
لا تكشف التصريحات الأمريكية المتباينة عن أهداف الحرب في إيران عن تناقض أو تخبط فقط، بل تؤكد غيابًا حقيقيًا للأهداف من هذه الحرب التي يدفع فاتورتها العالم كله. وحتى اليوم، لم تحقق الولايات المتحدة أيًّا من الأهداف التي تحدثت عنها قبل وبعد الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي. فالصواريخ والمسيرات الإيرانية تنطلق في كل اتجاه، وهو ما يعني أن الهدف الأدنى بتدمير القوة الصاروخية، وما يتعلق بها من مخازن وخطوط إنتاج، ما يزال بعيد المنال، ولم يتم تدميرها كما تقول واشنطن.
وفيما يتعلق بالبرنامج النووي، لم يتحقق للولايات المتحدة وإسرائيل أي جديد، إذ تعجز الولايات المتحدة عن إرسال “قوات برية” لشحن نحو 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، كما أن باقي اليورانيوم المخصب بنسب متفاوتة، والذي يصل وزنه إلى نحو 10,000 كيلوغرام، جرى توزيعه على كامل الجغرافيا الإيرانية التي تزيد مساحتها على 1.6 مليون كيلومتر مربع، وهو ما يعني عمليًا استحالة الوصول إلى هذا اليورانيوم الذي تم تخصيبه على مدار سنوات. كما أن المفاعلات النووية الكبرى، مثل نطنز وأصفهان وفوردو، لم يحدث لها تغيير جوهري بعد قصفها بقاذفات “بي-2” في عملية “مطرقة الليل” يوم 22 يونيو (حزيران).
وبذلك، لم تحقق الحرب أي نتائج تُذكر فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، رغم أن إيران قدمت في الجولة الأخيرة من المفاوضات، التي جرت قبل الحرب في جنيف، “عرضًا كبيرًا” يقوم على الحفاظ على حقها في برنامج نووي سلمي بأي نسبة يتم الاتفاق عليها، وأبدت استعدادها لكل ما من شأنه طمأنة العالم بأن طهران لا تسعى لامتلاك سلاح نووي.
أما فيما يتعلق بالسقوف العالية من الأهداف الأمريكية، بشأن تغيير وجه النظام أو إسقاطه وتفكيك الدولة الإيرانية، فقد أصبح هناك إقرار أمريكي–إسرائيلي بأن هذه الحرب لن تسقط النظام أو حتى تغيّر طبيعته. فالمرشد الذي اغتالته الضربة الأولى جاء ابنه ليكون المرشد الثالث لإيران منذ عام 1979.
فما هي الأسباب التي قادت إلى فشل البيت الأبيض والرئيس ترمب في تحقيق أي هدف في الحرب الجارية على إيران؟ وهل يمكن أن يطيل هذا الفشل أمد الحرب؟
في 24 أبريل (نيسان) عام 1980، أمر الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بإطلاق عملية “مخلب النسر” بهدف تحرير الرهائن الأمريكيين المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران عقب الثورة بقيادة المرشد الأول “الخميني”. لكن العملية فشلت فشلًا ذريعًا، وتحطمت المروحيات الأمريكية التي كانت تحمل الجنود، وقُتل عدد كبير منهم، وهو ما أدى في النهاية إلى فشل العملية، وخسارة كارتر الانتخابات الرئاسية. واستمر احتجاز الرهائن لمدة 444 يومًا، ولم يُطلق سراحهم إلا ليلة تنصيب الرئيس رونالد ريغان في 20 يناير (كانون الثاني) 1981.
واليوم، يرى البعض في واشنطن أن الرئيس ترمب قد يواجه المصير نفسه عبر فشل عملية “الغضب الملحمي”، كما فشلت عملية “مخلب النسر”، وذلك لــ10 أسباب رئيسية:
أولًا – حرب غير قانونية
يُعد غياب أي قرار من مجلس الأمن الدولي يصرّح باستخدام القوة سببًا رئيسيًا في فشل تحقيق أهداف الحرب. إذ كانت هذه العملية تتطلب قرارًا يستند إلى “الفصل السابع” من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما لم يحدث، بسبب استحالة تمريره في ظل الفيتو الروسي والصيني.
وقد ترتب على ذلك رفض الدول العربية والخليجية، وكذلك دول الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو”، الانخراط في هذه الحرب، باعتبارها حرب ترمب–نتنياهو، لا حرب المجتمع الدولي. كما رفضت دول مثل إسبانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة استخدام قواعدها العسكرية في هذه الحرب، وهو ما أفقد الجيش الأمريكي عنصر المفاجأة.
ثانيًا – الأهداف غير الواضحة
تباينت الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأمريكية، بدءًا من تدمير القدرات النووية والصاروخية، مرورًا بتعديل سلوك النظام، وصولًا إلى إسقاطه. ورغم اتفاق أوروبا مع واشنطن حول خطورة البرنامجين النووي والصاروخي، فإنها لا تدعم إسقاط النظام.
هذا الغموض دفع حلفاء آخرين، مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا، إلى عدم الانخراط في الحرب، ما أفقدها الزخم الدولي.
ثالثًا – حرب ليست سريعة
كانت التقديرات الأمريكية والإسرائيلية تفترض حربًا “سريعة وخاطفة”، بمدة تتراوح بين 4 و10 أيام. لكن استمرارها لأكثر من 20 يومًا خلق ضغطًا كبيرًا على إدارة ترمب، مع تصاعد التكاليف واستنزاف المخزون العسكري.
كما أن الدستور الأمريكي يقيّد مدة العمليات العسكرية دون موافقة الكونغرس، في ظل دعم شعبي ضعيف، حيث لا يؤيد الحرب سوى ربع الأمريكيين تقريبًا.
رابعًا – مضيق هرمز
لم يضع مخططو الحرب “عقدة مضيق هرمز” في الحسابات. ومع تصاعد التوتر، أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط والشحن، وزيادة التضخم عالميًا.
كما فشل ترمب في تشكيل “تحالف هرمز”، وسط شكوك كبيرة حول إمكانية السيطرة العسكرية على الممر أو الجزر المرتبطة به.
خامسًا – البديل الإيراني
تحدث ترمب عن “شخصيات رائعة” يمكن أن تقود إيران، لكن بعد 20 يومًا لم يظهر أي بديل حقيقي، رغم اغتيال شخصيات بارزة، ما يعكس فشل هذا الرهان.
سادسًا – الشارع الإيراني
راهن البيت الأبيض على تحرك الشارع الإيراني بعد الضربة الأولى، لكن ذلك لم يحدث، رغم مرور أسابيع على الحرب، واستمرار الضربات.
سابعًا – الانشقاق
توقعت واشنطن حدوث انشقاقات داخل الجيش والحرس الثوري، لكن العكس حدث، حيث أظهرت المؤسسات العسكرية والأمنية تماسكًا كبيرًا، بل تعزز نفوذها.
ثامنًا – المكونات
افترضت الحسابات الأمريكية أن المكونات (الأذريون، الأكراد، العرب، البلوش) ستنتفض، لكن ذلك لم يحدث، ما يكشف خللًا كبيرًا في التقديرات.
تاسعًا – مصالح الخليج
رفضت الدول الخليجية الانخراط في الحرب أو السماح باستخدام أراضيها، وحذرت من تداعياتها، لكن واشنطن تجاهلت ذلك، ما أدى إلى تعقيد المشهد الإقليمي.
عاشرًا – الحشد الداخلي
فشلت الإدارة الأمريكية في حشد الرأي العام داخليًا، على عكس ما حدث في حرب العراق، ما أفقد العملية دعمها الشعبي.
المحصلة أن هذه الأخطاء جعلت البيت الأبيض عالقًا في هذه الحرب؛ فلا هو قادر على إعلان النصر، ولا على الانسحاب دون خسائر. وفي الوقت نفسه، يشكل استمرارها عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا قد يؤثر على الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بل وربما على الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2028.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير