مقالات المركز

أوكرانيا الحالية.. قصة روسية بامتياز


  • 28 فبراير 2025

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: focus.ua

“جورج، عليك أن تفهم هذا الأمر جيدًا؛ أوكرانيا لا يمكن وصفها بأنها دولة. ما أوكرانيا؟ جزء من أراضيها يقع في أوروبا الشرقية، ولكن الجزء الأكبر منها هدية منا”.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حديث مع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، في أثناء قمة الناتو في العاصمة الرومانية بوخارست، أبريل (نيسان) 2008.

اجتماع بوتين وبوش في العاصمة الرومانية بوخارست 2008 – المصدر “المجلس الأطلسي”

ربما يبدو لبعضنا أيضًا، نتيجة غياب الخلفية التاريخية عن العلاقة الروسية- الأوكرانية، ومراحل تأسيس الكيان الأوكراني الحالي، أن بوتين يبالغ في حديثه هذا، وهنا لا بد من عودة، ولو سريعة، إلى مراحل تأسيس الدولة الأوكرانية؛ لفهم هذه القضية من جوانبها كافة.

بعد سقوط مملكة “كييفسكايا روس”، الكيان الجامع لكل السلاف الشرقيين (الروس، والأوكرانيين، والبيلاروسيين) المحدثين الآن، وعاصمتها كييف، وتقسيم أراضي ما تعرف الآن بأوكرانيا بين عدة ممالك مختلفة، تمكن القياصرة الروس من “استعادة” الأراضي الشرقية والجنوبية من العثمانيين وتتر القرم، واقتطع لينين أوديسا، ودونيتسك، ودنيبر، وخاركيف، وغيرها من الأراضي لصالح أوكرانيا عام 1922، وأضاف إليها خرشوف عام 1954 شبه جزيرة القرم، وفي عام 1939، وبموجب اتفاقية “مولوتوف- ريبنتروب”، ضم ستالين الأراضي الغربية إلى أوكرانيا لتتشكل بشكلها الحالي لأول مرة عبر التاريخ؛ أما مدنها الكبرى فهي:

  • خاركيف، ثاني أكبر مدن أوكرانيا، ومركز التعليم والجامعات الرئيس فيها، وكذلك الصناعة، وتبلغ مساحتها 350 كم²، يتحدث سكانها اللغة الروسية، وأُسِّسَت بموجب مرسوم من القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش رومانوف، عام 1654.
  • أوديسا، أُسِّسَت بموجب مرسوم من الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية عام 1794، ونمت نموًّا كبيرًا في نهاية القرن التاسع عشر، حتى أصبحت إحدى أهم مدن الإمبراطورية الروسية، وميناء روسيا الرئيس على البحر الأسود.
  • دنيبر، عاصمة محافظة دنيبروبتروفسك، التي أُسِّسَت بمرسوم من الإمبراطورية الروسية كاترين الثانية عام 1787، وسُميت تكريمًا لها “يكاترينوسلاف”، وكانت العاصمة الثالثة للإمبراطورية الروسية بعد موسكو وسانت بطرسبورغ.
  • زاباروجيا، بُنيت بشكلها الحديث في عهد الإمبراطور الروسي ألكسندر الأول (1801- 1825).
  • بولتافا، في شمال شرق أوكرانيا، ومع أنها مدينة قديمة، فإنها تعرضت للتدمير بعد الاجتياح المغولي، وظلت مهملة حتى ضمتها الإمبراطورية الروسية عام 1667، وبدأت معها نهضتها وتطويرها وكل ما فيها من عمران الآن.
  • خيرسون، بُنيت المدينة وحُوّلَت إلى مركز لصناعة السفن في الإمبراطورية الروسية، في عهد كاترين الثانية عام 1778.
  • دونيتسك، المركز الصناعي الكبير في أوكرانيا، أُسِّسَت بعد معاهدة السلام عام 1774، بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية العثمانية، ونقل تبعيتها إلى روسيا، وبدء إعمارها وهجرة الروس إليها.

يطول الحديث عن باقي المدن الأوكرانية، وأساس نهضتها الصناعية، التي إما “حررها” الروس بدمائهم، وإما بنوها من العدم، وإما أضافوها إلى أراضي أوكرانيا الحديثة من خلال اقتطاعها من أراضيهم أو أراضي الآخرين، ولا فضل في تأسيسها وتكوينها الحالي للأوكرانيين؛ لذا لا يبدو حديث بوتين منطويًا على أي مبالغة إذا نُظِر إليه وفق هذا التاريخ الذي يقيم من خلاله الروس مراحل تكوين الدولة الأوكرانية، وعلاقتهم التاريخية معها، الممتدة منذ أكثر من 1200 عام، وارتباطها السياسي المباشر منذ ما يزيد على ستة قرون.

الأبناء يدفعون خطايا الآباء

تشكلت الدولة الأوكرانية بشكلها الحالي عام 1939، ولم يختَر سكانها تبعية كثير من أجزائها لها، ولكنهم في الوقت نفسه لم يعترضوا على عملية توسعها التي قام بها الزعماء السوفيت؛ لأنهم في النهاية كانوا ينتمون جميعًا إلى دولة واحدة، تسمى “الاتحاد السوفيتي”. بدأت الأزمة التي دفع فيها الأبناء خطايا الآباء بعد تفكك هذا الاتحاد، وسعي الدول التي تشكلت حديثًا، بعد عام 1991، إلى تشكيل هوية قومية قسرية على نحو مركزي تفرضها على جميع سكانها، وكانت اللغة هي البداية. قلة من بلدان الاتحاد السوفيتي السابق مَن نجحت وخلقت نموذجًا سمح للسكان بثنائية اللغة، ولكن الغالبية سعت إلى فرض لغة ونموذج واحد، أدى فيما بعد إلى نشوء عدة نزاعات ما زالت قائمة حتى اليوم، وأوكرانيا واحدة منها، وإن كانت الأشد وطأة؛ نظرًا إلى أهمية موقعها الجغرافي، ومركزيتها في التاريخ الروسي.

بدأت المشكلة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، عندما طالب سكان شبه جزيرة القرم، عام 1994، بالانفصال عن أوكرانيا، بعد استفتاء شعبي صوت فيه الغالبية بالانفصال والانضمام إلى روسيا، التي لم تأبه لهم آنذاك؛ بسبب انشغال قادتها في قتال شوارع تطور إلى ضرب “البيت الأبيض الروسي”، مقر البرلمان، بالدبابات في أكتوبر (تشرين الأول) 1993، كما كانت روسيا تأمل أن تجد صيغة جديدة للتكامل والوحدة مع أوكرانيا ما بعد الاتحاد السوفيتي.

بعد أحداث الثورة البرتقالية نهاية عام 2004، وصعود الموالين للغرب إلى السلطة، بدأت معالم المواجهة بين كييف وموسكو تتشكل، وصولًا إلى أحداث “الميدان الأوروبي”، وحظر استخدام اللغة الروسية عام 2014، الذي مكّن موسكو من استنهاض المتحدثين بها في شرق أوكرانيا وجنوبها، وضم/ استعادة شبه جزيرة القرم، وبَدْء تمرد عسكري مسلح في لوغانسك ودونيتسك، وإعلان انفصالهما من جانب واحد، وردًا على ذلك أقرت موسكو قانونًا يسمح لسكان المناطق الناطقة بالروسية في أوكرانيا بالحصول على الجنسية الروسية بشروط ميسرة خلال ثلاثة أشهر، وفي المقابل أصدرت أوكرانيا قانون “الشعوب الأصلية”، الذي استثنى الناطقين بالروسية من حقوقهم القومية في استخدام اللغة الروسية، وظل الصراع متفجرًا حاصدًا أرواح الآلاف، بالإضافة إلى مئات الآلاف من المهجّرين، وتدمير مدن الشرق الأوكراني المحاذية للحدود مع روسيا، وحشود عسكرية متبادلة بين البلدين، ودعوات أوكرانيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ورفض روسيا وتحذيرها للغرب من قبول هذه الدعوات، وصولًا إلى اندلاع الحرب بين الطرفين، ومرة أخرى يدفع الأبناء خطايا الآباء.


شارك الموضوع