
ما صدر عن موسكو الثلاثاء 13 يناير (كانون الثاني) 2026 بشأن إيران، بعد أكثر من أسبوعين من انطلاق الاحتجاجات التي اجتاحت موجاتها المدن الإيرانية من شمالها إلى جنوبها، ومن مناطقها الكردية إلى الأحواز العربية، لا نستطيع قراءته في سياق ردود الفعل التقليدية الظرفية على تطورات ميدانية متسارعة؛ فنحن أمام اصطفاف روسي رسمي مكتمل العناصر، لغويًّا وسياسيًّا وأمنيًّا. والمهم أنه يعكس موقفًا إستراتيجيًّا لروسيا ترى من خلاله أن ما يحدث في إيران تجاوز إطار الاحتجاجات الاجتماعية “المشروعة”، ودخل منطقة أكثر خطورة، وهي محاولة إعادة هندسة الدولة من الخارج عن طريق استثمار الإنهاك الداخلي.
ما أرمي اليه في هذه السطور يستند إلى تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، التي جاءت منسقة، وتناقلتها على الفور كل المنصات الروسية الكبرى فور صدورها مساء الثلاثاء 13 يناير (كانون الثاني)، وهو ما يمكن قراءته على أنه يعكس قرارًا سياسيًّا بضرورة تثبيت رواية محددة، وهي أن قوى خارجية معادية لإيران تستخدم أدوات الثورات الملونة لزعزعة استقرار، ثم تدمير الدولة الإيرانية.
المهم في خطاب زاخاروفا ليس الاتهام في ذاته، ولكن الطريقة السببية التي بنت عليها الاتهام. موسكو لا تقول إن الاحتجاجات مصطنعة، ولكنها تؤكد أن العقوبات الغربية غير القانونية هي التي خلقت اختناقات اقتصادية واجتماعية صعبت على المواطنين العاديين ظروفهم المعيشية أولًا، ثم استُثمر هذا التوتر اجتماعيًّا وسياسيًّا لدفع البلاد نحو مسار التفكيك؛ وهنا تحديدًا نضع يدنا على الفارق الجوهري بين القراءة الروسية والقراءة الغربية لما يحدث في إيران؛ فموسكو ترى الاحتجاج مرحلة ضمن مسار ضغط متعدد الأدوات، صنعه الغرب بدرجة كبيرة. أما الغرب فيفصل بين عقوباته القاسية التي فرضها على إيران ليعاقب النظام، وبين نتائجها، ويحاول التعامل مع الانفجار الاجتماعي بوصفه حدثًا مستقلًا.
هذا المنطق الروسي لا يقتصر فقط على الخارجية الروسية التي نأخذ موقفها من تصريحات زاخاروفا مساء الثلاثاء، ولكن أيضًا تصريحات سيرغي شويغو، سكرتير مجلس الأمن الروسي التي أطلقها الاثنين 12 يناير (كانون الثاني) 2026 بعد مكالمة هاتفية مع نظيره الإيراني، التي تضع إيران صراحة في خانة الأمن القومي الروسي الموسع؛ فإيران في العقل الإستراتيجي بموسكو ليست دولة بعيدة جغرافيًّا يمكن مراقبة تطوراتها وما يحدث داخلها من الخارج؛ وإنما هي فضاء استقرار جغرافي متصل مباشرة بالقوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى، فضلًا عن اتصالها بمسارات الطاقة والتجارة.
وانطلاقًا من هذا الفهم فإن أي انزلاق بإيران، سواء نحو فوضى، أو نحو تدخل خارجي مباشر، خصوصًا من الغرب، يعني مباشرة فتح حزام اضطراب واسع جنوب روسيا؛ ومن هنا يمكن اعتبار رفض موسكو التهديدات الترمبية الأمريكية بشن ضربات جديدة على إيران، وكذلك رفضها ابتزاز شركاء طهران بواسطة الرسوم الجمركية، محاولة لمنع التصعيد، وليس مجرد دفاع عن حليف؛ فروسيا ترى أن الانتقال من الضغط الاقتصادي إلى نزع الشرعية السياسية، ثم التهديد العسكري هو المسار نفسه الذي شهدته في ليبيا وسوريا وأوكرانيا، مع اختلاف السياقات والنتائج بالطبع، ولكن بثابت واحد، وهو أن كلفة التفكيك في كل الحالات تفوق بكثير كلفة الاحتواء.
وهذا يفسر -في رأيي- حساسية موسكو البالغة تجاه التصريحات الصادرة من ترمب وواشنطن، وخصوصًا تلك التي نسبت إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي بشأن أن “تغيير النظام في إيران هو خطوة حتمية”، وردها الفوري عليها؛ فروسيا ترى أن هذا التصريح ليس زلة خطابية، ولا موقفًا حزبيًّا داخليًّا؛ ولكن إعلان نزع شرعية عن الحكم في إيران. وحين يصبح تغيير النظام هدفًا معلنًا أو حتميًّا، فإن كل الأدوات اللاحقة، سواء عقوبات إضافية، أو ضربات محدودة، أو دعم قوى داخلية، تصبح قابلة للتبرير سياسيًّا.
نقطة أخرى مهمة أريد أن أشير إليها؛ فالتحليل السائد في موسكو لا يقول إن إيران على وشك السقوط؛ بل يؤكد أن إيران دولة مرهقة، وليست دولة منهارة. نعم، الاحتجاجات حقيقية، والأزمة الاقتصادية عميقة، لكن بنية الدولة والهوية الوطنية، وتماسك الأجهزة، خصوصًا الحرس الثوري والباسيج، يجعلان سيناريو “الربيع الإيراني” بالمعنى الكلاسيكي غير واقعي.
الخطر لا يكمن في ثورة سريعة، ولكن في تآكل طويل يكون مصحوبًا بتدخل خارجي يرفع احتمالات سوء التقدير؛ ومن ثم يؤدي إلى تصعيد لا يمكن التنبؤ بمآلاته. وفي هذا السياق تبدو لهجة زاخاروفا الحادة عن “الثورات الملونة” أقل أيديولوجية مما يظن البعض؛ فهذا المصطلح في القاموس الروسي لا يُستخدَم بوصفه شعارًا إعلاميًّا؛ وإنما بوصفه أداة توصيف تشير إلى نمط متكرر يستخدمه الغرب عن طريق ممارسة ضغط اقتصادي شديد، يقود إلى تعبئة احتجاجية، ثم تدويل الأزمة، وبعد ذلك الانتقال إلى فرض وقائع سياسية جديدة تحت عناوين إنسانية، أو ديمقراطية.
وعلينا التشديد على نقطة مهمة، وهي أن روسيا لا تنكر وجود مطالب اجتماعية مشروعة داخل إيران، لكنها ترفض بالمطلق تحويلها إلى سلم لإعادة تشكيل الدولة من الخارج. الأهم أن موسكو تحاول -من خلال هذا الخطاب- الفصل بين الدولة والنظام؛ فهناك خطأ شائع أن موسكو تدافع عن الأنظمة، وفي هذه الحالة عن نظام طهران، لكنها في الواقع تعلم أنها لا تستطيع الحفاظ على كل الأنظمة، لكن ما تعارضه هو كسر الدولة، أو استدعاء الخارج؛ لذلك تؤكد أن السلطات الإيرانية مستعدة للحوار مع المجتمع لتخفيف التداعيات الاجتماعية والاقتصادية، وهي بذلك تحاول إظهار أن هناك مسارًا داخليًّا ممكنًا للتكيف لا يستدعي تفكيك الدولة، وهي بذلك تحاول منح طهران غطاء سياسيًّا لتحقيق تهدئة، وفي الوقت نفسه نزع الذرائع من يد الغرب وإسرائيل التي تفعل كل شيء لتدويل الأزمة.
لكن خلف هذا كله -في رأيي- يبقى لدى موسكو هاجسان عميقان؛ فهي -من جهة- تخشى من فوضى إيرانية تفتح الإقليم على سيناريوهات لا يمكن التحكم بها، ومن جهة ثانية تخشى كذلك من إيران ناجية، لكنها مندمجة مجددًا في النظام الاقتصادي العالمي؛ ما يقلص اعتمادها على روسيا، ويحول الشراكة الحالية بين البلدين إلى تنسيق محدود. وهذا التناقض هو ما يفسر تشدد الخطاب الروسي الآن تحديدًا، حتى لا تجد نفسها إن تأخرت في التدخل والفعل مضطرة إلى الانزلاق نحو أي من هذين الخيارين، وكلاهما لها سيئ.
لكل ذلك، من غير الموضوعي اختزال الموقف الروسي في الدفاع عن طهران، ولا في معاداة واشنطن لذاتها؛ ولكنه دفاع عن قاعدة تؤمن بها، وهي رفض إسقاط الدول عن طريق إدارة الفوضى، أو الفوضى الخلاقة.
موسكو تدرك أن اللعب على حافة الإنهاك قد يبدو أقل تكلفة على المدى القصير، لكنه غالبًا ما ينتهي بانفجار يتجاوز كل الحسابات. وأخطر ما في حالة إيران ليس الاحتجاج في ذاته؛ بل في تلاقي الإنهاك الداخلي، الحقيقي والموجود فعلًا، مع ضغط خارجي معلن الأهداف؛ لذلك فإن موسكو لم ترفع سقف خطابها الآن حبًا في النظام؛ ولكن خوفًا من كسر الدول بهذه الطريقة تحديدًا. وفي حسابات الكرملين وبوتين، إذا فُتح هذا الباب في إيران، فلن يُغلق عند حدودها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير