تقارير

الواقع الميداني والتحولات الجيوسياسية

إقليم دونباس في الحرب الروسية–الأوكرانية


  • 14 مايو 2026

شارك الموضوع

يتناول هذا التقرير المعلوماتي الأبعاد القانونية والجغرافية والعسكرية والديموغرافية لإقليم دونباس، في ضوء التطورات الميدانية والسياسية المرتبطة بالحرب الروسية–الأوكرانية. ويسعى التقرير إلى تقديم صورة مركزة حول طبيعة خطوط التماس، والقوى العسكرية، والبنية السكانية، وأهمية الإقليم الاستراتيجية ضمن المشهد الإقليمي الأوسع. وقد تم إعداد هذا التقرير المعلوماتي بالاعتماد على ما تنص عليه الوثائق الروسية الرسمية، وما ورد في المصادر الروسية الموثوقة، ووكالات الأنباء، والصحف الكبرى.

الوضع القانوني والجغرافيا

ينص الدستور الروسي، وبناءً عليه الموقف القانوني للدولة الروسية، على تصنيف مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك كجمهوريتين شعبيتين وكيانين تابعين لإقليم دولة الاتحاد الروسي منذ يوم 30 سبتمبر (أيلول) 2022.

وفي الوقت نفسه، لا تعترف أوكرانيا، بالطبع، ولا الدول الغربية بذلك، ولا يوجد اعتراف دولي بحكم القانون بهذه الوضعية القانونية للمنطقتين إلا من جانب بعض الدول الحليفة لروسيا، مثل كوريا الشمالية.

وقد تم إعلان جمهورية دونيتسك ككيان روسي ضمن حدود مقاطعة دونيتسك بمساحة تقارب 26.52 ألف كيلومتر مربع، ولوغانسك ضمن حدود مقاطعة لوغانسك بمساحة تقارب 26.68 ألف كيلومتر مربع، وذلك بموجب حدودهما الإدارية لعام 2014.

وتُعد أهم المراكز الحضرية في جمهورية دونيتسك: مدينة دونيتسك، عاصمة المقاطعة، وماريوبول، وماكييفكا، وغورلوفكا، وكراماتورسك، وسلافيانسك.

أما في لوغانسك، فأبرز المراكز الحضرية هي: لوغانسك، وألتشيفسك، وسيفيرودونيتسك، وليسيتشانسك.

(المصدر: نص الدستور الروسي وتعديلاته الأخيرة + وكالتا “تاس” و”نوفوستي” الروسيتان الرسميتان).

خطوط التماس الحالية

تشير أحدث البيانات العسكرية الروسية التي تمت مراجعتها عند إعداد هذا العرض إلى أن أبرز مناطق القتال في دونباس، في الوقت الراهن، تمر عبر قوس يمتد من شمال لوغانسك: سفاتوفو – كريمينايا – كراسني ليمان، ثم يتبعه في دونيتسك: محور سيفيرسك، وتشاسوف يار – قسطنطينوفكا (أو كونستانتينوفكا، وتُكتب بالطريقتين)، ودزيرجينسك/توريتسك، ثم محور بوكروفسك – ميرنوغراد، وصولاً جنوباً إلى محوري كوراخوفو وفيلكا نوفوسيلكا.

وهذه الجغرافيا، بالطبع، لا يمكن التعامل معها كخريطة تكتيكية دقيقة، ولكن ينبغي النظر إليها باعتبارها حزاماً من المدن الصناعية المدمرة أو شبه المدمرة، فضلاً عن مناطق التحصينات الممتدة ضمن بيئة الغابات والسهوب، التي يجري داخلها القتال أو ما يُعرف بـ”المناطق الرمادية”.

قوات الطرفين

لا توجد أرقام محددة يمكن تقديمها بدقة بشأن عدد القوات الروسية التي تقاتل داخل دونباس تحديداً، لكن استناداً إلى آخر التصريحات الرسمية بهذا الشأن، يمكن الإحالة إلى تصريحات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نهاية العام الماضي ومطلع العام الجاري، قال فيها إن عدد القوات الروسية التي تقاتل داخل منطقة “العملية العسكرية الخاصة” يبلغ نحو 700 ألف جندي.

وتصف روسيا قواتها المقاتلة هناك عبر تشكيلات عملياتية تحمل أسماء: “مجموعة قوات الجنوب”، و”مجموعة قوات الوسط”، و”مجموعة قوات الغرب”، و”مجموعة قوات الشرق”، و”مجموعة قوات دنيبر”.

أما القوات الأوكرانية، فتوصف في البيانات الروسية بأنها تضم وحدات ميكانيكية، وإنزالاً جوياً، واقتحاماً جوياً، ووحدات جبلية هجومية، ومدفعية، ودفاعاً إقليمياً، ومشاة بحرية.

ولا تكشف المصادر الروسية المفتوحة عن أعداد دقيقة لمجموعات القوات المذكورة أعلاه، بشكل منفصل، على مختلف المحاور القتالية.

أهم الأسلحة والمعدات العسكرية المستخدمة

خلال المعارك الجارية في إطار الحرب في منطقة دونباس تحديداً، استخدم الجيش الروسي وتشكيلاته وأفرعه الدبابات بمختلف أنواعها، وعربات المشاة والمدرعات، والمدفعية التقليدية، وراجمات الصواريخ، ومدافع الهاون، والصواريخ المضادة للدروع، وأنظمة الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية.

وبالطبع، كان العنصر المستجد الذي غيّر وجه المعارك جزئياً هو الطائرات المسيّرة، سواء الاستطلاعية أو الانتحارية، وبصفة خاصة طائرات (FPV) المسيّرة، إضافة إلى القنابل الجوية الموجهة، والصواريخ، بما في ذلك “إسكندر” و”كينجال” ــ وإن كان استخدام الأخيرة محدوداً نسبياً.

أما على الجانب الأوكراني، فإن معلومات الرصد تؤكد استخدام الجيش الأوكراني معدات غربية مثل (Stryker وHIMARS وM777)، ودبابات (Leopard)، وعربات (Bradley) ضمن مسرح العمليات في دونيتسك ولوغانسك، بالإضافة إلى زابوروجيا وخيرسون كذلك.

ووفق بيانات وزارة الدفاع الروسية الرسمية المعلنة أمس، 12 مايو (أيار) 2026، بلغت خسائر الجانب الأوكراني، منذ بداية “العملية العسكرية الخاصة”، من المعدات والآليات العسكرية التي تم تدميرها ما يلي: 671 طائرة حربية بمختلف أنواعها، و284 مروحية، و144,996 طائرة مسيّرة، و661 منظومة صواريخ مضادة للطائرات، و29,268 دبابة ومركبة قتالية مدرعة أخرى، و1,718 مركبة قتالية مزودة بمنظومة إطلاق صواريخ متعددة، و34,875 قطعة مدفعية ميدانية وقذائف هاون، و61,401 مركبة عسكرية خاصة.

(المصدر: البيان الرسمي لوزارة الدفاع الروسية عن يوم 12 مايو (أيار) 2026 + تقرير لصحيفة “غازيتا رو”).

الخسائر البشرية والعسكرية

تختلف التقديرات الروسية لخسائر القوات الأوكرانية بشكل كبير عن التقديرات الأوكرانية والغربية. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، قدّرت وكالة “تاس” الروسية الرسمية خسائر القوات الأوكرانية، منذ بداية “العملية العسكرية الخاصة”، بنحو 906.5 ألف قتيل وجريح.

بينما نقلت وكالة “أر بي كا” الروسية، في تقرير محدث عن الخسائر الأوكرانية نُشر في فبراير (شباط) 2026، نقلاً عن الجنرال سيرغي رودسكوي، تقديراً روسياً تجاوز 1.5 مليون شخص بين قتيل وجريح باعتبارهم خسائر بشرية للجانب الأوكراني، بينهم أكثر من 520 ألفاً سقطوا خلال عام 2025 وحده.

وفي الوقت نفسه، لا تنشر المصادر الروسية الرسمية بيانات إجمالية مماثلة ومفتوحة حول خسائر القوات الروسية.

التركيبة السكانية في دونباس

تورد وكالة “تاس” الروسية الرسمية، في أحد تقاريرها المهمة، بيانات عن التركيبة السكانية في إقليم دونباس، قدّرت فيها عدد سكان جمهورية دونيتسك الشعبية، حتى 1 مارس (آذار) 2022، بنحو 2.198 مليون نسمة ضمن الأراضي التي كانت داخل حدود هذه المقاطعة في ذلك التاريخ. ولا يوجد رقم محدد لسكان لوغانسك.

بينما تنقل صحيفة “أر بي كا” الروسية، في تقرير لها عن وزارة الداخلية الروسية، أنه بحلول نهاية عام 2023، تم إصدار أكثر من 3.2 مليون جواز سفر روسي في المناطق الأربع الجديدة، ما يعني أن عدد سكان هذه المناطق يتجاوز فعلياً 3.2 مليون نسمة.

وبحسب مسودة ميزانية الصندوق الفيدرالي للتأمين الصحي الإلزامي لعام 2024، بلغ عدد سكان أراضي جمهورية دونيتسك الشعبية، وجمهورية لوغانسك الشعبية، ومقاطعتي زابوروجيا وخيرسون، 3,227,429 نسمة بحلول 1 يناير (كانون الثاني) 2024.

الترابط الجغرافي والإقليمي

يرتبط دونباس، من الجهة الروسية، بمقاطعة روستوف، وشبه جزيرة القرم، والممر البري عبر منطقة آزوف.

أما من الجهة الأوكرانية، فكانت ولا تزال عقد النقل الرئيسية ذات أهمية استراتيجية، وعلى رأسها ممر كراماتورسك – سلافيانسك، وبوكروفسك، وقسطنطينوفكا (كونستانتينوفكا)، إضافة إلى خطوط السكك الحديدية والطرق البرية المستخدمة في الإمداد العسكري.

الخاتمة

وفي الختام، ينبغي القول إن إقليم دونباس ليس جبهة واحدة، وإنما عبارة عن منطقة حضرية صناعية كثيفة، تحولت فيها المناجم، وأكوام مخلفات الفحم، والمصانع، وخطوط السكك الحديدية، والقنوات المائية، إلى عناصر من الجغرافيا العسكرية نفسها.

ويتمثل التناقض الرئيسي، بالطبع، بين الروايات الرسمية للطرفين، التي تتحدث بمفردتي “التحرير” و”المقاومة”، وبين الواقع الفعلي لخطوط التماس الطويلة، ودمار المدن بسبب القصف المتبادل من أطراف القتال، فضلاً عن الاستنزاف الديموغرافي الذي تعرض له الإقليم منذ عام 2014، والمواجهات العسكرية بين سكانه الذين رفضوا الخضوع للسلطات الجديدة في كييف، وشكلوا ميليشيات شعبية ظلت تقاتل منفردة، وإن بدعم من روسيا، حتى فبراير (شباط) 2022، لحظة انطلاق الحرب.

ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع