
حين أعلن الطرفان الأمريكي والإيراني، في منتصف يونيو (حزيران) 2026، التوصل إلى تفاهم أولي، لم يكن الحدث مجرد وثيقة دبلوماسية تُضاف إلى سجل طويل من المفاوضات المتعثرة، بل مثّل لحظة مفصلية تحاول إخراج الشرق الأوسط من حرب مفتوحة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر.
والمفارقة أن هذا التفاهم، خلافاً لما توحي به الذاكرة المرتبطة بالملف النووي منذ اتفاق عام 2015، لا يقدّم نفسه أساساً كتسوية نووية، بل كاتفاق لوقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، فيما أُجّل ملف البرنامج النووي وملف العقوبات والأموال المجمدة إلى جولة تفاوضية لاحقة.
وجوهر القضية لم يعد يدور حول نسبة التخصيب وحدها، بل حول موقع إيران الإقليمي بعد الحرب، وأمن الطاقة العالمي، ومصالح دول الخليج، ومستقبل توازن القوى في منطقة خرجت لتوها من اختبار دموي واسع.
ووفق ما نقلته وكالات أسوشيتد برس ورويترز وشبكة NPR، فإن النص الكامل للتفاهم لم يُنشر بعد، وما يُتداول بشأنه يستند إلى تصريحات مسؤولين أمريكيين وإيرانيين ووصف إعلامي، وهو ما يفرض قدراً من الحذر في التعامل مع تفاصيله.
لم يولد التفاهم في فراغ، بل جاء بعد مسار طويل من التصعيد. فمنذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 وعودة العقوبات تحت عنوان «الضغط الأقصى»، توسّع البرنامج النووي الإيراني وارتفعت نسب التخصيب، فيما انهارت لاحقاً محاولات إحياء الاتفاق.
وفي يونيو (حزيران) 2025، وقعت حرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران، تبعتها ضربات أمريكية على منشآت فوردو ونطنز وأصفهان النووية، تركت البرنامج متضرراً، لكن من دون تفكيكه بالكامل.
وفي أواخر عام 2025، دخلت إيران أزمة داخلية حادة مع انهيار سعر الريال إلى مستويات قياسية واندلاع احتجاجات واسعة قمعتها السلطات. ورغم استئناف مفاوضات غير مباشرة برعاية عُمان ودول أخرى مطلع عام 2026، فشلت الجولات المتتالية في التوصل إلى تسوية.
وفي 28 فبراير (شباط) 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة على إيران ضمن ما عُرف بعملية «الغضب الملحمي»، معلنتين أن هدفها قطع جميع المسارات المحتملة لوصول إيران إلى سلاح نووي.
وأسفرت الضربة الافتتاحية عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، لتُعيّن طهران نجله خلفاً له وسط فراغ قيادي غير مسبوق. وردّت إيران بمئات الصواريخ وآلاف المسيّرات على إسرائيل وقواعد أمريكية ودول عربية، قبل أن تقدم على الورقة الأخطر، وهي إغلاق مضيق هرمز.
وهكذا تحولت أزمة نووية مزمنة إلى حرب إقليمية واسعة أعادت رسم خريطة المخاطر في المنطقة.
تتعامل الإدارة الأمريكية مع التفاهم بوصفه أداة لإنهاء تورط عسكري بات مكلفاً سياسياً واقتصادياً.
فالأولوية المعلنة تتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز ووقف نزيف أسعار الطاقة بعدما تجاوز سعر البنزين في الولايات المتحدة أربعة دولارات للغالون، إلى جانب منع إيران من بلوغ القدرة النووية العسكرية، وتثبيت أمن الحلفاء، وتجنب حرب استنزاف طويلة.
غير أن واشنطن تحرص، في الوقت ذاته، على عدم الظهور بمظهر المتنازل. فقد لوّح الرئيس الأمريكي، في تصريحات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز، باستئناف الضربات إذا لم يُتوصل إلى اتفاق دائم خلال ستين يوماً، بل تحدث عن إمكانية تحوّل بلاده إلى «حارس للشرق الأوسط» مقابل حصة من عائدات المنطقة.
ويعكس هذا الخطاب ضغوط السياسة الداخلية الأمريكية، وضغط الكونغرس واللوبيات المؤيدة لإسرائيل على قرارات الإدارة.
من جانبها، تنظر إيران إلى التفاهم بوصفه مخرجاً من حرب أنهكت اقتصادها وقيادتها معاً.
فطهران تريد وقف الضربات وضمان عدم تجدد الهجوم، ورفع العقوبات أو تخفيفها، والإفراج عن مليارات الدولارات من أصولها المجمدة في الخارج، واستعادة صادراتها النفطية بصورة منتظمة، والحصول على اعتراف ضمني بدورها الإقليمي.
لكن الدافع الأعمق يتمثل في البعد الاقتصادي والداخلي؛ فالتفاهم بالنسبة إلى طهران أداة لتخفيف الضغوط المعيشية وسط أزمة عملة وتضخم واحتجاجات سبقت الحرب.
وقد سارع نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إلى وصف الاتفاق بأنه «انتصار»، في خطاب موجّه إلى الداخل بقدر ما هو موجّه إلى الخارج.
هنا ينبغي التمييز بدقة بين ما هو مؤكد وما يزال قيد التفاوض.
فما أُعلن عنه، بحسب المسؤولين من الجانبين والتغطيات الإعلامية، هو مذكرة تفاهم تمدد وقف إطلاق النار القائم لمدة ستين يوماً تمهيداً لإنهاء دائم للحرب، وتنص على وقف الهجمات المتبادلة، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصارين المتقابلين، مع بدء عمليات إزالة الألغام عقب التوقيع.
كما رُبط التفاهم بوقف القتال بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، وهو شرط إيراني معلن.
وأعلنت باكستان وقطر، اللتان أدّتا دور الوساطة، أن التوقيع الرسمي سيجري في سويسرا.
أما ما لم يُحسم فهو الأهم. فمصير البرنامج النووي بقي مفتوحاً، ولم يأتِ الرئيس الأمريكي على ذكره في إعلانه الأول، رغم أنه كان السبب المعلن للحرب. لكنه ألمح، في حديث صحفي، إلى السماح لإيران بتخصيب منخفض المستوى، في تحول لافت عن مطلبه السابق القاضي بتفكيك البرنامج بالكامل.
كما بقيت قضية الأصول المجمدة ورفع العقوبات قيد التفاوض.
وباختصار، نحن أمام تسوية مؤقتة لإدارة الحرب، لا أمام اتفاق شامل، وهو تمييز جوهري لفهم هشاشة اللحظة الراهنة.
خلافاً للسيناريوهات التقليدية التي تصور إسرائيل طرفاً قلقاً من الخارج، كانت تل أبيب شريكاً مباشراً في إطلاق الحرب.
ومع ذلك، لم تشارك في المفاوضات التي قادتها واشنطن مع طهران، وأبدت تحفظات على بعض البنود التي كانت قيد البحث.
وتخشى إسرائيل أن يمنح أي تفاهم إيران متنفساً مالياً وشرعية دولية دون تفكيك شبكات نفوذها الإقليمية.
وقد ظهر التباين بين تل أبيب وواشنطن حين أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي نية بلاده الإبقاء على قواتها في جنوب لبنان إلى أجل غير مسمى، فيما انتقد الرئيس الأمريكي ضربة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت عشية الإعلان عن التفاهم.
ويكشف هذا التوتر أن نجاح أي تسوية لا يتوقف على طهران وواشنطن وحدهما، بل أيضاً على قدرة الأخيرة على ضبط حليفها الإسرائيلي.
شكّلت الحرب صدمة استراتيجية لدول الخليج.
فللمرة الأولى في تاريخها، استهدفت إيران الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، عبر ضربات طالت منشآت أمريكية ومواقع للطاقة في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عُمان.
وردّت السعودية والإمارات والكويت بضربات خاصة على إيران وحلفائها، لتنتقل من موقع الحياد إلى موقع الطرف المنخرط في الصراع.
لكن المواقف لم تكن متطابقة؛ فأبوظبي اصطفّت بحزم مع خط المواجهة الأمريكي الإسرائيلي، بينما مالت الرياض إلى منطق التهدئة خشية انجرار الحوثيين إلى المعركة وتهديد منفذها النفطي على البحر الأحمر.
أما قطر، التي تضررت منشآتها للطاقة في رأس لفان نتيجة ضربة إيرانية، فقد شهدت علاقاتها مع طهران قطيعة دبلوماسية، رغم دورها اللاحق في الوساطة.
ومع ذلك، تدرك دول الخليج أن إيران، وإن خرجت من الحرب منهكة، فإن أدوات نفوذها الإقليمية لم تُفكك بالكامل، وهو ما يدفع العواصم الخليجية إلى تبني براغماتية قائمة على الواقعية أكثر من الثقة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير