
مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع، واقترابها من اليوم الـ1400 من عمر العمليات القتالية، يتحول النقاش بشأن السلام المحتمل إلى معركة موازية لمعارك الميدان على الشرعية، والتعريفات، وإيقاعات فعل الأطراف.
لا يبدأ عام 2026 بإعلانات السلام، ولكن بإعادة تعريف شروطه التي تأتي مصحوبة بأصوات التفجيرات والمسيرات والاستهدافات، بدلًا من الألعاب النارية، حتى في ليلة رأس السنة، التي تعد احتفالات الروس والأوكران بها من التقاليد المقدسة منذ عام 1700، حين أدخل القيصر بيتر العظيم -أول أباطرة روسيا- هذا التقليد على روسيا الأرثوذكسية.
تراكمت خلال الأيام الأخيرة من ديسمبر (كانون الأول) 2025 وقائع عسكرية وأمنية ودبلوماسية، لا تشير دلالاتها كلها -حسبما أراها- إلى اقتراب اتفاق جاهز، كما صرح زيلينسكي مثلًا بأن 90 % من الاتفاق أصبح جاهزًا، لكنها -وفق القراءة الموضوعية لها- تخبرنا بانتقال الصراع إلى مستوى التفاوض على الحقيقة قبل التفاوض على الأرض.
موسكو لا تبدي قلقًا من إنكار كييف للضربات على مقر إقامة بوتين على شاطئ بحيرة فالداي في نوفغورود، بقدر ما تبدي قلقًا من تحول هذا الإنكار إلى أداة تفكيك لمسار التفاوض الذي تسعى واشنطن إلى احتكاره.
في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عُثر على القائد العسكري الروسي سيرغي كوزوفليف، قائد مجموعة قوات الغرب، الذي يبلغ من العمر 58 عامًا، ميتًا في موسكو، بعد أسابيع من جدل سيادي ومعلوماتي بشأن كوبيانسك والسيطرة عليها بين التأكيد الروسي والنفي الأوكراني. في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قدم كوزوفليف تقريرًا علنيًّا لبوتين أفاد فيه أن وحدات الفرقة الـ68 من الجيش السادس قد “أنهت السيطرة الكاملة على كوبيانسك”، وأن “جيوب المقاومة الصغيرة تُصفَّى داخل المدينة”.
في 12 ديسمبر (كانون الأول) نشر زيلينسكي فيديو له على مدخل المدينة ناقض فيه الرواية الروسية على نحو مباشر. والفعل هنا ليس عسكريًّا؛ وإنما إعادة تدويل للشرعية المعلوماتية، وخصوصًا أمام الطرف الأمريكي، قبل التوقيع التفاوضي.
هذه ليست الحادثة الأولى؛ ففي أبريل (نيسان) من العام المنصرم، قُتل الجنرال ياروسلاف موسكاليك بانفجار سيارة “فولكسفاغن” في ضواحي موسكو لحظة خروجه من العمارة التي يسكن فيها. وقبلهما، في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2024، قُتل الجنرال إيغور كيريلوف بعبوة ناسفة مثبتة على سكوتر لحظة خروجه من منزله، وركوب سيارته الرسمية في موسكو.
مقتل أو موت ثلاثة جنرالات روس كبار خلال عام واحد، جميعهم شاركوا في الحرب، على هذا النحو أو ذاك، بالطبع لا يغير ولا يقلب ميزان الحرب، لكنها بلا شك حوادث تؤسس لارتفاع كلفة الحرب الداخلية الرمزية داخل روسيا، لكنه في الوقت نفسه يمنح موسكو فرصة جيدة لاستثماره ضمن سردية الرد الحتمي.
تحول حادث استهداف فندق ومقهى في خيرسون ليلة رأس السنة، الذي أدي إلى مقتل 24 شخصًا، بينهم أطفال، وإصابة 50 آخرين، تحول إلى مركز تعبئة سياسي وإعلامي روسي ضد أوكرانيا ودول أوروبية بعينها متهمة بالتخطيط والتوجيه لهذه الحوادث. فالمتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا وصفت الضربة بأنها “عمل إرهابي مخطط له مسبقًا يستهدف تجمع المدنيين في أثناء الاحتفال بهذا العيد”، واستدعت في تصريحاتها مقارنات تاريخية بحادثة “خاطين”، عام 1943، عندما أحرق النازيون الألمان هذه القرية وأهلها.
وبغض النظر عن فجوة المقارنة -في رأيي- فإن الرمزية هنا مقصودة، فهي تؤدي وظيفة واحدة، لكنها مهمة في السياق والظرف الزمني، وهي تهيئة الرأي العام الداخلي لتقبل لغة تفاوض روسية أكثر خشونة، لا لتغيير نتيجة عسكرية آنية.
في 1 يناير (كانون الثاني) 2026 أعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 250 مسيرة ومقاتلة من طراز “سو 27” أوكرانية، وقدمت إحصاءات وأرقامًا لافتة لخسائر أوكرانيا منذ بدء الحرب. وهذا التراكم الرقمي الضخم لا يعني مع ذلك -في رأيي- نية الحديث عن الحسم؛ بل يعني استقرار قدرة موسكو على إدارة الاستنزاف الطويل المدى، وهذا ما يتسق مع قراءتنا للتطورات الراهنة في هذا الصراع في أن التركيز هو على إدارة الإيقاع، أي إيقاع الحرب بكل عناصرها وأبعادها، وليس إدارة النهايات.
كييف في الوقت نفسه أعلنت أن برلين سلمتها، في إطار اتفاقات عسكرية قيمتها 1.2 مليار يورو، منظومتي “باتريوت” إضافيتين الأيام الماضية، فضلًا عن حزمة إنتاج مشترك للمسيرات، و200 مدفع “بوغدان” ذاتي الدفع، وكذلك أنظمة حرب إلكترونية متطورة.
وبالطبع، أي عاقل لا يمكن أن يرى في توريدات الأسلحة هذه ضمانات هدنة، فالواضح تمامًا، على الأقل لي شخصيًّا، أنها ضمانات استمرار قدرة كييف ليس فقط على الدفاع، ولكن على الهجوم كذلك، وهذا أيضًا لا يمكن قراءته إلا على أنه سعي إلى تمديد زمن الحرب، لا تقليل احتمالاتها.
وبالعودة إلى الوراء قليلًا نقول إن الاتصال بين ترمب وبوتين مساء 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 قبل لقاء مار- آ- لاجو مع زيلينسكي إذا نظرنا إليه في ذاته كخطوة، لا يمكن قراءته بوصفه ضغطًا شخصيًّا؛ ولكن خطوة تهدف إلى التأسيس لثلاث رسائل:
1- واشنطن تريد احتكار قناة التسوية، أي ليس عن طريق أوروبا، بل مباشرة مع موسكو وكييف.
2- موسكو والكرملين وبوتين يريدون تثبيت تعريف الحقيقة التفاوضية مع واشنطن من خلال الأدلة وليس التسريبات؛ ولهذا سلّمت موسكو الملحق العسكري الأمريكي لديها بيانات تفكيك شفرات المسيرات الأوكرانية التي استهدفت مقر بوتين في نوفغورود، ومسارات توجيهها. وأكدت موسكو علنًا -على لسان رئيس الاستخبارات العسكرية الجنرال إيغور كوستيكوف- أن الضربة الأوكرانية كانت تستهدف مباني مقر الإقامة، وليس المواقع العسكرية الواقعة في محيطه، وأن تسليم الأدلة للملحق العسكري، التي سلمها كوستيكوف بنفسه للمحلق الأمريكي، يسهم في تثبيت الحقيقة.
3- كييف وزيلينسكي لا يثقان بالتفاوض غير المدعوم بضمانات فورية، وهو ما عبّر عنه مستشارو الرئيس الأوكراني لصحيفة فايننشال تايمز، الذين قالوا إنهم أوصوه بعدم إتمام اللقاء مع ترمب لأن فشل هذا الاجتماع قد يعيد سيناريو أكتوبر (تشرين الأول) 2025 حين ذهب ليطلب صورايخ توماهوك وسبق اللقاء اتصال بين بوتين وترمب جعل ترمب يلقي خرائط الجبهة جانبًا وينفعل على زيلينسكي بعد تكرار رواية بوتين عن دونباس.
علينا أن نقر بأن كل ما يدور عن الخطة الأمريكية للسلام في الوقت الحالي يجعلنا ننظر إلى خطة الـ20 بندًا بوصفها مجرد وثيقة تفاوضية، وليست اتفاقًا جاهزًا. ما أقصده أن التفاوض عليها وعلى بنودها قد يستغرق شهورًا، وربما سنوات، والسبب في ذلك أنها لا تتضمن البنود الأهم التي من دونها يصبح السلام مستحيلًا من وجهة نظر موسكو والكرملين وبوتين، حسبما أفهم، وأهمها الاعتراف رسميًّا بالمكاسب الإقليمية الروسية بعد 2022. كما أنها لا تشمل أيضًا خفضًا سريعًا للعقوبات الجوية والمالية المفروضة على روسيا، ولا جدولًا ملزمًا لتثبيت خطوط التماس، ولا مشاركة موسكو في إعادة الإعمار، وبنودًا أخرى مهمة.
وهذه النقاط تحديدًا ينبغي قراءتها في سياق أن السلام الذي لا يعيد فتح المجال الجوي، ولا يخفض العقوبات، ولا يعترف بالمكاسب، هو سلام لا يحمل عائدًا إستراتيجيًّا لموسكو والكرملين وبوتين، بل يحمل عائدًا سياسيًّا لكييف وزيلينسكي فقط، من خلال حفظ التمويل.
لكل ما تناولته أعلاه، سيظل الميدان -في رأيي- محددًا للإيقاع أكثر من طاولات التفاوض في أنقرة، أو واشنطن، أو عواصم أخرى؛ ولهذا كله فإن عام 2026 ليس عام السلام الشامل -وإن كنا نتمنى ذلك- ولكنه سيكون عام سلام الوقائع مقابل سلام التأجيل.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير