القضايا الاقتصاديةمقالات المركز

أدوار مصر، والجزائر، وجنوب إفريقيا في هندسة التكامل الإفريقي

التجارة البينية الإفريقية وتشكيل التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية في القارة


  • 16 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: insidepolitic.co.za

يشهد الاقتصاد الإفريقي خلال العقد الأخير تحولات متسارعة تهدف إلى إعادة تشكيل موقع القارة الإفريقية ضمن النظام الاقتصادي العالمي، لا سيما في ظل السعي إلى تقليل التبعية للأسواق الخارجية، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين دول القارة. وفي هذا الإطار برز معرض التجارة البينية الإفريقية عام 2018 بمبادرة من البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد Afreximbank، بوصفه إحدى المبادرات العملية الرامية إلى دعم التكامل الاقتصادي الإفريقي، وترسيخ فكرة السوق القارية الموحدة. ويُعد هذا المعرض منصة تجمع الحكومات والمؤسسات المالية والشركات الإفريقية والدولية بهدف تعزيز التجارة والاستثمار داخل القارة. وقد احتضنت عدة دول إفريقية، من بينها مصر والجزائر وجنوب إفريقيا، فعاليات هذا المعرض؛ بما يعزز مسار التكامل الاقتصادي الإفريقي

الخلفية التاريخية للتجارة البينية الإفريقية في سياق بناء الهوية الاقتصادية للقارة

تمثل التجارة البينية الإفريقية أحد الأسس التاريخية التي ربطت المجتمعات الإفريقية اقتصاديًّا وثقافيًّا قبل ظهور الدولة الحديثة. فقد عرفت القارة منذ العصور القديمة نشاطًا تجاريًّا واسعًا، تجسد -على نحو رئيس- في طرق التجارة العابرة للصحراء الكبرى منذ القرن الثامن الميلادي، حيث نقلت القوافل سلعًا مثل الذهب والملح والعاج والمنسوجات والتوابل بين شمال إفريقيا وغربها ووسطها. كما نشطت التجارة عبر المحيط الهندي، أي ارتبطت مدن مثل كيلوا وممباسا وزنجبار بشبكات تبادل مع شبه الجزيرة العربية والهند والصين. وأسهمت هذه الحركة في ازدهار إمبراطوريات غانا ومالي وسنغاي التي اعتمدت على تجارة الذهب، كما جعلت أيضًا منطقة السودان وإثيوبيا أحد أهم المراكز الاقتصادية العالمية في العصور الوسطى، مرتبطة أيضًا بالسوق الآسيوية عبر البحر الأحمر، حيث مثلت المواني اليمنية مثل عدن وزبيد، والمواني الحبشية مثل دهلك، جسورًا لتبادل البضائع (اللبان، والبخور، والرقيق، والذهب) والسلع، وعبر مصر من القاهرة إلى نهر النيل، مما جعلها محورًا اقتصاديًّا وسياسيًّا إستراتيجيًّا بين إفريقيا وشبه الجزيرة العربية، إضافة إلى نمو مراكز حضارية وتجارية أخرى، مثل تمبكتو وغاو ووالاتا.

غير أن هذا النشاط شهد تراجعًا خلال الحقبة الاستعمارية، خصوصًا بعد مؤتمر برلين (1884- 1885) الذي أدى إلى تقسيم القارة وربط اقتصاداتها بالمراكز الصناعية الأوروبية عن طريق نهب الثروات، مما أضعف شبكات التجارة الإفريقية التقليدية. واستمرت آثار هذا التحول حتى بعد الاستقلال، حيث بقيت كثير من الدول الإفريقية تعتمد على تصدير المواد الأولية، واستيراد السلع المصنعة، وهو ما حدّ من تطور التجارة البينية الإفريقية، حتى جاء إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) عام 2021 لتدخل القارة مرحلة جديدة نحو تعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي من خلال تقليص الحواجز التجارية التي خلفها الاستعمار، وتشجيع حركة السلع والخدمات والاستثمارات بين الدول الإفريقية.

معرض التجارة البينية الإفريقية بوصفه أداة للقوة الاقتصادية الناعمة

يمثل إطلاق معرض التجارة البينية الإفريقية عام 2018 في القاهرة نقطة تحول في مسار التكامل الاقتصادي الإفريقي، حيث لم يعد التعاون الاقتصادي مقتصرًا على الاتفاقيات النظرية؛ بل انتقل إلى آليات تنفيذية عملية تربط الفاعلين الاقتصاديين داخل القارة. وقد أسهم تنظيم المعرض في تعزيز التواصل بين الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص؛ مما ساعد على تحويل التكامل الاقتصادي من مشروع سياسي إلى واقع اقتصادي تدريجي.

ويعكس تنقل المعرض بين القاهرة وديربان والجزائر محاولة لبناء توازن جغرافي داخل القارة يضمن مشاركة مختلف الأقاليم الإفريقية في قيادة مسار التكامل الاقتصادي. كما يعزز المعرض دور إفريقيا بوصفها فاعلًا اقتصاديًّا جماعيًّا، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي نحو تعددية الأقطاب.

المعرض في سياق إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية داخل إفريقيا

يسهم معرض التجارة البينية الإفريقية في إعادة توزيع مراكز الثقل الاقتصادي داخل القارة من خلال دعم الصناعات المحلية، وتعزيز سلاسل القيمة الإفريقية؛ فضعف التجارة البينية كان أحد العوامل التي أعاقت تشكيل سوق إفريقية موحدة، حيث ظلت الاقتصادات الإفريقية تعتمد على تصدير الموارد الأولية، واستيراد المنتجات المصنعة.

ومن خلال توفير منصات لعقد الشراكات الاستثمارية، يساعد المعرض على نقل الاقتصادات الإفريقية من نمط الاقتصادات الريعية إلى نمط الاقتصادات الإنتاجية، وهو تحول يحمل أبعادًا إستراتيجية تتعلق بتعزيز الأمن الاقتصادي للقارة، وتقليل هشاشتها أمام التقلبات الاقتصادية العالمية.

البعد الجيوسياسي: المعرض بوصفه أداة لبناء مراكز قيادة إقليمية

يشكل تنظيم معرض التجارة البينية الإفريقية في دول محورية انعكاسًا لصراع ناعم على قيادة مشروع التكامل الاقتصادي داخل القارة.

تمثل مصر مركزًا جيوسياسيًّا يربط إفريقيا بالشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، وهو ما يمنحها قدرة على أداء دور الوسيط الاقتصادي بين القارة والأسواق العالمية.

أما الجزائر، فتسعى إلى توظيف موقعها الجغرافي ومواردها الطاقوية لتعزيز دورها بوصفها بوابة إستراتيجية تربط إفريقيا بالفضاء المتوسطي ومنطقة الساحل، وهو ما يمنحها أهمية متزايدة في معادلات الأمن الاقتصادي والطاقة داخل القارة. كما يعكس احتضانها للمعرض عام 2025 سعيها إلى ترسيخ موقعها بوصفها قوة اقتصادية تقود مسار التكامل الإفريقي وفق مسار التحرر من الاستعمار.

وتبرز جنوب إفريقيا بوصفها القوة الصناعية الأكثر تطورًا في القارة، حيث يشكل اقتصادها نموذجًا للتحول الصناعي الإفريقي. وقد أسهم احتضانها نسخة ديربان في تعزيز البعد المؤسساتي والتكنولوجي للمعرض، كما عزز قدرتها على ربط اقتصاديات الجنوب الإفريقي بالأسواق القارية. ويعكس الدور الذي تؤديه جنوب إفريقيا تنافسًا ناعمًا مع القوى الاقتصادية الإفريقية الأخرى على قيادة مسار التكامل الاقتصادي.

المعرض في سياق التنافس الدولي على إفريقيا

يأتي تصاعد أهمية معرض التجارة البينية الإفريقية في ظل تزايد التنافس الدولي على الموارد والأسواق الإفريقية، لا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتسعى الدول الإفريقية من خلال تعزيز التجارة البينية إلى تقليل اعتمادها على الشركاء الخارجيين، وبناء قدرة تفاوضية جماعية داخل النظام الاقتصادي العالمي؛ ومن ثم فإن التكامل الاقتصادي الإفريقي هو إحدى أهم أدوات تحقيق السيادة الاقتصادية، بما يسمح بتعزيز القدرة الإنتاجية للقارة، ورفع قدرتها على التحكم في سلاسل التوريد العالمية.

البعد التنموي: التكامل الاقتصادي بوصفه مدخلًا للاستقرار السياسي

لا يقتصر دور المعرض على تحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة؛ بل يمتد ليشمل تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي داخل القارة؛ فتعزيز الاستثمار والتصنيع، وخلق فرص العمل، يسهم في تقليل التوترات الاجتماعية والهجرة غير النظامية، كما يعزز قدرة الدول الإفريقية على مواجهة التحديات الأمنية المرتبطة بالفقر والتهميش الاقتصادي.

كما يشكل المعرض منصة لنقل التكنولوجيا والخبرات الصناعية، وهو ما يمثل شرطًا أساسيًّا لتحقيق التحول الهيكلي للاقتصادات الإفريقية.

التحديات البنيوية أمام مشروع التكامل الإفريقي

رغم التقدم الذي تحقق، ما زال مشروع التكامل الاقتصادي الإفريقي يواجه تحديات بنيوية تتعلق بضعف البنية التحتية للنقل واللوجستيات، وتباين الأنظمة التشريعية، إضافة إلى التفاوت في مستويات التنمية بين الدول الإفريقية. كما يشكل التمويل أحد أبرز التحديات التي تعوق تنفيذ المشروعات الاقتصادية القارية.

آفاق مستقبلية.. نحو تشكيل قطب اقتصادي إفريقي

تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن استمرار تطوير آليات التعاون الاقتصادي الإفريقي، وعلى رأسها معرض التجارة البينية، قد يؤدي إلى تشكيل قطب اقتصادي إفريقي قادر على التأثير في التوازنات الاقتصادية العالمية. ويعتمد نجاح هذا المسار على قدرة الدول الإفريقية الكبرى، مثل مصر والجزائر وجنوب إفريقيا، على تنسيق سياساتها الاقتصادية، وتعزيز العمل المشترك داخل القارة.

خاتمة

يمثل معرض التجارة البينية الإفريقية أحد أبرز تجليات التحول الإستراتيجي الذي تشهده القارة في سعيها إلى بناء نموذج اقتصادي مستقل قائم على التكامل القاري. كما يعكس انتقال إفريقيا من موقع الفاعل الهامشي في الاقتصاد العالمي إلى موقع الفاعل الساعي إلى إعادة صياغة قواعد التفاعل الاقتصادي الدولي، وهو مسار قد يحدد ملامح النظام الاقتصادي العالمي خلال العقود المقبلة باعتبار إفريقيا مستقبل العالم.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع