مقالات المركز

“الأموال المظلمة” الأمريكية.. الديمقراطية على الأرصفة


  • 27 فبراير 2024

شارك الموضوع

هنا كل شيء يباع ويشترى، حتى الرئيس ونواب الكونغرس، بمجلسيه النواب والشيوخ، فأي ملياردير وصاحب مصالح يستطيع أن يشتري “سيناتور” ليدافع عن مصالحه. هذا الشراء قد يكون لولاية كاملة للسيناتور في مجلس الشيوخ (6 سنوات)، أو عامين في مجلس النواب. ليس هذا فقط؛ بل يمكن شراء المرشح الرئاسي للبيت الأبيض حتى لا يصدر قرارًا، أو يوقع تشريعًا يضر بمصالح هذه الشركة، أو مجموعة الشركات التي قدمت له “شيكات الأرقام السبعة”.

أتحدث عن “المال السياسي”، أو “التبرعات السياسية”، في الانتخابات الأمريكية التي تشهد في الخامس من مارس (آذار) المقبل “الثلاثاء الكبير”، حيث تجرى الانتخابات التمهدية للحزبين الجمهوري والديمقراطي في 13 ولاية، وهو اليوم الفاصل في حسم المرشح للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في 5 نوفمير (تشرين الثاني) المقبل، وهي انتخابات لا تقتصر على “الساكن الجديد للبيت الأبيض” فقط؛ بل يُنتَخب ثلث أعضاء مجلس الشيوخ الذي يصل عدد أعضائه إلى 100 عضو، كما سيُنتَخب جميع أعضاء مجلس النواب الذين يصل عددهم إلى 438 عضوًا.

 العامل الحاسم في هذه الانتخابات كلها هي “أموال اللوبيات”، سواء أكانت تلك الأموال معلنة ومعروفة المصدر، أم “أموالًا مظلمة” لا يعرف الناخب الأمريكي مصدرها، أو من يتبرع بها، أو الغاية والهدف من تقديمها لهذا المرشح، أو ذاك، وهناك “قاعدة انتخابية” تقول إن الحزب أو المرشح الذي يستطيع جمع أموال أكثر هو الذي سيفوز بالانتخابات؛ ولهذا يتكالب الحزبان الديمقراطي والجمهوري على جمع أكبر قدر من “الأموال السياسية” التي يقرها و”يشرعنها” الدستور والقانون الأمريكي، لكنّ الحزبين- خاصة الحزب الديمقراطي- يتجنبان إعلان السعي إلى الحصول على “الأموال المظلمة”؛ لأنها تبدو أموالًا غير أخلاقية في عيون الناخبين، مع أنها أموال شرعية وقانونية، لكن واقع الأرقام والإحصاءات يقول إن الحزب الديمقراطي هو الذي يحصل على نسبة أكبر من “الأموال المظلمة”، فما تلك “الأموال المظلمة”؟ وما درجة شرعيتها وقانونيتها مقارنة بباقي أنواع “المال السياسي” في الانتخابات الأمريكية؟ وما درجة تأثير “الأموال المظلمة” في قرارات الرئيس الأمريكي عندما يجلس على مقعد البيت البيضاوي؟

الانتخابات الأغلى

تشير كل التوقعات أن الانتخابات الرئاسية، وانتخابات الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، وحكام الولايات، التي سوف تشهدها الولايات المتحدة في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، سوف تكون “الأغلى” في التاريخ الأمريكي، ليس فقط بسبب الاستقطاب السياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؛ بل للخلاف الحاد في الأجندة الاقتصادية لمرشحي الحزبين، فبينما يركز الجمهوريون على دعم ما تسمى “ولايات الصدأ”، ذات الإنتاج الصناعي، وعودة الشركات الأمريكية من الصين والمكسيك إلى الأراضي الأمريكية، ودعم مشروعات اكتشاف الغاز والنفط، يركز الديمقراطيون على اتفاقيات التجارة الحرة، والاقتصاد الأخضر، ورجال الأعمال والمتبرعون على الجانبين يخشون فقدان مصالحهم إذا فاز الحزب الآخر. ومع أن الدستور الأمريكي لم يضع سقفًا للتبرعات الانتخابية فإن متوسط الإنفاق للمرشح لمجلس الشيوخ ينبغي ألا يزيد على 80 مليون دولار، والمرشح لمجلس النواب لا يزيد على 3 ملايين دولار، لكنّ المرشحين من الحزبين يتجاوزون هذه الأرقام بكثير، وشهدت آخر انتخابات عام 2020 بين الرئيس الحالي جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترمب إنفاق رقم قياسي من “الأموال السياسية”، بعد أن أنفق الحزبان نحو 14 مليار دولار، أنفق منها المرشحان دونالد ترمب، والرئيس جو بايدن نحو 6.6 مليار دولار، في حين أنفق مرشحو الحزبين لمجلسي النواب والشيوخ نحو 7.4 مليار دولار، وفي انتخابات عام 2016، بلغ حجم الإنفاق في السباق نحو البيت الأبيض 7 مليارات دولار، وفي انتخابات عام 2012 نحو 7.1 مليار دولار، ونحو 6.3 مليار في الانتخابات التي جرت عام 2008، والتي فاز فيها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بولايته الأولى.

أنواع الأموال

هناك تصنيف سياسي “للمال الانتخابي”، وهو أن التبرعات البسيطة، والشيكات التي لا تتعدى 1000 دولار تعبّر عن نيّات الناخبين الحقيقية، وهي أكثر أموال التبرعات الانتخابية من الناحية الأخلاقية، وكلما زادت هذه القاعدة من المتبرعين تباهى المرشح أو الحزب بأنه يعبّر عن أكبر قاعدة انتخابية على مستوى الدائرة الانتخابية، أو على مستوى الولاية، أو حتى على المستوى الاتحادي، في حين يُنظر إلى التبرعات الانتخابية التي تصل إلى 7 أرقام على أنها “فواتير مؤجلة”، على المرشح والحزب سدادها عندما يفوز المرشح أو الحزب؛ من خلال دعم مصالح المتبرع، سواء أكان شخصًا، أم جماعة، أم شركة تجارية، لكن ما يميز الأرقام التي أقل من 1000 دولار، أو حتى ذات الأرقام السبعة، أنها أرقام وتبرعات “معلنة، معروف من يتبرع بها”، وتنشرها الصحف كما تنشرها الجهات المتبرعة، وتُخصَم من الضرائب.

حكاية الأموال المظلمة

بداية من عام 1976، سمحت المحكمة الفيدرالية العليا بما يسمى “الأموال المظلمة”، وهي أموال شرعية وقانونية تمامًا، لكن مصدرها المباشر غير معروف، بمعنى أن يتبرع المتبرع للمرشح على نحو غير مباشر، وغالبًا ما يكون هذا المتبرع شخصًا، أو مجموعة عرقية، أو سياسية، أو شركة عملاقة، ويقدم هذا النوع من المتبرعين الأموال إلى المرشحين عن طريق التبرع إلى مؤسسات غير ربحية في المرحلة الأولى، ثم بعد ذلك “تُعيد” هذه المؤسسات غير الربحية التبرع إلى المرشح، أو الحزب، وهنا يكون المعروف والمعلوم للناخب هي هذه المؤسسات غير الربحية، دون الكشف عن “المتبرع الحقيقي”.

وهناك 3 فئات من “المنظمات والمؤسسات” التي تتلقى “الأموال المظلمة”، وهي منظمات ومؤسسات “501 سي 4″، وهي التي يرتكز نشاطها على الجوانب الاجتماعية، مثل رعاية الأطفال، وكبار السن، والسيدات اللاتي ليس لهن عائل، و”منظمات 501 سي 5″، وهي تشبه النقابات المهنية والخدمية، ومنظمات “501 سي 6” التي تهتم بالاتحادات التجارية.

وجوه متعددة

منذ سبعينيات القرن الماضي، يحرص قادة الحزب الديمقراطي على تقديم صورة لهم بأنهم لا يحبذون، ولا يهرولون وراء “الأموال المظلمة”، لكن التحليل الإحصائي لإنفاق التبرعات في انتخابات 2020 كشف غير ذلك؛ فقد كشفت هذه الإحصاءات الحديثة أن الحزب الديمقراطي هو من سعى أكثر من الحزب الجمهوري للحصول على “الأموال المظلمة”، وحصل بالفعل على نحو 1.5 مليار دولار من الأموال المظلمة، مقابل 900 مليون دولار فقط للحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترمب، وأن 15 جمعية ومؤسسة تعمل على المستوى الوطني الأمريكي قدمت “أموالها المظلمة” للرئيس جو بايدن، والحزب الديمقراطي، في حين قدمت 8 جمعيات فقط من المؤسسات الكبيرة هذا النوع من “الأموال المظلمة” للرئيس السابق دونالد ترمب، ومرشحي الحزب الجمهوري.

لكن الأخطر هو أن منحنى التبرع “بالأموال المظلمة” يزداد يومًا بعد يوم، بعد أن سجلت الانتخابات الأخيرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 رقمًا قياسيًّا “للأموال المظلمة” قياسًا بالانتخابات السابقة على مدار العقدين السابقين، حيث بلغت “الأموال المظلمة” في انتخابات 2020 نحو 2.4 مليار دولار، في حين كانت 5.2 مليون دولار فقط عام 2006، ارتفعت إلى 300 مليون دولار عام 2012، وهو ما يقول إن “لاعبي الظل السياسي” بات لهم دور أكبر في صناعة “القرار الأمريكي”، وهو أمر يمحو أحد الملامح الرئيسة “للصورة النمطية” التي تحاول الولايات المتحدة أن ترسمها لنفسها أمام العالم بأنها “قلعة الديمقراطية”، في حين أن “جوهر القرار الأمريكي” نابع من مصالح لوبيات خاصة، وليس بالضرورة التعبير عن المصالح الوطنية للشعب الأمريكي، ومن هذا المنطق يدعم أعضاء نقابة “السلاح الشخصي” المرشح الحالي دونالد ترمب؛ لأنه ضد أي تقييد لبيع السلاح الشخصي؛ بدعوى أن المادة الثانية من الدستور الأمريكي تنص على حق الأمريكيين في اقتناء الأسلحة دون أي قيود، والأمر نفسه يتعلق بالشركات السبع الكبرى في مجال إنتاج الأسلحة- وفي مقدمتها لوكهيد مارتن، وريثنون تكنولوجيز- التي تدعم الرئيس الحالي جو بايدن؛ لأنه يعمل على تحقيق مصالحها في “إطالة الحرب في أوكرانيا”، ويطلب كميات متعاقبة من المساعدات العسكرية لأوكرانيا وإسرائيل، بما يصب في صالح مكاسب هذه الشركات التي حققتت مكاسب في عهد جو بايدن لم تحققها في تاريخها، وهو ما يقول إن الولايات المتحدة تحكمها اللوبيات السياسية والتجارية بعد أن زاد عدد “لوبيات المال السياسي” في العاصمة واشنطن إلى نحو 700 لوبي، في حين يوجد في الولايات الخمسين الأخرى نحو 20 ألف لوبي سياسي، واقتصادي، وعرقي، وديني، وغيرها.

ديمقراطية على الأرصفة

هذا التأثير الكبير للمال السياسي الأمريكي دفع الكثيرين إلى طرح السؤال: هل الولايات المتحدة بالفعل دولة ديمقراطية؟ وهل ديمقراطيتها باتت تباع على الأرصفة لكل من يملك المال؟ وهنا يجب التوقف أمام الساسة الأمريكيين الذين لا يتركون فرصة إلا تدخلوا فيها في الشؤون الداخلية لمختلف دول العالم؛ بحجة أنهم دون سواهم ممن جاءوا إلى مناصبهم “بالانتخاب الحر المباشر”، وأن بلادهم فقط هي “المدنية الفاضلة” التي يشع منها نور الحرية والديمقراطية والشفافية للعالم أجمع.

هذه “الصورة النمطية” غير الحقيقية التي تحاول واشنطن ترويجها للعالم، تكذبها “الأموال المظلمة” التي يتصاعد دورها يومًا بعد يوم في الحياة السياسية الأمريكية، فهل من الطبيعي في دولة تباع فيها الانتخابات بهذه الطريقة أن تدعي “أستاذيتها” على العالم، وتبرر لنفسها التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، تارة تحت ستار “الثورات الملونة”، وتارة أخرى بحجة الدفاع عن الديمقراطية؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع