القضايا الاقتصاديةمقالات المركز

الجغرافيا الاقتصادية للبرازيل ودورها في إعادة رسم مراكز الثقل العالمي


  • 31 يناير 2026

شارك الموضوع

لا يمكن فهم الموقع المتنامي للبرازيل في النظام الدولي المعاصر من خلال سردية “الدولة الصاعدة” تحت طفرة ظرفية، أو زخم سياسي مؤقت، إذ إن صعود دولة البرازيل النسبي يستند إلى بنية اقتصادية عميقة، وتحوّلات تدريجية في أنماط الإنتاج والتجارة والاندماج الدولي. فالبرازيل، بوصفها أكبر دولة في أمريكا اللاتينية من حيث المساحة وعدد السكان، وأحد الاقتصادات العشرة الكبرى عالميًّا، تمتلك مقومات مادية وبشرية تؤهلها للانتقال من اقتصاد ناشئ متقلب إلى فاعل اقتصادي إستراتيجي في عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب، ويُقدَّر ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي بنحو 2.1- 2.2 تريليون دولار، مع تجاوز 4.2 تريليون دولار وفق تعادل القوة الشرائية؛ ما يعكس وزنًا اقتصاديًّا حقيقيًّا يتجاوز الأرقام الاسمية، ويمنحها قدرة متزايدة على التأثير في سلاسل القيمة العالمية، وتوازنات التجارة والطاقة والموارد.

 تتمثل الركيزة الأولى لهذا المسار في البنية الاقتصادية المتنوعة للبرازيل، مقارنة بعدد كبير من الدول النامية التي تقوم اقتصاداتها على قطاع واحد أو مورد أحادي؛ فالاقتصاد البرازيلي لا يعتمد على منطق الريع الاستخراجي وحده؛ بل يتوزع هيكليًّا بين قطاع خدمات واسع يساهم بنحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وقطاع صناعي يقارب 20%، إلى جانب قطاع زراعي لا تتجاوز مساهمته المباشرة 6- 7% من الناتج، لكنه يولد قيمة تصديرية وإستراتيجية عالية تفوق وزنه الكمي الظاهر.

تكشف هذه المفارقة بين الوزن النسبي والمردود الإستراتيجي عن نقطة قوة نوعية في النموذج البرازيلي؛ إذ تقوم الزراعة البرازيلية على إنتاجية مرتفعة، وكثافة رأسمالية وتكنولوجية، بعيدًا عن النمط الزراعي التقليدي. وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن البرازيل تُعد من بين أكبر ثلاثة مصدّرين عالميًّا لفول الصويا والذرة واللحوم الحمراء والسكر والبن، بل تستحوذ منفردة على أكثر من 20% من التجارة العالمية لبعض هذه السلع. ويمنح هذا الموقع البرازيل نفوذًا غير مباشر في معادلات الأمن الغذائي العالمي بالدرجة الأولى، يتعاظم خصوصًا في فترات اضطراب سلاسل الإمداد الدولية، واحتدام الأزمات الجيوسياسية.

إلى جانب ذلك، يمثل قطاع الطاقة أحد أعمدة القوة الصامتة في التجربة البرازيلية، فالبرازيل من الدول القليلة التي تمتلك مزيج طاقة منخفض الانبعاثات نسبيًّا دون أن تكون دولة نفطية ريعية خالصة. أكثر من 80% من إنتاج الكهرباء يأتي من مصادر متجددة، تتصدرها الطاقة الكهرومائية، مع توسع متسارع في طاقة الرياح والطاقة الشمسية خلال العقد الأخير. ووفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، فإن البرازيل تُعد من بين أكبر خمس دول عالميًّا في القدرة المركبة لطاقة الرياح في الأسواق الناشئة. هذا الواقع هو ما يمنح الاقتصاد البرازيلي ميزة تنافسية مستقبلية في عالم يتجه إلى فرض قيود كربونية وتشريعات تجارية مرتبطة بالبصمة البيئية.

من الزاوية الجيوسياسية، تستفيد البرازيل من موقعها بوصفها قوة وسطى كبرى لا تنتمي تقليديًّا إلى مراكز القرار الغربي، ولا تتموضع في هامش النظام الدولي، بل تحتل موقعًا وسيطًا يتيح لها أداء أدوار ترجيحية متزايدة؛ فهي عضو مؤسس في مجموعة بريكس، وفاعل رئيس في ميركوسور، في حين تحافظ في الوقت نفسه على شبكة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا.

وفي هذا السياق، أصبحت الصين الشريك التجاري الأول للبرازيل منذ عام 2009، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين الطرفين 150 مليار دولار سنويًّا وفق بيانات رسمية، مدفوعًا بتكامل واضح بين الصادرات الزراعية والمعدنية البرازيلية والطلب الصناعي الصيني.

حقق الاقتصاد البرازيلي هذا النجاح نتيجة تضافر عوامل هيكلية وسياسات اقتصادية مستمرة على مدى عقود. في المقام الأول حيث أدى التنوع الاقتصادي دورًا محوريًّا، فالتوازن بين قطاع الخدمات، والصناعة، والزراعة العالية الإنتاجية، منح البلاد قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية والتقلبات السوقية، مع الحفاظ على عوائد تصديرية إستراتيجية، خصوصًا في السلع الغذائية والمعادن الأساسية، ثم استفادت البرازيل من استثمارات طويلة المدى في البنية التحتية والابتكار الزراعي والصناعي، بما في ذلك تطوير تقنيات الزراعة المكثفة رأس المال والطاقة؛ ما عزز الإنتاجية، وأعاد صياغة موقعها في الأسواق العالمية. بعد ذلك، أدت السياسات الاقتصادية الكلية المستقرة دورًا في الحفاظ على معدلات تضخم منخفضة نسبيًّا، وتحفيز الطلب المحلي، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، مع مرونة كافية للتكيف مع تغيرات أسعار السلع العالمية، وتقلبات رأس المال الدولي. وأخيرًا، أسهمت القدرة الدبلوماسية والاقتصادية على إدارة شبكة علاقات دولية متوازنة مع الصين، وروسيا، والولايات المتحدة، في تعزيز المكاسب التجارية والاستثمارية، وتمكين البرازيل من توظيف موقعها الجيو-اقتصادي لتعظيم العوائد الإستراتيجية دون الانزلاق في تبعيات أحادية.

وكان تطوير القطاع الزراعي والتصدير أحد أبرز عوامل هذا النجاح، حيث بلغ هذا القطاع مستويات قياسية من الإنتاج والتصدير بفضل الابتكار العلمي والسياسات الداعمة للزراعة المكثفة الرأس المال. وقد انعكس ذلك في أداء قياسي لصادرات البرازيل في 2024، مع توقعات بزيادة الإنتاج والتصدير في 2025، مدفوعًا بالطلب المتزايد من الأسواق الناشئة والشرق أوسطية.

كما أدى التكامل في القطاع الخدماتي دورًا محوريًّا بفضل نمو قطاعات المعلومات والاتصالات والسياحة والتجارة؛ مما عزز الطلب المحلي، وأتاح فرصًا أكبر للاستثمار الأجنبي والمنافسة الإقليمية. وتدعم بيانات إحصائية حديثة وجود تعافٍ في مبيعات التجزئة ومؤشرات النشاط الاقتصادي في هذه القطاعات؛ مما يعكس قدرة الاقتصاد البرازيلي على امتصاص الصدمات، والتكيف مع متغيرات الطلب العالمي.

بالإضافة إلى ذلك، أسهمت سياسات الاقتصاد الكلي المستقرة نسبيًّا، مثل إدارة التضخم والتوازن المالي، في خلق بيئة أكثر جذبًا للاستثمار، رغم التحديات مثل ارتفاع التضخم عن مستويات الاستهداف. وقد أسهم ذلك في تعزيز الثقة لدى المستثمرين الأجانب، وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني؛ مما عزز الموقع التنافسي للبرازيل على الصعيد الدولي.

وبذلك فإن البرازيل مرشحة أن تكون أحد أركان التوازن الاقتصادي العالمي في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، بوصفها قوة وازنة قادرة على التأثير في سياق التحول العالمي الجديد.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع