
في ظهر يوم، 3 فبراير (شباط) ، أعلنت وزارة الدفاع الروسية في بيان رسمي تنفيذ قواتها المسلحة هجومًا واسع النطاق خلال الليلة الماضية على منشآت المجمع الصناعي العسكري الأوكراني، ومنشآت الطاقة التي يستخدمها الجانب الأوكراني لأغراض عسكرية، أو للتخديم على هذا المجمع العسكري.
وقالت الوزارة إن الجيش -من خلال قواته الجوية والصاروخية، وباستخدام أسلحة دقيقة وبعيدة المدى، وكذلك باستخدام مسيرات مختلفة الأنواع- شن هذا الهجوم الموسع، مع التأكيد التقليدي بأن الضربة حققت أهدافها بالكامل، مع اللازمة الجديدة في البيانات العسكرية الروسية، منذ إعلان استهداف مقر بوتين من جانب الأوكرانيين، أن الهجوم “جاء ردًّا على هجمات أوكرانية إرهابية استهدفت أهدافًا مدنية داخل روسيا”.
المهم لنا هنا ليست الخسائر أو الأرقام المتشابهة إلى حد يشبه التطابق الذي يصيب بالرتابة في البيانات اليومية لوزارة الدفاع الروسية؛ ولكن توقيت هذا الضربات، أو لنكن أدق توقيت استئناف الضربات بعد انتهاء فترة الامتناع المؤقت الغريبة عن استهداف منشآت الطاقة، التي استجابت موسكو له بطلب من ترمب؛ نظرًا إلى موجة البرد القارس التي تضرب أوكرانيا، وكذلك روسيا.
والغرابة هنا أن موجة البرد هذه لم تنته، بل تشتد خلال هذه الأيام. وموسكو في إعلان استجابتها لمطلب ترمب تلكأت يومًا كاملًا، ثم ربطتها صراحة بمسألة تهيئة أجواء التفاوض في أبو ظبي، وليس بأي التزام سياسي أو عسكري طويل الأمد.
وإذا تناولنا الضربة من منظور عسكري بحت بناء على ما يقوله الخبراء العسكريون، فسنجد أنها لا تشير إلى تحول نوعي في طبيعة العمليات الروسية المستمرة على النمط نفسه منذ فترة طويلة، وكذلك الأهداف والوسائط المستخدمة لتنفيذ الضربات، بل نمط الإعلان الممل، كما أشرت أعلاه، فكلها تقع ضمن الإطار الذي اعتادته موسكو منذ أكثر من عام.
فيوميًّا تقريبًا تعيد علينا وزارة الدفاع نفس العبارات والكلمات.. ضربات دقيقة، واسعة النطاق، تستهدف البنية التحتية العسكرية واللوجستية المرتبطة بقدرات أوكرانيا على مواصلة القتال.
ما تغير بالفعل هو السياق السياسي الذي عادت فيه هذه الضربات، فالعودة إلى استهداف منشآت الطاقة بعد فترة امتناع طوعية ودون شرط، والأهم قبل يوم واحد من جولة أبو ظبي الثانية للتفاوض، التي يفترض أن تنطلق الأربعاء 4 فبراير (شباط)، هي بلا شك -في رأيي- رسالة عملية ترسلها موسكو والكرملين وبوتين عبر الصواريخ والقنابل الذكية أن الميدان ليس رهينة المسار التفاوضي، وأن أي تهدئة تُمنح يمكن أن تُسحب تلقائيًّا عند انتهاء وظيفتها.
ما أقصده بعبارة أخرى، أن موسكو لم تستأنف الحرب؛ ذلك لأنها لم توقفها أصلًا، ولم تتوقف عنها، بل كل ما فعلته أنها أنهت إجراءً تكتيكيًّا مؤقتًا استخدمته هدية مؤقتة لساكن البيت الأبيض لينفث به بعضًا من الضغوط التي يتعرض لها داخليًّا، في مينيسوتا مثلًا، ولا أقصد ملفات “إبستين” السيئة السمعة، فهذا ليس مجال الحديث عنها. كما أنها -أي موسكو- أعلنت منذ البداية أن هذا الإجراء غير قابل للتحول إلى قاعدة دائمة.
وهنا أعود مجددًا إلى الحديث عن البُعد التفاوضي، وما تقوله هذه الضربات في هذا التوقيت عن محادثات أبو ظبي. حسب فهمي للموقف الروسي من قراءتي للتصريحات الرسمية ولتحليلات الدوائر القريبة من صنع القرار، فإن الكرملين يرى أن التفاوض والحرب يتحركان على مسارين متوازيين، لا يلتقيان حتى الآن، لكنهما أيضًا ليسا متعارضين.
واستئناف الضربات قبل جولة أبو ظبي الثانية بيوم لا يُفسر في موسكو على أنه نسف للمفاوضات؛ بل -على العكس- جزء من إدارة شروطها الواقعية.
والمنطق الروسي هنا واضح، على الأقل لي؛ فموسكو والكرملين لا يديران التفاوض من موقع التهدئة الشاملة؛ بل من موقع ممارسة ضغط مزدوج، وبطريقة متوازنة حسب رؤية بوتين ومستشاريه؛ ومن ثم فإن أي مسار تفاوضي لا ينعكس عليه ميزان القوى الميدانية يبقى في حسابات القيادة الروسية مسارًا هشًّا وقابلًا للانهيار في أي لحظة؛ ولهذا السبب تقول موسكو -ضمنيًّا طبعًا- إن استئناف استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية لا يهدف إلى تعطيل التفاوض، ولكن يهدف إلى منع تحول الامتناع المؤقت إلى ما يشبه سقف أخلاقي أو سياسي يُستخدَم لاحقًا للضغط على الكرملين، خصوصًا في ظل غياب أي التزامات مقابلة من الجانب الأوكراني.
ومما لا شك فيه كذلك أن ضربات الليلة الفائتة تحمل رسالة سياسية، فإلى مَن توجهها موسكو؟ في اعتقادي، المستهدف بالرسالة هنا -في المقام الأول- هو صاحب الشأن المباشر، الذي يئن مواطنوه تحت وطأة موجة صقيع وثلوج شديدة، أقصد بالطبع زيلينسكي وكييف، والرسالة الأساسية لهم أنه لا فصل بين الميدان والتفاوض -كما تطالبون- ولا يمكنكم الرهان على تجميد الضربات كأمر واقع، وخصوصًا مع استمرار الهجمات الأوكرانية على العمق الروسي، مثلما حدث في بيلغورود، أو خيرسون، وغيرهما.
والمرسل إليه الثاني هو ترمب وإدارته، فعلى الرغم مما يبدو ظاهريًّا تناغمًا كبيرًا في المواقف بين موسكو وواشنطن، فإن تصريحات حادة ضد الولايات المتحدة صدرت اليوم على لسان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، وإن كنا لا نعتدّ كثيرًا بما تقوله الخارجية الروسية وممثلوها هذه الأيام في ملف العلاقات مع واشنطن.
لكن ريابكوف تحدث عن ملف مهم، وهو مسألة تمديد معاهدة نيو ستارت، وقال في هذا الصدد إن الحوار الإستراتيجي مع واشنطن مستحيل دون مراجعة أمريكية شاملة لمسارها، والأهم في حديثه هو تحذيره واشنطن من نشر منظومات صاروخية في اليابان وغرينلاند، وتأكيده أن موسكو لا بد سوف ترد على ذلك إن حدث.
أما المستهدف الثالث بالرسالة فهي -كالعادة- الأطراف الأوروبية والدولية الأخرى المتابعة والمتفرجة، تقول لهم موسكو إنها تحتفظ بحرية الحركة الكاملة، وهي مَن تختار متى تكون هناك تهدئة ومتى تنتهي، وإن أي تهدئة مستقبلية ستكون بشروط، وستكون محدودة.
بالطبع لا يمكن ألا نربط هذه الضربة بطريقة الإعلان السريعة عنها عكس المعتاد من جانب وزارة الدفاع عند تنفيذ هذه الضربات؛ فعادةً، كانت لا تقرنها بالبيان اليومي التقليدي، بل تؤخر تأكيدها قليلًا، لكن يبدو أنه قصدت أن تخاطب بها الداخل الروسي أيضًا الذي تساءل عن سبب التهدئة، وما مقابلها؟ خصوصًا أن هجمات أوكرانيا على مناطق مدنية، وسقوط ضحايا كما حدث في خيرسون وغيرها، وقعت في التوقيت نفسه تقريبًا، وخلقت ضغطًا سياسيًّا وأمنيًّا داخليًّا لا يمكن تجاهله، فجاء الرد العسكري الواسع ليعيد تثبيت سردية الدولة أنها تحمي العمق الروسي، والأهم لتمنع أي انطباع بأن التفاوض يتم على حساب الأمن الداخلي.
وبعد كل ما قدمت له أعلاه، إذا حاولت وضع تصور استشرافي للمسار، من القراءة الواقعية للواقع الموضوعي الذي بين أيدينا، فيمكن القول -بالمعطيات الحالية، بوضع اليوم 3 فبراير (شباط) 2026- إن المرحلة المقبلة سوف تسير في اتجاه عدم العودة إلى تهدئة شاملة في المدى القريب، بمعنى أن أي امتناع جديد عن الضرب، إن حدث فسوف يكون جزئيًّا، وموضعيًّا ومشروطًا مباشرة بمردود تفاوضي، أو لنكن أكثر دقة بتنازل واضح من الطرف الآخر.
مفاوضات أبو ظبي -في رأيي- سوف تستمر بسقف منخفض، وعلى الأغلب جولة الغد وبعد غد، إن استمرت، سوف تركز -كسابقتها- على قضايا فنية وتقنية، وإن كنا بالطبع لا نستطيع ادعاء معرفة كل التفاصيل، بمعنى أن القضايا التي سيتم تناولها، أو على الأقل إعلان تناولها، ستكون ضمن إطار وضع آليات، والاتفاق على قنوات اتصال مباشر، وخفض مخاطر، وإلخ، دون اختراق سياسي مجددًا في الملف الأهم، وأقصد به ملف التنازل عن الأراضي.
وأبني موقفي هنا على التصريحات الرسمية الصادرة من زيلينسكي والجانب الأوكراني في هذا الشأن، وكذلك تصريحات لافروف وبيسكوف وأوشاكوف الأخيرة، خصوصًا بعد اجتماع بوتين وبن زايد الأخير في الكرملين.
وختامًا أقول: لا يزال ميدان القتال المباشر -وسيبقى- هو أداة التفاوض الأساسية، وأعتقد يقينًا أن موسكو والكرملين يراهنان على الوقت عسكريًّا وسياسيًّا.. وأقول هذا بناء على متابعة يومية لأربع سنوات من الحرب، وهي فترة أطول من الحرب العالمية الثانية، ولم يتوقع أحد أن تستغرقها هذه العملية العسكرية الخاصة.
والوقت لا يعمل ضد بوتين، وهذه حقيقة موضوعية، بناء على واقع اليوم؛ ومن ثم فلا مصلحة لديه في تسريع تسوية لا تتضمن الضمانات الأمنية الصلبة التي طالب بها واشنطن في ديسمبر (كانون الأول) 2021، فاستهان به بايدن والأوروبيون، ولا تقدم له حسمًا بغنيمة السيطرة على الأرض التي كلفت شعبه كثيرًا من الدماء، واقتصاده كثيرًا من الصعوبات.. ولا تزال.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير