
أعلن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، خلال القمة الثنائية مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في سيول يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، أن البلدين وقعا مذكرة تفاهم بشأن التعاون في تمويل محطات الطاقة النووية مع تركيا. وجاءت هذه التصريحات في سياق زيارة دولة لأردوغان، وهي الأولى من نوعها منذ عام 2018، لتعكس تحولًا نوعيًا في العلاقات الثنائية من التعاون التقني إلى إطار تمويلي يدعم المشاركة الكورية في المشاريع النووية التركية الكبرى. ويأتي هذا التطور في إطار شراكة استراتيجية متجذرة تاريخيًا. فقد ساهمت القوات التركية إلى جانب الجنود الكوريين الجنوبيين خلال الحرب الكورية 1950-1953، مما أسس لعلاقات “مصاغة بالدم” كما وصفها لي جاي ميونغ.
تطورت العلاقات التركية – الكورية الجنوبية لاحقًا إلى شراكة اقتصادية، إذ دخل اتفاق التجارة الحرة حيز التنفيذ عام 2013، وبلغ حجم التبادل التجاري رقمًا قياسيًا يتجاوز 10 مليارات دولار في السنوات الأخيرة، مع طموح مشترك للوصول إلى (15) مليار دولار. غير أن البعد الاستراتيجي الجديد يكمن في قطاع الطاقة، حيث تسعى تركيا إلى تعزيز أمنها الطاقي وتقليل اعتمادها على واردات النفط والغاز، في حين تبحث كوريا الجنوبية عن أسواق تصدير لتكنولوجيتها النووية المتقدمة، خاصة مفاعلات (APR1400) التي أثبتت كفاءتها في مشاريع تمت بالإمارات العربية المتحدة.
يمثل مشروع محطة الطاقة النووية في سينوب، الواقعة على ساحل البحر الأسود، حجر الزاوية في استراتيجية تركيا لتوسيع قدراتها النووية، وهو في الوقت نفسه فرصة استراتيجية لكوريا الجنوبية لتعزيز مكانتها كمصدر للتكنولوجيا النووية. وتخطط أنقرة لبناء أربعة مفاعلات بقدرة تقارب (1400) ميغاواط لكل منها، أي إجمالي قدرة تبلغ نحو (5600) ميغاواط، بتكلفة تقديرية تتراوح بين (25 – 30) مليار دولار، مع هدف بدء توليد الكهرباء قبل عام 2035. ومن المتوقع أن تغطي المحطة، عند اكتمالها، حوالي (10%) من احتياجات تركيا السنوية من الكهرباء، مما يجعلها مكملة لمحطة أكويو (مفاعلات روسية – بها أربعة مفاعلات (VVER-1200) بقدرة إجمالية 4800 ميغاواط) التي تقترب من مرحلة التشغيل.
بالنسبة لتركيا، يحمل المشروع تأثيرات متعددة الأبعاد على أمن الطاقة والاقتصاد والجيوسياسة. أولًا، يعزز من تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، خاصة الغاز الطبيعي، في وقت تسعى فيه أنقرة إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2053 ورفع القدرة النووية الإجمالية إلى نحو 20 ألف ميغاواط بحلول 2050 (بما يشمل مفاعلات كبيرة وصغيرة معيارية). ثانيًا، يتيح المشروع إمكانية نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات المحلية في مجالات البناء والتشغيل والصيانة، بالإضافة إلى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل الطويل الأمد (الذي قد يمتد إلى 60-80 عامًا). ثالثًا، يساهم في استقرار أسعار الكهرباء على المدى الطويل إذا تم التوصل إلى نموذج تمويلي وتسعيري مناسب، على عكس بعض المخاطر المرتبطة بنموذج “البناء-الامتلاك-التشغيل” في أكويو.
ويشكل اختيار الشريك في سينوب اختبارًا لاستراتيجية تركيا في التوازن بين القوى. بينما تهيمن روسيا على أكويو، تسعى أنقرة إلى تنويع شركائها في سينوب وتراقيا، حيث تتنافس كوريا الجنوبية بمفاعلات (APR1400) مع روسيا وكندا وأطراف أخرى. وقد وصف أردوغان كوريا بأنها “متعاون محتمل كبير”، مشيرًا إلى أهمية عوامل التمويل وتكاليف التوليد والفوائد الاقتصادية للقرار النهائي. وقد يعزز نجاح الشراكة مع كوريا استقلال تركيا النسبي في الطاقة ويقلل من الاعتماد المفرط على أي مورد واحد، بينما قد يؤدي اختيار روسيا إلى تعميق الاعتماد الجيوسياسي.
أما بالنسبة لكوريا الجنوبية، فإن الفوز بمشروع سينوب يمثل تتويجًا لاستراتيجيتها التصديرية النووية بعد نجاحها في الإمارات. ومذكرة التفاهم لعام 2025 بين (KEPCO) الكورية الجنوبية وشركة تركيا للطاقة النووية، ومذكرة التمويل الموقعة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 بين بنك التصدير والاستيراد الكوري و(TÜNAŞ) التركي، تهدفان إلى تحسين فرص الشركات الكورية من خلال توفير إطار للمعلومات والدعم المالي الاستباقي. ويُعد التمويل عنصرًا حاسمًا في مثل هذه المشاريع الضخمة، إذ يمنح كوريا ميزة تنافسية مقارنة بمنافسين قد يواجهون قيودًا مالية أو سياسية. كما يعزز المشروع من مكانة كوريا كقوة وسطى قادرة على تقديم حزمة متكاملة (تكنولوجيا، وتمويل، ونقل خبرة تشغيل)، مما يفتح أبوابًا لمشاريع مستقبلية في تركيا أو أسواق ثالثة.
لذا يتقاطع مشروع سينوب مع مجالات أخرى مثل الدفاع والمعادن الحرجة، مما يعمق العلاقات الاستراتيجية. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة: لم يتم اختيار الشريك والتكنولوجيا نهائيًا بعد، والمنافسة لا تزال مفتوحة، كما أن قضايا السلامة والقبول العام وإدارة النفايات النووية والنشاط الزلزالي المحتمل في المنطقة قد تؤثر على الجدول الزمني. كما أن حجم الاستثمار الضخم يتطلب ضمانات طويلة الأمد واستقرارًا سياسيًا واقتصاديًا.
يشهد التعاون الدفاعي بين جمهورية كوريا وتركيا تحولًا ملحوظًا من مرحلة نقل التكنولوجيا والتعاون الثنائي المحدود إلى إطار أكثر طموحًا يشمل الإنتاج المشترك والدخول المشترك إلى أسواق ثالثة. ويُعد مشروع الدبابة الرئيسية ألتاي (Altay) أبرز نموذج للتعاون الثنائي حتى الآن. تعتمد هذه الدبابة بشكل كبير على تكنولوجيا الدبابة الكورية (K2) بلاك بانثر، حيث قدمت شركة هيونداي روتم الدعم التقني في مراحل التطوير المبكرة، كما اعتمدت النسخ الأولى على محركات وناقلات حركة كورية. وقد دخلت الدبابة مرحلة الإنتاج التسلسلي، مع خطط تركية لتزويد الجيش بعدد يصل إلى ألف وحدة على مراحل. وفي تطور حديث، وقعت شركة ساميانغ كومتيك الكورية عقدًا لتوريد دروع متقدمة للدبابة ألتاي، مما يمثل أول تصدير مباشر لها في هذا المجال ويعزز التكامل التكنولوجي بين الطرفين. وأشار أردوغان نفسه إلى مشروع ألتاي ومدافع الهاوتزر فيرتينا كنموذجين ناجحين للتعاون، ودعا إلى زيادة عدد المشاريع المشتركة المماثلة.
وقد سجلت صادرات كوريا الجنوبية الدفاعية تقلبات قبل أن تعود إلى مسار صاعد. بلغت نحو 17.3 مليار دولار عام 2022، ثم انخفضت إلى 13.5 مليار دولار في 2023، وإلى نحو 9.5 مليار دولار في 2024، قبل أن ترتفع مجددًا إلى 15.4 مليار دولار عام 2025. هذا الرقم ساهم في رفع حصة كوريا من الصادرات العالمية للأسلحة إلى مستويات جعلتها تحتل مراتب متقدمة (في بعض تقديرات 2025 وصلت حصتها إلى حوالي 6%). وتركز الصادرات الكورية على أنظمة مثل دبابات (K2)، ومدافع (K9) ذاتية الحركة، وأنظمة صواريخ تشونمو، والطائرات الخفيفة، مع بروز بولندا كسوق رئيسي في أوروبا.
أما تركيا، فقد شهدت نموًا أكثر استمرارية في صادراتها الدفاعية والجوية. بلغت حوالي (7.1-7.15) مليار دولار عام 2024، ثم تجاوزت (10) مليارات دولار لأول مرة في 2025 (نحو 10-10.5 مليار دولار). وفي عام 2026، واصلت الارتفاع؛ إذ بلغ إجمالي الصادرات في الأشهر العشرة الأولى (يناير (كانون الثاني) – أكتوبر (تشرين الأول)) 8.05 مليار دولار بزيادة (21%)، بينما وصل إجمالي الاثني عشر شهرًا الأخيرة إلى نحو (11.357) مليار دولار. وحقق أكتوبر (تشرين الأول) 2026 وحده رقمًا قياسيًا بلغ (1.14) مليار دولار. وتستهدف أنقرة مستويات أعلى في السنوات القادمة، مع التركيز على الطائرات بدون طيار، والعربات المدرعة، والأنظمة البحرية، والصواريخ.
شهدت الأشهر التي سبقت قمة نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 بين تركيا وكوريا الجنوبية خطوات تنظيمية مهمة. ففي يوليو (تموز) 2026، عقدت اللجنة المشتركة لصناعة الدفاع واللوجستيات اجتماعًا اتفقت فيه على استكشاف مجالات تعاون جديدة بناءً على نجاح برنامج ألتاي. وفي سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، وقع الجانبان خطاب نوايا للتعاون في مجال السفن العسكرية، مما يفتح آفاقًا جديدة في القطاع البحري الذي يتمتع فيه كلا البلدين بقدرات متقدمة. وأكد لي جاي ميونغ خلال القمة أن هذه الخطوات تمثل أساسًا متينًا، وأن البلدين اتفقا على “تعميق التعاون في صناعة الدفاع من خلال توسيع الإنتاج المشترك والتعاون التكنولوجي، واستكشاف فرص دخول الشركات الكورية والتركية معًا إلى أسواق دول ثالثة”.
يحمل هذا التوجه نحو الأسواق الثالثة أهمية استراتيجية كبيرة، حيث تمتلك تركيا خبرة واسعة في تصدير الأسلحة، خاصة الطائرات بدون طيار والأنظمة البرية، إلى أسواق في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، بينما تتميز كوريا الجنوبية بتقنيات عالية الجودة وموثوقية عالية في مجالات الدبابات والسفن والإلكترونيات الدفاعية. ويمكن أن يؤدي الجمع بين القدرات الإنتاجية التركية والتكنولوجية الكورية إلى منتجات تنافسية قادرة على المنافسة مع موردي الأسلحة التقليديين. كما أن هذا النموذج يقلل من مخاطر الاعتماد على مورد واحد، ويعزز من نفوذ الدولتين كقوتين متوسطتين تسعيان إلى توسيع حضورهما في سوق الأسلحة العالمي دون الارتباط الكامل بمحاور القوى الكبرى. ويعكس هذا التعاون توافقًا في الرؤى الاستراتيجية. تسعى تركيا إلى تعزيز استقلاليتها الدفاعية وتقليل الاعتماد على الموردين الغربيين التقليديين، بينما تسعى كوريا الجنوبية إلى تنويع أسواق صادراتها الدفاعية في ظل المنافسة الشديدة عالميًا.
يمثل توقيع مذكرة التفاهم حول تمويل المحطات النووية بين كوريا الجنوبية وتركيا تطورًا مهمًا يعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ويمهد الطريق لمشاركة كورية أعمق في مشروع سينوب ومشاريع مستقبلية. يتجاوز الأمر البعد التقني إلى أبعاد سياسية واقتصادية تتعلق بأمن الطاقة، والتنافس الدولي في التكنولوجيا النووية، وبناء تحالفات مرنة في عالم متعدد الأقطاب. مع اقتراب الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية عام 2027، قد تشكل هذه الخطوة أساسًا لتعميق التعاون في مجالات استراتيجية أخرى، لا سيما أن التعاون الدفاعي بين كوريا الجنوبية وتركيا قد يمثل نموذجًا متطورًا للشراكات بين القوى الوسطى، يتحول من الاعتماد على نقل التكنولوجيا إلى تكامل إنتاجي وتصديري، ويشير مشروع ألتاي والخطوات الأخيرة نحو التعاون البحري والدخول المشترك إلى الأسواق الثالثة إلى إمكانيات واعدة.
ومع ذلك، لا تخلو الشراكة التركية – الكورية الجنوبية من التحديات. أولًا، تبقى المنافسة قوية، إذ تواصل تركيا محادثاتها مع أطراف أخرى مثل روسيا وكندا. ثانيًا، يتطلب تنفيذ المشاريع النووية استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا طويل الأمد، بالإضافة إلى معالجة قضايا السلامة والبيئة والقبول العام. ثالثًا، قد تؤثر التوترات الإقليمية أو التغيرات في السياسات الداخلية على زخم التعاون. رابعًا، يحتاج التمويل إلى ضمانات وإطار قانوني واضح لتجنب المخاطر المرتبطة بالمشاريع الكبرى. خامسًا، تتطلب المشاريع العسكرية المشتركة تنسيقًا معقدًا في مجالات الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا والتمويل. سادسًا، قد تتأثر بالعوامل الجيوسياسية، مثل العلاقات مع حلف شمال الأطلسي أو التوترات الإقليمية. سابعًا وأخيرًا، تحتاج مثل هذه الشراكات إلى ضمان استدامة الطلب المحلي والتصديري لضمان جدوى الإنتاج المشترك على المدى الطويل. كما أن اختلاف الأولويات الصناعية بين البلدين قد يتطلب وقتًا لبناء سلاسل توريد متكاملة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير