة للقزوين”. هذا الطريق، الذي ازدهر منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، يتيح حركة البضائع بين الصين وأوروبا دون المرور بروسيا أو إيران. غير أن بنيته التحتية ما زالت محدودة؛ فموانئ كازاخستان وأذربيجان لا تستوعب إلا عددًا محدودًا من السفن، والعبّارات بين أكتاو وباكو تعاني من اختناقات، والسكك الحديدية في جورجيا وتركيا لا تزال في طور التوسعة. ومع تعطّل الممر الجنوبي، ارتفع الضغط على هذه البنية، ما أدى إلى ازدحام في الموانئ وتأخر في النقل.
كذلك تنظر بعض دول آسيا الوسطى إلى مشروع “مسار السلام والازدهار” الذي يربط أذربيجان بتركيا عبر أرمينيا بوصفه بديلًا استراتيجيًا، لكن هذا المسار يقع قرب الحدود الإيرانية وقد يصبح هدفًا محتملًا للضربات إذا توسعت الحرب.
تمثل كازاخستان وتركمانستان من كبار مصدري النفط والغاز في آسيا الوسطى، وقد استفادت خزائنهما من ارتفاع الأسعار العالمية بعد تعطل صادرات إيران وقطر والعراق. ففي مارس (آذار) ارتفع سعر خام برنت بنحو عشرة دولارات للبرميل، ما أدى إلى زيادة إيرادات هذه الدول. غير أن هذا المكسب جاء مصحوبًا بتقلب شديد؛ فقد ارتفعت تكاليف الشحن وزادت أقساط التأمين، ما قلل من هامش الربح.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية رفع كلفة الواردات الغذائية والسلع المصنعة بالنسبة للدول غير المنتجة للطاقة مثل قيرغيزستان وطاجيكستان، ما تسبب في موجة تضخم طالت الفئات ذات الدخل المحدود.
كذلك تعطلت حركة الطيران المدني، إذ أغلقت إيران مجالها الجوي أمام الرحلات التجارية، مما اضطر شركات الطيران في كازاخستان وأوزبكستان إلى إلغاء أو تحويل رحلاتها إلى دبي وجدة والدوحة، وأدى إلى انخفاض الطاقة الاستيعابية للشحن الجوي على مستوى العالم. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف نقل البضائع السريعة الزوال والسلع عالية القيمة كالذهب والإلكترونيات.
بالإضافة إلى ذلك، تُعد إيران مركزًا لإعادة تصدير المنتجات الزراعية من آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط، ما أدى إلى خسائر مباشرة للمزارعين والتجار الذين يعتمدون على السوق الإيرانية.
تواجه دول آسيا الوسطى أيضًا مخاطر أمنية. فالفراغ المحتمل في إيران قد يؤدي إلى تدفق لاجئين وأسلحة وعناصر متشددة عبر الحدود، ما يهدد الاستقرار الهش أصلًا في مناطق مثل وادي فرغانة.
على الجانب الآخر، يشعر قادة المنطقة بالقلق من احتمال استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بالشركات الغربية، مثل حقول تنغيز وقشقاغان في كازاخستان، إذا اعتبرت إيران أو جماعات موالية لها أن هذه المنشآت تدعم الخصوم. لذلك رفعت السلطات حالة التأهب الأمني، وكثفت الحراسة على خطوط الأنابيب ومحطات الكهرباء والمطارات، وعززت الرقابة على الحدود مع تركمانستان وأفغانستان.
وفي السياق نفسه، حدثت عمليات إجلاء واسعة النطاق للمواطنين الآسيويين من منطقة الخليج وإيران. فقد أعلنت كازاخستان أن أكثر من أربعة آلاف من رعاياها كانوا عالقين في الإمارات ودول أخرى عند اندلاع الحرب، وأن 96 عاملًا كانوا محاصرين في إيران، معظمهم في منجم ذهب قرب زركوه.
وأطلقت أوزبكستان عمليات مماثلة عبر الحدود التركمانية والإيرانية، فيما عبر مئات المواطنين من طاجيكستان وأذربيجان الحدود الإيرانية إلى أذربيجان عبر معبر أستارا. وقد سلطت هذه الجهود الإنسانية الضوء على ضعف شبكات الإجلاء وحاجة الحكومات إلى تعاون أكبر فيما بينها ومع الدول المضيفة لتنظيم ممرات إنسانية في حالات الأزمات.
تاريخيًا، حاولت دول آسيا الوسطى اتباع سياسة توازن بين القوى الكبرى. فهي تربطها علاقات وثيقة بكل من روسيا والولايات المتحدة والصين ودول الخليج، بالإضافة إلى علاقات ثقافية ودينية مع إيران وتركيا.
بعد اندلاع الحرب، استدعت الحكومات الآسيوية الوسطى قادة الأجهزة الأمنية ووجهت رسائل تعزية للدول المتضررة من الصراع، لكنها حرصت على عدم الانحياز إلى أي طرف. فالرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف دعا إلى احترام القانون الدولي وحماية المدنيين، لكنه تجنب إدانة واضحة لإيران أو للدول التي نفذت الضربات.
كما أعلنت كازاخستان، برفقة الدول الأخرى، استعدادها للعب دور الوساطة، مستندة إلى خبرتها السابقة في استضافة مفاوضات الملف النووي الإيراني واتفاقية أستانا الخاصة بسوريا.
غير أن الحياد لا يعني عدم التحرك. فعلى المستوى الإقليمي، برزت آلية “الاجتماعات التشاورية لدول آسيا الوسطى”، التي تضم كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، بوصفها منصة للتنسيق. وفي عام 2025 انضمت أذربيجان إلى هذه الآلية، ليصبح التكتل معروفًا باسم “C6″، ما يعكس تقاطع مصالح دول آسيا الوسطى مع جنوب القوقاز.
وقد شدد هذا التكتل في بياناته على ضرورة تنويع مسارات التجارة، وتطوير البنى التحتية في موانئ بحر قزوين مثل كوريك وأكتاو في كازاخستان، وباكو في أذربيجان، وتحسين الربط البري بين المنطقة وتركيا.
لا يمكن فهم تداعيات الحرب على آسيا الوسطى دون النظر إلى التنافس بين روسيا والصين وتركيا في هذه المنطقة. تسعى موسكو إلى الحفاظ على نفوذها التاريخي ومنع تموضع عسكري أمريكي فيها. وفي الوقت ذاته تُعد الصين المستثمر الأكبر في البنية التحتية للمنطقة عبر مبادرة “الحزام والطريق”، وهي تستورد نحو 13% من نفطها من إيران، ما يجعلها حريصة على وقف التصعيد.
ومن جهة أخرى، تروج تركيا لممر بديل يربطها بآسيا الوسطى عبر أذربيجان ومنطقة ناخيتشيفان، مستفيدة من الروابط الثقافية واللغوية.
ومع تعطل الممر الجنوبي، سعت هذه القوى إلى تعزيز حضورها؛ فقد عرضت الصين زيادة استثماراتها في موانئ كازاخستان لتوسيع قدرة العبور عبر بحر قزوين، بينما استغلت روسيا الارتباك لفرض شروط أفضل على شحنات النفط الكازاخي عبر أراضيها. أما تركيا فتعمل على تسريع مشروع “الممر الجنوبي التركي” الذي يربط باكو بمدينة قارص التركية عبر أرمينيا، مما يتيح لآسيا الوسطى منفذًا إلى البحر المتوسط.
تكشف الحرب ضد إيران عن مدى تشابك آسيا الوسطى مع النظام الإقليمي والعالمي، وتظهر هشاشة الممرات التجارية التي تعتمد عليها اقتصادات الدول غير الساحلية. فأي اضطراب في مضيق هرمز أو الأراضي الإيرانية ينعكس فورًا على أسعار النفط والتجارة والأمن الداخلي في كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان.
كما تؤكد الأزمة أن سياسة الحياد وحدها لا تكفي؛ إذ يجب على دول المنطقة الاستثمار في تطوير بنى تحتية متعددة الاتجاهات عبر بحر قزوين والقوقاز وروسيا، وتعزيز التكامل فيما بينها لتقليل الاعتماد على دولة واحدة أو مسار واحد.
وفيما تواجه المنطقة ضغوطًا من القوى الكبرى وتحتاج إلى التوفيق بين مصالحها المتعارضة، فإن الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والسياسي يعتمد على قدرة قادتها على إدارة الأزمات بحكمة، وتعزيز التعاون الإقليمي، والحد من التوترات الداخلية والخارجية في آن واحد.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير