مقالات المركز

من السويس إلى هرمز.. حين تكشف الحروب حدود القوة وتبدأ الإمبراطوريات في التراجع

هل يكتب هرمز لحظة سقوط الهيمنة الأمريكية كما مضت السويس فرمان سقوط الإمبراطورية البريطانية؟


  • 19 أبريل 2026

شارك الموضوع

مع استمرار حالة السيولة وانعدام الوضوح بشأن فرص تمديد الهدنة الأمريكية الإيرانية، في ضوء حرب التصريحات المشتعلة خلال الأيام الأخيرة بين ترمب وقاليباف، ومعهما مسؤولو واشنطن وطهران، خصوصا حول مضيق هرمز، الذي أصبح العقدة الرئيسية في الحرب الحالية، تتجه بعض التحليلات الغربية، ومعها قراءات روسية وأوراسية، إلى طرح سؤال لم يكن مطروحا بجدية قبل أسابيع قليلة.

والسؤال هو: هل تمثل الحرب على إيران بداية التآكل الحقيقي للهيمنة الأمريكية الأحادية في النظام العالمي القائم منذ لحظة تفكك الاتحاد السوفيتي، على غرار ما فعلته قناة السويس بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 لبريطانيا العظمى، التي لم تعد عظمى بحال منذ تلك اللحظة، ومعها شريكة الجريمة فرنسا، التي باتت تهان على الفاضي والمليان منذ ذلك التاريخ؟

وقد قررت كتابة هذا المقال اليوم الأحد، 19 إبريل (نيسان) 2026، انطلاقا من فكرة وصفتها بالمجنونة، وطرحتها على أصدقاء صفحتي في فيسبوك أمس، وقلت فيها ما مضمونه: ماذا لو تقرر، بشكل منسق بين الأطراف صاحبة المصلحة والقدرة، إغلاق قناة السويس، ومعها هرمز، على أن يتم فتحهما بعد تغيير قواعد المرور عبر هذه الممرات، لتلبي مصالح هذه الأطراف بدرجة أكبر مما هي عليه الآن، سياسيا واقتصاديا؟

وسبب طرحي لهذه الفكرة، وأكرر أني وصفتها بالمجنونة، لكنها ليست مستحيلة. فأنا لا أدعو إلى الإغلاق الدائم، فهذا طرح غير عقلاني، لكن ما أرمي إليه هو: أليس من حق الدول المشرفة على هذه الممرات الهامة أن تحسن من أوضاعها الاقتصادية والسياسية، وهي تتمتع بهذه المواقع الجغرافية بالغة الأهمية؟ أوليس من حقها أن تطالب بمراجعة وإعادة تقييم القواعد القديمة؟

ولا يحدثني أحد هنا عن حقوق الآخرين، طالما أن القوى الكبرى في العالم لا تحترم ما يصفونه بالقانون الدولي الذي ابتكروه هم أنفسهم، وفرضوه على الدول الأضعف في النظام الدولي، ثم ما فتئت هذه القوى الكبرى تقذف به في المرحاض إذا رأت أنه لا يأتي لها بالأرباح، أو لا يحقق لها المصالح السياسية الخاصة.

وبالعودة إلى سؤال المقال، أقول إن المقارنة بين الحالتين، أي حالة العدوان الثلاثي عام 1956، وحالة العدوان الأمريكي الإسرائيلي، ومعهما أطراف خفية عام 2026، تبدو جذابة، لكنها تحتاج منا إلى مقاربة علمية بعيدة عن التفكير الرغائبي والتمنيات العاطفية، حتى نفككها بشكل عملي دقيق.

هناك مقولة مشهورة تقول إن التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه، مع ذلك، يكشف بلا شك لمن يدرسه بوعي أنماطا متشابهة، خصوصا في حالات القوى الكبرى عبر التاريخ، وخصوصا عندما تبلغ هذه القوى منتهى حدود قدرتها على فرض الإرادة.

في أزمة السويس والعدوان الثلاثي الغادر على مصر عام 1956، تقول لنا الحقائق الموضوعية إن بريطانيا وفرنسا وربيبتهما إسرائيل حققت حينها نجاحا عسكريا سريعا، لكنها فشلت سياسيا فشلا ذريعا. فهذه القوى المعتدية لم تستطع تحويل التفوق الميداني إلى نتيجة استراتيجية سريعة، واضطرت إلى الانسحاب تحت ضغط دولي قاده الاتحاد السوفيتي، وشاركت فيه الولايات المتحدة التي رفضت الانضمام إلى قوى العدوان.

هذه اللحظة لم تسقط الإمبراطورية البريطانية، أو فرنسا الدولة التي لا تزال قوية، على الفور، لكنها كشفت بوضوح أن زمن السيطرة الأحادية قد انتهى بلا رجعة، وأصبحت قناة السويس، وقرار عبد الناصر الجريء بردها إلى الحضن المصري وجعل خيرها لأصحاب الأرض، القشة التي قصمت هيمنة الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس.

اليوم تقع إيران في موقع مشابه لمصر آنذاك، ليس من حيث القوة العسكرية بالطبع، فالموضوعية تقتضي الإقرار بأن إيران عسكريا الآن أقوى بكثير من مصر 1956، ولكن ما أقصده هو القدرة على تحويل الصمود إلى مكسب سياسي.

ومع ذلك، علينا أيضا أن نقر بأن الفارق بين الأزمتين يكمن كذلك في أن النظام الدولي الحالي أكثر تعقيدا، فلا توجد قوة واحدة قادرة على فرض النهاية كما حدث في خمسينيات القرن الماضي.

وفي هذا السياق، تتحدث الأطروحات الغربية والروسية التي أشرت إليها في تقديم المقال عن أن إيران خرجت من الحرب بموقع أقوى.

وما نراه الآن هو أن إيران قد تحولت بالفعل أمام أعيننا، خلال خمسين يوما منذ بدء الحرب عليها، إلى لاعب قادر على التأثير في سوق الطاقة العالمي، ولا يقول بخلاف ذلك إلا غير محايد. لقد فعلتها إيران بفضل ما حبتها به الطبيعة والجغرافيا من موقع يجعلها تسيطر، بحكم الواقع، على مضيق هرمز.

ونحن لا نستطيع، في لحظة كتابة هذه السطور، القول إن إيران حققت صعودا حاسما، ولكن الأصح، من وجهة نظري الشخصية بالطبع، أن نتحدث عن تآكل القدرة الأمريكية على فرض قواعد اللعبة. وهذا يحدث أمام أعيننا بالفعل، ولتنظروا إلى تخبط التصريحات الأمريكية، وهرع مسؤولي إدارة ترمب إلى إسلام آباد، بل إن حضور جي دي فانس تحديدا هو المثال الأهم بالنسبة لي في هذا السياق، فالإيرانيون، حسب علمي، رفضوا الحديث المباشر مع ويتكوف وكوشنر منفردين.

والفارق هنا مهم، أقصد بين الصعود الإيراني الحاسم وتآكل القدرة الأمريكية، فالأول يعني انتقال الهيمنة، وهذا لا نستطيع الحكم به بحال الآن. أما الثاني فمعناه دخول النظام في حالة سيولة، وهذا أشبه بالفعل بما نشاهده الآن.

إن جوهر تآكل القدرة الأمريكية على فرض القواعد يتجلى ليس فقط في الميدان العسكري، حيث نرى بوضوح تخبط وعدم قدرة ترمب، حتى الآن، على الرغم من التهديدات الحادة والتصريحات الرنانة، على سحق قدرات إيران الصاروخية، ولا سيما المسيّراتية، بل وفي التردد والخوف من تنفيذ تهديد الإنزال على جزيرة خرج أو تدميرها، أو ضرب منشآت الطاقة والكهرباء والنفط والغاز الإيرانية.

كما أنه يرتبط، أي التآكل، بالبنية الاقتصادية التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي خدع بها الأمريكيون العالم بلعبة البترودولار التي تحتضر الآن.

هذه المنظومة، التي تشكلت على يد الثعلب هنري كيسنجر، قامت على معادلة معروفة، بعدما نجح في إقناع دول الخليج النفطية بأن تبيع النفط بالدولار فقط، أو للدقة تسعره وتبيعه بالدولار فقط، بل والأدهى من ذلك أن تقوم هذه الدول باستثمار عائدات مبيعات هذا النفط في الاقتصاد الأمريكي.. يعني تبيع النفط بدولار أمريكا وتسلم أمريكا فلوس هذا النفط، وفي المقابل تحصل على ضمانات أمنية واستقرار سياسي للأنظمة.

وبهذه الصيغة الماكرة تحول النفط الخليجي من مجرد سلعة إلى أداة دائمة ومستمرة لإعادة إنتاج القوة الأمريكية، وليس الخليجية، عالميا.

لكن ما يحدث في هرمز اليوم يتحدى هذه الصيغة بوضوح، وكشف عن سوءاتها وعوارها الواضح، فقد نجح الحرس الثوري الإيراني في تحويل المضيق إلى أداة ضغط، وجعل من شروط المرور عبره مادة للنقاش والتفاوض السياسي، بل وذهب أبعد من ذلك في مطالبه.

وفي الوقت نفسه بدأت تظهر أطروحات، بل وجار تنفيذها بالفعل، عن تسعير النفط بعملات بديلة، مثل اليوان الصيني، حتى لو بشكل محدود. بالطبع هذا لا يعني نهاية البترودولار تماما، لكنه يعني بداية التشكيك في استقراره.

بالطبع يقول البعض إن الحديث عن نهاية الدولار مبالغ فيه، وأنا أتفق معهم، لكن ما يحدث يمثل بداية انتقال تدريجي نحو التعدد في أدوات التسعير وتسوية المعاملات، وهذا هو الأمر المهم في هذه العملية، في رأيي، لأنه يقلل الاحتكار الأمريكي، حتى وإن لم يلغِه في الحال.

ومع ذلك أستطيع القول إن العامل الأكثر تأثيرا في كل تبعات ما نشهد عليه الآن نتيجة للمغامرة الترامبية ليس اقتصاديا فقط، بل سياسي وعسكري، فالحرب على إيران كشفت معضلة القوة العظمى الأكبر في التاريخ الحديث، وما أعنيه أن الولايات المتحدة نعم ما زالت قادرة على بدء الحرب، لكنها، وهذا هو الواقع الموضوعي حتى الآن على الأقل، لم تعد قادرة على إنهائها وفق شروطها.

وهذا ما حدث في حالة السويس، ولكن بشكل مختلف، وهو يتكرر الآن أمام أعيننا بصيغة أكثر تعقيدا. الفارق أن واشنطن ليست قوة متراجعة بالمعنى التقليدي، لكنها تواجه قيودا متزايدة، يوما بعد يوم، على استخدام قوتها الجبارة.

التناقض في السلوك الأمريكي، الترامباوي في الواقع، بين التهديد الشامل كل يوم تقريبا، ثم التراجع إلى التفاوض في اليوم التالي، ما هو إلا انعكاس صارخ لهذه القيود التي ذكرتها في الفقرة السابقة.

وهنا السؤال: هل يكون هذا هو مؤشر وعلامة بداية تفكيك الهيمنة الأمريكية كما قالت بعض التحليلات الغربية، في مجلة The New Statesman البريطانية مثلا؟

والجواب الذي أعتقده أنه، على الرغم من مبالغة هذا الطرح، إلا أنه يلتقط جانبا من الحقيقة. نعم، ما نشهده ليس انهيار الإمبراطورية الأمريكية، فهي ستبقى معنا، في رأيي، خلال القرن الحالي، أو على الأقل حتى نهايات نصفه الثاني، لكن ما نحن بصدده الآن هو تآكل تدريجي في قدرة هذه القوة المتجبرة على فرض الإرادة على الآخرين، حتى ولو كانوا بحجم إيران، فما بالنا بالصين.

إيران نفسها، كما نرى، وإحقاقا للحق، تعمل ضمن حدود واضحة، فهي نعم قادرة على تعطيل النظام الدولي الأمريكي بتعطيل حركة الطاقة العالمية، لكنها غير قادرة على إعادة تشكيله بالكامل، ولا أعتقد أنها تسعى أو تستهدف ذلك.

استخدامها لهرمز، ودورها الإقليمي، بل وحتى خطابها السياسي، كلها أدوات ضغط تحاول بها إنقاذ نفسها ونظامها، لكنها كلها، أي هذه الأدوات، لا ترقى إلى مستوى قيادة نظام بديل.

وهنا تحديدا يكمن الفرق بين اللحظة السويسية واللحظة الهرمزية، بمعنى أنه في عام 1956، كان هناك نظام بديل جاهز، وهو نظام القطبية الثنائية الذي استلم خلاله الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة راية الهيمنة من بريطانيا وفرنسا، أما اليوم، فالنظام البديل بقيادة أو مشاركة الصين لم يتشكل بالكامل بعد.

وهذا ما يجعل المرحلة الحالية أكثر خطورة من تلك، فنحن لا نشهد انتقالا من نظام إلى آخر، وإنما نحن بصدد تفكيك مؤلم في النظام القائم، بكل عيوبه، دون بديل مستقر.

وعودة إلى عنوان المقال، أقول إن مما لا شك فيه، بالنسبة لي، أن الحديث عن نهاية عصر الهيمنة الأمريكية لا يزال سابقا لأوانه، لكن الحديث عن بداية فقدان قدرة واشنطن، وحزبها، ودولتها العميقة، وإداراتها، على التحكم يبدو هو الأكثر دقة.

ومن السويس إلى هرمز يبقى الدرس واحدا، وإن بصيغ مختلفة، ألا وهو: الانتصار في ساحة المعركة لا يعني بحال السيطرة على النتائج.

والسؤال في عالم اليوم: ليس من يهيمن، ولكن من يستطيع إدارة الفوضى دون أن يذوب ويقضى عليه داخلها.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع