
منذ اللحظة التي دوّى فيها انفجار القنبلتين الذريتين فوق مدينتي هيروشيما وناغازاكي في أغسطس (آب) 1945، اللتين أودتا بحياة ما يتراوح بين 130 ألفًا و226 ألف شخص في غضون أيام معدودة، دخل العالم مرحلة جديدة من التاريخ السياسي والعسكري عُرفت بـ”عصر الردع النووي”. إذ لم يعد امتلاك السلاح النووي مجرد تفوق عسكري تقليدي، بل أصبح رمزًا للقوة الجيوسياسية والهيمنة الدولية، ووسيلة لفرض التوازنات وإعادة رسم خرائط النفوذ. فقد أفرز هذا السلاح مفهومًا استراتيجيًا جديدًا عُرف بـ”التدمير المتبادل المؤكد” (MAD)، الذي جعل الحرب الشاملة بين القوى الكبرى خيارًا انتحاريًا.
لقد أعاد السلاح النووي تشكيل مفهوم الحرب والسلام جذريًا؛ إذ انتقل العالم من منطق “الحرب وسيلة للحسم” إلى منطق “الحرب خطر وجودي يجب تفاديه”. وقد تجلّى ذلك بوضوح إبان أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين وقف العالم على حافة الهاوية النووية لثلاثة عشر يومًا، قبل أن تتراجع القوتان العظميان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، عن شفير الكارثة. ومع مرور العقود، سعت دول عديدة إلى اقتحام النادي النووي بطرق متباينة؛ فبريطانيا وفرنسا طورتا ترسانتيهما بدعم غربي وبحث علمي مستقل، فيما اعتمد الاتحاد السوفيتي جزئيًا على شبكات التجسس التي اخترقت مشروع مانهاتن الأمريكي، في حين سلكت الصين طريقها النووي في ظل توترات حادة مع موسكو نفسها عام 1964.
واليوم، وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها الساحة الدولية، من الحرب الروسية-الأوكرانية، إلى التصعيد في المحيط الهادئ، والطموحات النووية لكوريا الشمالية وإيران، تعود الأسلحة النووية إلى صدارة النقاشات الاستراتيجية بحدة لم تُعرف منذ ذروة الحرب الباردة. ويسعى هذا المقال إلى تشريح هذه المعادلة المعقدة، عبر استعراض تاريخ الانتشار النووي، وطبيعة الصراعات التي أفرزها، والتحالفات التي شكّلها، في محاولة لفهم النظام العالمي الراهن وما ينتظره من تحولات.
كانت الولايات المتحدة الأمريكية أول دولة تمتلك السلاح النووي، وذلك خلال الحرب العالمية الثانية عبر مشروع سري عُرف بـ”مشروع مانهاتن”، الذي استقطب نخبة من عباقرة الفيزياء النظرية والتطبيقية بقيادة روبرت أوبنهايمر، وضمّ في صفوفه علماء من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا ودول أخرى، كان كثير منهم لاجئين فرّوا من الفاشية الأوروبية. واستثمرت الولايات المتحدة ما يعادل نحو 28 مليار دولار بالقيمة الحالية في هذا المشروع، بدافع الخشية من أن تسبقها ألمانيا النازية إلى هذا السلاح الفتاك، في ضوء ما كانت تعرفه الاستخبارات الأمريكية عن مشروع “أورانيوم” الألماني.
وفي يوليو (تموز) 1945، نجح الأمريكيون في إجراء أول تجربة نووية في صحراء نيومكسيكو ضمن اختبار “ترينيتي”، قبل أن تُلقي قاذفاتها “إينولا غاي” و”بوكسكار” قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، ما عجّل باستسلام اليابان وإنهاء الحرب. غير أن هذا “النجاح” العسكري فتح الباب أمام سباق تسلح كوني لا تزال فصوله تتوالى حتى اليوم. وتمتلك الولايات المتحدة حاليًا ترسانة نووية تُقدّر بنحو 5,550 رأسًا نوويًا، وتُنفق ما يزيد على 51 مليار دولار سنويًا على صيانة منظومتها النووية وتحديثها.
بعد سنوات قليلة فقط، تمكّن الاتحاد السوفيتي من تطوير سلاحه النووي عام 1949، في وقت أبكر بكثير مما توقعه المحللون الأمريكيون، الذين ظنوا أن موسكو ستحتاج إلى عقد كامل على الأقل. وجاء ذلك مستندًا إلى شبكة تجسس واسعة تمكنت من اختراق مشروع مانهاتن في عمقه؛ فكلاوس فوكس، الفيزيائي البريطاني الألماني الأصل، نقل للسوفييت تصاميم القنبلة بالتفصيل، فيما أسهم جوليوس وإيثيل روزنبرغ في تشكيل واحدة من أوسع شبكات التجسس النووي في التاريخ.
أدى هذا الاختراق إلى تقليص فجوة التطوير لسنوات عدة، وأطلق الشرارة الأولى للحرب الباردة بمفهومها الاستراتيجي الكامل. ودخل العملاقان في سباق تسلح مرعب طوّرا خلاله القنابل الهيدروجينية، والصواريخ العابرة للقارات، وأسطول الغواصات النووية، وبلغت ترسانتاهما ذروتها في ثمانينيات القرن الماضي بأكثر من 60 ألف رأس نووي مجتمعتين.
وقد وصل هذا الصراع إلى حافة الهاوية إبان أزمة الصواريخ الكوبية في أكتوبر (تشرين الأول) 1962، حين كشفت صور الأقمار الصناعية عن صواريخ سوفيتية في كوبا قادرة على ضرب الأراضي الأمريكية، ما جعل الحرب النووية الشاملة على بُعد ساعات لا أيام. وكشفت وثائق رُفعت عنها السرية لاحقًا أن الغواصة السوفيتية B-59 كادت أن تُطلق طوربيدًا نوويًا تكتيكيًا، لولا رفض ضابطها فاسيلي أرخيبوف، الذي يُنسب إليه إنقاذ العالم من حرب نووية.
استطاعت المملكة المتحدة امتلاك السلاح النووي عام 1952، مستفيدة من إسهام علمائها الوثيق في مشروع مانهاتن، وإن كان قانون ماكماهون الأمريكي لعام 1946 قد قطع التعاون النووي المباشر بين البلدين مؤقتًا. ورأت لندن أن الاحتفاظ بمقعدها في مجلس الأمن وصون مكانتها كقوة عالمية يستلزمان امتلاك ردع نووي مستقل، خاصة مع تراجع الإمبراطورية البريطانية وصدمة أزمة السويس عام 1956.
أما فرنسا، فقد انضمت إلى النادي النووي عام 1960 بتوجيه مباشر من الرئيس شارل ديغول، الذي آمن بأن الاستقلالية الاستراتيجية الفرنسية لا يمكن ضمانها تحت المظلة الأطلسية وحدها. وأجرت باريس تجاربها النووية الأولى في الصحراء الجزائرية خلال فترة الاحتلال، ثم انتقلت إلى جزيرتي موروروا وفانغاتوفا في المحيط الهادئ، حيث أجرت ما يزيد على 193 تجربة بين عامي 1966 و1996، تاركة آثارًا بيئية وإنسانية في المنطقة لم تُعالَج حتى اليوم.
وفي السياق الراهن، أصبح الردع النووي الفرنسي محورًا للنقاش الأوروبي في أعقاب الحرب الأوكرانية، إذ دعا الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2024 إلى نقاش جدي حول احتمال توسيع المظلة النووية الفرنسية لتشمل حلفاءها الأوروبيين.
في عام 1964، أجرت الصين أول تجربة نووية لها في صحراء سنجان تحت مسمى “596”، لتنضم إلى النادي النووي في ظل توترات متصاعدة مع واشنطن وموسكو في آن معًا. واعتمدت بكين في بداياتها على دعم تقني سوفيتي قبل أن تتفجر الخلافات الأيديولوجية والحدودية بين البلدين، لتتحول إلى مسار بحثي مستقل بقيادة علماء من أمثال دنغ جياسيان.
ورأت القيادة الصينية أن القنبلة النووية ضرورة وجودية لمحو ذاكرة “قرن الإذلال” الذي مزّق الصين على أيدي القوى الاستعمارية. واليوم، تمر الصين بأكبر توسع في ترسانتها النووية في تاريخها؛ فوفق تقديرات البنتاغون لعام 2023، تسعى بكين إلى تجاوز 1,500 رأس نووي بحلول عام 2035، مستثمرة في منظومة الصواريخ فرط الصوتية، وقاذفات الجيل الخامس، والغواصات الاستراتيجية. ويُقلق هذا التمدد الاستراتيجيين الغربيين، لا سيما في ظل التوترات المتصاعدة حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.
في عام 1974، أجرت الهند أول تجاربها النووية تحت الاسم الرمزي “بوذا المبتسم”، مبررة ذلك بضرورة مواجهة التهديد الأمني الصيني في أعقاب الحرب المُذِلّة عام 1962، فضلًا عن الهواجس من الإمكانات النووية الباكستانية المتنامية.
وقد فجّرت هذه الخطوة رد فعل باكستانيًا حتميًا؛ إذ انطلق عبد القدير خان في مهمة وطنية لتطوير مشروع القنبلة النووية الباكستانية عبر شبكة تهريب تكنولوجي دولية معقدة اخترقت موردين في هولندا والمملكة المتحدة وألمانيا.
وفي مايو (أيار) 1998، أجرت الهند خمس تجارب نووية في سلسلة “بوخران-2″، فردّت باكستان بست تجارب في جبال شاغاي، لتُعلن امتلاكها الرسمي لأسلحة نووية. واليوم تُعد منطقة جنوب آسيا بؤرة التوتر النووي الأشد خطورة في العالم، حيث تتواجه دولتان نوويتان تجمعهما حدود مشتركة، وتاريخ من أربع حروب، وصراع مزمن على كشمير، لا يفصل بينهما سوى دقائق من الإنذار الصاروخي.
تمثل إسرائيل حالة فريدة في النظام النووي الدولي، إذ تتبنى منذ عقود سياسة “الغموض النووي”، فلا تؤكد امتلاكها للسلاح النووي ولا تنفيه رسميًا. بيد أن معظم التقديرات الاستخباراتية والأكاديمية تُرجّح امتلاكها ما بين 80 و400 رأس نووي، طورتها في مفاعل ديمونة بالنقب بمساعدة فرنسية جزئية في ستينيات القرن الماضي.
وقد كشف التقني النووي مردخاي فعنونو عام 1986 تفاصيل هذا البرنامج للصحافة البريطانية، قبل أن يُعتقل ويُودَع السجن ثمانية عشر عامًا. ويرجح الخبراء أن التزام الكيان الصهيوني بهذا الغموض تجاه السلاح النووي يخدم أغراضًا متعددة، وفي مقدمتها تفادي الضغوط الدولية للانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار. وفي السياق الراهن، يكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة في ضوء الصراع المتصاعد مع إيران والتهديدات الإقليمية المتشعبة.
تمثل كوريا الشمالية أحدث وأعقد أزمات الانتشار النووي، إذ أجرت أولى تجاربها النووية عام 2006، ثم واصلت مسيرتها التصعيدية بإجراء ست تجارب إجمالية حتى الآن، كان أضخمها عام 2017 بما يعادل قوة انفجارية تتراوح بين 100 و250 كيلوطن، أي ما يزيد على عشرة أضعاف قنبلة هيروشيما.
وقد نجحت بيونغ يانغ في تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات، من بينها “هواسونغ-17” التي يُقدّر مداها بأكثر من 15 ألف كيلومتر، ما يضع الأراضي الأمريكية في مرمى الاستهداف النظري. ورغم الفشل الذريع لمساعي الدبلوماسية النووية، بما فيها قمّتا “ترمب-كيم” في سنغافورة وهانوي، فإن بيونغ يانغ تواصل تطوير برنامجها متسترة بسياسة “الصمت الاستراتيجي”.
يمثل الملف النووي الإيراني أحد أكثر الأزمات الجيوسياسية تشعبًا وتداخلًا في القرن الحادي والعشرين. فبينما تؤكد طهران أن برنامجها النووي ذو طابع سلمي بحت، تكشف تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران رفعت تخصيب اليورانيوم إلى مستوى 60%، وهو قريب من العتبة العسكرية البالغة 90%، وتمتلك كميات كافية من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع عدة أجهزة نووية إذا قررت ذلك.
وأفضى ذلك إلى اتفاقية “خطة العمل الشاملة المشتركة” عام 2015، التي انسحب منها الرئيس ترمب عام 2018، معيدًا فرض العقوبات. وفي ظل إدارة ترمب الثانية عام 2025، تتصاعد وتيرة الضغوط مجددًا، مع تقارير عن مفاوضات أمريكية-إيرانية تجري على خلفية تهديدات بضربة عسكرية محتملة تستهدف المنشآت النووية. ويظل هذا الملف محورًا لتوترات متشعبة تربط الأمن الإقليمي الشرق أوسطي بالتنافس الأمريكي-الصيني-الروسي على النفوذ العالمي.
أثبت التاريخ أن السلاح النووي، الذي بدأ كإنجاز علمي، استُخدم بوصفه أداة جيوسياسية بامتياز، تُوظَّف لفرض التوازنات وصون النفوذ وردع الخصوم. وقد أنتجت ثمانية عقود من الانتشار النووي عالمًا تمتلك فيه تسع دول ما يزيد على 12,500 رأس نووي، وفق آخر تقديرات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) لعام 2024.
وفي ظل تحولات استراتيجية متسارعة، من تراجع معاهدات الحد من التسلح، إلى الحرب في أوكرانيا، وصولًا إلى التنافس الأمريكي-الصيني، بات العالم يواجه مخاطر نووية لم تبلغ هذا المستوى منذ ذروة الحرب الباردة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير