مقالات المركز

التحول البرغماتي في السياسة الكندية تجاه الهند والصين


  • 8 مارس 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: asiatimes

بعد سنوات من التوترات الدبلوماسية والسياسية، جاءت زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الهند في الفترة من 27 فبراير (شباط) إلى 2 مارس (آذار) 2026، بعد دعوة من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، كمحاولة لتحسين العلاقات بين البلدين. وأسفرت عن توقيع اتفاقيات في مجالات التجارة والطاقة والزراعة والفضاء، بالإضافة إلى إطلاق استراتيجية للابتكار والمواهب بين الجامعات. وتمثل السياسة الكندية الراهنة تجاه آسيا نموذجًا من المرونة والبحث الاستراتيجي عن شركاء، كما تنظر الهند والصين إلى كل دولة في الغرب بوصفها فرصة اقتصادية واستثمارية يمكن استغلال التعاون معها في ظل السياسات الأمريكية التي تدفع الدول الغربية إلى البدء في سياسات تحوط استراتيجي، والبحث عن دول تُفتح معها آفاق سياسية واقتصادية وربما عسكرية جديدة.

تعود العلاقات بين كندا والهند إلى القرن التاسع عشر، عندما كان البلدان جزءًا من الإمبراطورية البريطانية. وبعد استقلال الهند في عام 1947، أُقيمت علاقات دبلوماسية رسمية، وانضم البلدان إلى الكومنولث وإلى مجموعة العشرين. وفي الخمسينيات، ساهمت كندا في مساعدات التنمية للهند من خلال خطة كولومبو، بما في ذلك مشروعات كهرومائية ومسوحات جوية في راجستان وأوتار براديش. وكان للعلاقات طابع إيجابي في البداية، مع زيارات رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو إلى البرلمان الكندي في عام 1949، ودعم كندا للهند خلال الحرب الباردة رغم تحالفها مع الولايات المتحدة. ولكن شهدت العلاقات توترات مبكرة، مثل تفجير نووي هندي في عام 1974 باستخدام تكنولوجيا كندية جزئيًا، مما أدى إلى تعليق كندا دعمها النووي، إذ اعتبرت أن الهند قد انتهكت اتفاقيات الاستخدام السلمي للتكنولوجيا.

مؤخرًا، أصبحت قضية الحركة الخالستانية “خالستان”، التي تطالب بإقامة دولة مستقلة للسيخ في البنجاب، مصدرًا رئيسيًا للتوتر. ونشأت الحركة في السبعينيات والثمانينيات كرد فعل على التمييز المتصور ضد السيخ في الهند، وتصاعدت إلى تمرد مسلح في البنجاب، مما أدى إلى آلاف القتلى. وفي عام 1985، وقع تفجير طائرة “إير إنديا” رقم 182، التي انطلقت من مونتريال، مما أسفر عن مقتل 329 شخصًا، معظمهم كنديون من أصل هندي، واتُهم متشددون سيخ كنديون بالمسؤولية. وأدى ذلك إلى انتقادات لكندا بسبب عدم كفاءة التحقيقات، وتعزيز الشكوك الهندية تجاه الجالية السيخية في كندا، التي تضم أكثر من 770 ألف شخص، وهي الأكبر خارج الهند. واستمرت التوترات في الثمانينيات والتسعينيات، إذ اعتبرت الهند أن كندا توفر ملاذًا آمنًا للانفصاليين، بينما نفت كندا ذلك، مشددة على حرية التعبير.

وفي العقود اللاحقة، شهدت العلاقات تحسنًا تدريجيًا، خاصة في المجالات الاقتصادية والتجارية. ففي عام 2010، بدأت مفاوضات اتفاق تجاري شامل، وارتفع حجم التجارة الثنائية إلى قرابة 10 مليارات دولار بحلول عام 2022. ومع ذلك، عادت التوترات في عام 2018 خلال زيارة رئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو، عندما دُعي عضو سيخي في الحركة الخالستانية إلى حفل رسمي، مما أثار غضب الهند. وتصاعد الأمر في عام 2023 عندما اتهم ترودو “عملاء حكوميين هنديين” بقتل هارديب سينغ نجار، زعيم خالستاني كندي، في بريتش كولومبيا، مما أدى إلى طرد دبلوماسيين متبادلًا وتعليق خدمات التأشيرات.

في هذا السياق، تأتي زيارة كارني كمحاولة لإعادة التوازن. فقد ركزت الزيارة على مومباي، المركز المالي، ونيودلهي، العاصمة السياسية، دون زيارة البنجاب كما حدث في زيارة ترودو. والتقى كارني بمودي، وأصدرا بيانًا مشتركًا يؤكد “شراكة قوية ومرنة وتنظر نحو المستقبل”، مع التركيز على الازدهار المتبادل والأولويات المشتركة للطرفين. وتم توقيع اتفاق تجاري بقيمة 1.9 مليار دولار لتوريد اليورانيوم من كندا إلى البرنامج النووي المدني الهندي، بالإضافة إلى اتفاقيات في الطاقة النظيفة والمعادن النادرة. كما تم الاتفاق على توقيع اتفاق شراكة اقتصادية شاملة (CEPA) بحلول نهاية عام 2026، بهدف رفع التجارة الثنائية من 10 مليارات إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2030، والإعلان عن شراكة طاقة استراتيجية جديدة للتعاون في الغاز المسال والغاز الطبيعي، و13 شراكة جامعية جديدة في ضوء استراتيجية المواهب والابتكار.

ووسعت الزيارة التعاون العسكري من خلال تدريبات مشتركة وتبادلات، وإنشاء شراكة أمن بحري لتعزيز سلاسل التوريد. وتم الاتفاق أيضًا على التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والابتزاز، مع نفي الهند أي تورط في عنف عابر للحدود. ويأتي هذا في سياق محاولة البلدين عبور فترة التوترات السابقة، إذ أكد كارني “الانخراط أكثر مع الهند عما كان عليه خلال العقدين السابقين”، مشيرًا إلى أن الشراكة ليست مجرد تجديد، بل توسع طموح. ويأتي هذا أيضًا في ضوء التوتر الكندي–الأمريكي، ما دفع كندا إلى البحث عن حلفاء في آسيا ومحاولة تجديد الشراكات التاريخية مع دول كبرى مثل الصين والهند لتخفيف ضغط واشنطن عليها، حيث يقود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملة ضغط سياسي واقتصادي قصوى ضد كندا، عبر فرض تعريفات جمركية واسعة وإعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (CUSMA).

ومع تولي مارك كارني رئاسة الوزراء، شهدت السياسات الكندية تحولًا براغماتيًا نحو التعاون الاقتصادي. وتمثل ذلك أيضًا في زيارة الصين قبل الهند في يناير (كانون الثاني) 2026، وهي أول زيارة لرئيس وزراء كندي منذ سنوات، حيث التقى بالرئيس شي جين بينغ. وقد بدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين كندا والصين في عام 1970، عندما أصبحت كندا واحدة من أوائل الدول الغربية التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية، متجاوزة تايوان. وكانت هذه الخطوة مدفوعة برغبة كندا في تنويع سياستها الخارجية بعيدًا عن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة.

ونمت العلاقات اقتصاديًا بشكل كبير في العقود اللاحقة، حيث أصبحت الصين ثاني أكبر شريك تجاري لكندا بعد الولايات المتحدة، مع حجم تجارة ثنائية بلغ حوالي 125 مليار دولار كندي في عام 2025. وركزت الصادرات الكندية على الموارد الطبيعية مثل الكانولا واللحوم والمعادن، بينما استوردت كندا المنتجات الصناعية والإلكترونيات من الصين.

ومع ذلك، شهدت العلاقات توترات حادة في السنوات الأخيرة. ففي عام 2018، اعتقلت كندا المديرة المالية لشركة هواوي منغ وانتشو بناءً على طلب أمريكي، مما أدى إلى احتجاز الصين مواطنين كنديين في قضية “المايكلز”، وفرض تعريفات انتقامية على المنتجات الكندية. وأدى ذلك إلى تجميد العلاقات، ووصفت كندا الصين في استراتيجيتها للمحيطين الهادئ والهندي عام 2022 بأنها “قوة عالمية مزعزعة للاستقرار”. كما أثارت قضايا التدخل الأجنبي الصيني في الانتخابات الكندية، والتجسس، وحقوق الإنسان في شينجيانغ وهونغ كونغ، مخاوف أمنية كبيرة.

لكن زيارة كارني إلى بكين أسفرت عن إعلان “شراكة استراتيجية جديدة” بين البلدين. ووصف كارني هذه الشراكة بأنها تضع كندا في موقع جيد ضمن “النظام العالمي الجديد”، كما يرى أن التعاون مع الصين في مجالات مثل الطاقة النظيفة والتكنولوجيا يعزز القدرة التنافسية الكندية، لكنه يؤكد وضع “حواجز حماية” في القطاعات الحساسة مثل المعادن النادرة، والتكنولوجيا المتقدمة، والبحث العلمي. كما تم توسيع الاستثمارات المتبادلة، مع ترحيب كندا بالاستثمارات الصينية في الطاقة والزراعة، وتحسين الشفافية في مراجعات الأمن القومي بموجب قانون الاستثمار الكندي.

وبالمثل، تبحث الهند عن تحالفات عالمية تخفف حدة التعريفات الجمركية الأمريكية التي بلغت حد 50% ضد نيودلهي، لكي تحول مصادر طاقتها بعيدًا عن روسيا. وبالتالي، يُحيّد كل من الهند وكندا مشاكله السياسية من أجل مواجهة سياسات الرئيس الأمريكي التي تؤثر على اقتصاد البلدين. إذ تسعى كندا إلى تنويع شركائها التجاريين بعيدًا عن الولايات المتحدة، بينما تحتاج الهند إلى مصادر طاقة موثوقة لدعم نموها. وهنا تظهر أهمية الاتفاق على اليورانيوم، الذي يعزز أمن الطاقة الهندي ويفتح أسواقًا لكندا في المعادن النادرة والذكاء الاصطناعي. كما يعيد تشكيل لجان بين البلدين لتحديد فرص الاستثمار، وحوار الوزراء الماليين لتعزيز المدفوعات الفورية والحوالات المالية.

أخيرًا، تظهر كندا سياسة براغماتية تحاول من خلالها تجديد شراكاتها الاقتصادية مع أقطاب مختلفة في العالم، لا سيما القوى الصناعية الكبرى في آسيا مثل الصين والهند. كما تعتبر كندا أن علاقاتها مع منافسين محتملين للولايات المتحدة، لا سيما الصين، يمكن أن تصنع لها هامشًا من المناورة السياسية في المفاوضات الاقتصادية والسياسية مع واشنطن في ظل إدارة الرئيس ترامب المتشددة تجاه البلاد. كما أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة لكندا للابتعاد عن سياسات العداء التي انتهجتها ضد نيودلهي وبكين، ويمكنها عبر تقديم التعاون الاقتصادي بوابةً لحل الخلافات أو تأجيلها لحين عودة الاستقرار إلى الساحة الدولية ومعرفة أثر سياسات الإدارة الأمريكية الجمهورية الحالية على النظام العالمي. وهو ما يلقى صدى عند الهند والصين في تحوطهما الاستراتيجي من أثر السياسات الأمريكية العدائية ضدهما، وبالتالي تعتبران أن أي دولة من المعسكر الغربي ترغب في الاقتراب منهما تمثل مساحة يمكنهما المناورة من خلالها أو الاعتماد عليها لإفشال أي محاولات لتقويض اقتصاديهما على الأقل.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع