مقالات المركز

ماذا ننتظر من لقاء وزيري خارجية روسيا وأمريكا في الفلبين

هل يفتح لقاء لافروف وروبيو من مانيلا نافذة التفاوض مجددًا؟


  • 23 يوليو 2026

شارك الموضوع

افتتح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يومه، الأربعاء 22 يوليو 2026، في مانيلا، حيث يشارك في الاجتماع التاسع والخمسين لوزراء خارجية رابطة آسيان، برسالتين ناريتين. أولاهما كانت تصعيدية بامتياز، حين اتهم الولايات المتحدة بالضلوع المباشر في توجيه الأسلحة الأوكرانية نحو الأهداف الحيوية بالغة الأهمية داخل الأراضي الروسية، بما فيها، بحسب قوله، أهداف مدنية.

أما رسالته الثانية فكانت دبلوماسية، على غرار المثل المصري: “يضرب ويلاقي”، وذلك حين أعلن، في التصريحات نفسها، أنه سيلتقي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو صباح الخميس 23 يوليو 2026، على هامش اجتماعات رابطة دول جنوب شرق آسيا المشار إليها أعلاه.

وما هذا الموقف اللافروفي، الذي يبدو متناقضًا، “يضرب ويلاقي” كما قلت، إلا انعكاس للمشهد الروسي نفسه. فموسكو ترفع مستوى الاتهام إلى حد تحميل واشنطن مسؤولية عمليات الاستهداف، لكنها تحافظ، في الوقت نفسه، على قناة تفاوض مباشرة معها.

وهذه، في رأيي، ليست ازدواجية بحال، وإنما خير تمثيل للعقيدة الروسية الحالية في إدارة الحرب. والحرب خدعة، كما يقول لنا تراثنا المنسي. وبذلك يدمج الكرملين، في هذه الاستراتيجية، بين الضغط العسكري والسياسي، ويعتبر، عن قناعة، أن ذلك لا ينبغي أن يلغي التفاوض، بل على العكس، يعده أداة ممتازة لتحسين شروطه لصالح موسكو.

قال لافروف نصًا إن الدعم الأمريكي لأوكرانيا لا يقتصر على توريد السلاح، وإنما يشمل المعلومات الاستخباراتية، التي تقول لنا المصادر الروسية المعتبرة إن 80% مما يحصل عليه الجانب الأوكراني لتوجيه الضربات ومعرفة تحركات القوات الروسية يأتيه من أقمار الولايات المتحدة العسكرية والتجارية، التي يصل عددها معًا إلى زهاء ألف قمر.

فضلًا عن توفير كامل خدمات منظومات الاتصال، مثل “ستارلينك”، وهو ما يعتبره كبير الدبلوماسيين الروس، وليس هو وحده، مشاركة أمريكية مباشرة في توجيه الأسلحة نحو صدور الروس، قبل أن تكون موجهة ضد أهداف حيوية داخل عمق الجغرافيا الروسية، وهو ما لم يكن يتصور عاقل أو مجنون حدوثه قبل الحرب في أوكرانيا.

ويأتي هذا التصريح من الوزير لافروف من قلب مانيلا، بعد موجات مكثفة من المسيّرات الأوكرانية، بلغ متوسط عددها قرابة 750 يوميًا على مدى ثلاثة أيام متتالية. واستهدفت آخر موجاتها، الليلة الماضية، موسكو، وستافروبول، وشبه جزيرة القرم، ومراكز لوجستية ونفطية، وأدت إلى إصابة مبنى سكني في يالطا وسقوط عشرات المصابين، وبضعة قتلى، وفق الرواية الروسية طبعًا.

ومع ذلك، وبعد هذا العرض والتقديم لتصريحات شيخ الدبلوماسيين الروس، من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات فيما نحن بصدد تحليله والتعليق عليه.

فالولايات المتحدة نفسها، وعلى لسان رئيسها ترمب، تعترف، أكثر من مرة، بتقديم مساعدات استخباراتية وتقنية لأوكرانيا، كما تعترف بأنها توفر لها أسلحة ومنظومات اتصال ودعمًا ماليًا مستمرًا، وإن كان الآن من جيوب الأوروبيين، وليس من جيوب الأمريكيين أنفسهم.

أما القول إنها تختار الأهداف بصورة مباشرة، أو تشارك عملياتيًا في كل ضربة داخل روسيا، وأضع هنا تحت كلمة “كل” عددًا من الخطوط، فهو يبقى اتهامًا روسيًا لم تُنشر حتى الآن أدلة علنية مستقلة تثبته في كل حالة.

لذلك تدعونا الأمانة العلمية إلى تقديم تصريح لافروف واتهامه هذا بوصفه تقييمًا رسميًا روسيًا لطبيعة الدور الأمريكي، وليس بوصفه حقيقة محسومة خارج نطاق الجدل.

وهذا اتهام خطير جدًا من حيث تبعاته المؤجلة في سياق العلاقات الروسية الأمريكية، والروس لا ينسون الثأر أبدًا، “تارهم يبرد لكن ما يموتش”.

أما المتوقع من لقاء لافروف وروبيو، غدًا الخميس 23 يوليو، في مانيلا، عاصمة الفلبين، الدولة الصديقة جدًا للولايات المتحدة في هذه المنطقة من العالم، والخصمة، إلى درجة ما، للصين، بل والتي، على الرغم من وصول وزير الخارجية الصيني هو الآخر إليها أمس، شهدت تبادلًا لإطلاق النار ومناوشات عسكرية بين قواتها وقوات بكين بالأمس أيضًا… ويا لعجبي لهذا العالم!

لقد تأكد لقاء لافروف وروبيو رسميًا بالفعل، بعد تواصل قصير على الواقف جمع الوزيرين في إحدى حفلات الاستقبال في مانيلا، واتفقا خلاله على عقد هذا الاجتماع صباح الخميس.

وقال روبيو إنهما سيناقشان آفاق تسوية الحرب الأوكرانية، بينما أعلن لافروف أنه يريد الاستماع إلى تفسير مباشر لتصريحات الرئيس دونالد ترمب بشأن قرب إمكان التوصل إلى تسوية، ومعرفة ما الذي كان يقصده بذلك.

أما نحن، كمراقبين، فيمكننا القول إنه من المستبعد أن ينتج عن هذا الاجتماع اتفاق شامل أو اختراق فوري في الملف الأوكراني أو الإيراني، أو حتى في ملف العلاقات الثنائية بين البلدين.

والأقرب أنه سوف يستخدم، من جانب لافروف، لتأدية ثلاث وظائف.

أولها اختبار ما إذا كانت “روح أنكوريج” ما تزال قائمة، خصوصًا بعدما أعلن لافروف تبخرها وموتها منذ عدة أيام فقط، في تصريحات أدلى بها بعد لقائه بنظيره الأذربيجاني في موسكو.

لكن ها هو يعود أدراجه للحديث عن روح أنكوريج المشؤومة، حيث تقول موسكو إنها قبلت المقترحات الأمريكية التي طُرحت في قمة ألاسكا، لكن الأوروبيين وزيلينسكي يحاولون إبعاد ترمب عنها.

أما واشنطن، فلم تنشر، حتى ساعة كتابة هذه السطور، نصًا تفصيليًا مطابقًا للرواية الروسية.

لذلك أعتقد أن لافروف سيسعى إلى معرفة ما إذا كانت أفكار ترمب لا تزال تمثل أساسًا قابلًا للعمل والبناء عليه في هذا المسار، أم أن الإدارة الأمريكية عدلت موقفها تحت ضغط الكونغرس، أو إن شئت قل تحت ضغط الدولة العميقة في واشنطن، ومن ورائها الحلفاء الأوروبيون.

أما الوظيفة الثانية، فهي منع انقطاع القناة الأمريكية-الروسية، في وقت تتصاعد فيه المناقشات داخل واشنطن حول فرض عقوبات جديدة على روسيا.

ومن واقع ما أتابعه، من هنا، من قلب موسكو، وعلى بعد خطوتين من وزارة الخارجية الروسية، وعدة مئات من الأمتار من الكرملين، يمكنني افتراض أن هذا اللقاء سيكون مرتبطًا مباشرة بالجدل حول ما يسمى العقوبات الأمريكية “الجهنمية” التي يعتزم ترمب فرضها على روسيا، بل وضم إيران إليها، وهي العقوبات التي كان يحمل رايتها المقبور، سيئ الذكر والذاكرة، “الله يجحمه مطرح ما راح”، ليندسي غراهام.

لذلك أرى أن مجرد انعقاد هذا اللقاء بين لافروف وروبيو، اللذين لا يطيق أحدهما الآخر، دليل على أن الطرفين لا يريدان انتقال المواجهة إلى قطيعة دبلوماسية كاملة.

والملفت بالنسبة لي أيضًا أنه، بمجرد إعلان لافروف خبر اللقاء صباح اليوم، انعكست أخباره فورًا على السوق الروسية، فارتفع مؤشر بورصة موسكو بعد تأكيد الاجتماع، وهو ما يكشف حساسية الاقتصاد الروسي تجاه أي إشارة إلى انفراج محتمل.

أما الوظيفة الثالثة، فهي، في اعتقادي، تبادل الرسائل حول حدود التصعيد.

وأتصور أن لافروف سيطرح، على الأرجح، الاتهامات الروسية بشأن دور الولايات المتحدة في توجيه الضربات، فضلًا عن تجديد الرفض الروسي القاطع والواضح والثابت، الذي لا يتزعزع، لوجود قوات أطلسية في أوكرانيا، مضافًا إليه التحذير من خطورة أي توسيع للمشاركة الغربية.

في المقابل، سيؤكد روبيو ضرورة الوصول إلى تسوية، لكنه قد يطالب موسكو بخطوات ملموسة، أو بتخفيف شروط بوتين لهذه التسوية.

إذن، المتوقع من اللقاء ليس اتفاقًا صلبًا واضح المعالم، وإنما محاولة لتحديد ما إذا كانت هناك مساحة مشتركة لا تزال قائمة يمكن البناء عليها خلال الشهور المقبلة، في ضوء التصعيد الحاد، وتغير نمط العمليات في سياق الصراع منذ بداية شهر يوليو الجاري.

إن حاجة موسكو إلى لقاء روبيو لا تعني أن الكرملين تراجع عن أهدافه. على العكس تمامًا، فهذا الاجتماع يأتي في وقت تواصل فيه وزارة الدفاع الروسية إعلان تقدمها الميداني، وضربها منظومة المسيّرات والوقود والنقل الأوكرانية.

فقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية، في بيانها الرسمي اليومي، الأربعاء 22 يوليو الجاري، أن دفاعاتها الجوية أسقطت، خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، 808 مسيّرات أوكرانية، وأن القوات الروسية استهدفت مواقع لتجميع وتخزين الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، إلى جانب منشآت للوقود والنقل، ومواقع انتشار للقوات الأوكرانية.

كما قدرت خسائر القوات الأوكرانية بنحو 1270 عسكريًا خلال اليوم، فضلًا عن إعلانها السيطرة على بلدة أرتيلنويه في مقاطعة خاركوف.

وتعكس هذه الأرقام والإحصاءات الاتجاه العام في الحرب الآن، حيث تدخل حرب المسيّرات مستوى غير مسبوق من الإنتاج والاستهلاك واسع النطاق لدى الجانبين. كما أصبحت روسيا تسعى إلى ضرب منظومة الإنتاج والتخزين والإطلاق، لا الاكتفاء باعتراض الطائرات بعد إقلاعها، وهو الأمر الذي تناولته في مقال سابق منذ يومين.

واللافت أن رقم 808 مسيّرات، الذي أعلن اليوم 22 يوليو، جاء بعد إعلان إسقاط 655 مسيّرة في اليوم السابق، الثلاثاء 21 يوليو، و917 مسيّرة ليلة الأحد على الاثنين.

وكما سبق أن ذكرت، لا يعني ذلك بالضرورة أن جميع هذه الطائرات كانت بعيدة المدى أو موجهة نحو العمق الروسي، فالأرقام قد تشمل المسيّرات التكتيكية الصغيرة العاملة على خطوط الجبهة.

لكنه، مع ذلك، يؤكد أن المسيّرات لم تعد سلاحًا مساعدًا، كما كان ينظر إليها خلال السنوات الأولى من الحرب، بل أصبحت بمثابة الذخيرة المركزية في هذه الحرب، والمتغير الحاسم في الحروب الحديثة برمتها.

ولذلك، فإن اتهام لافروف لواشنطن بالمشاركة المباشرة في توجيه الضربات الأوكرانية على عمق روسيا يخدم عدة وظائف روسية.

أولها أنه، أي هذا الاتهام، ينقل الحرب من إطار روسي-أوكراني إلى إطار مواجهة روسية-أمريكية، وإن كانت غير مباشرة.

وتكمن أهمية ذلك في أنه يمنح موسكو تبريرًا تفسر به، سواء أمام الداخل الروسي الغاضب أو أمام الخارج الساخر، استمرار قدرة كييف على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل العمق الروسي، باعتبارها نتيجة لدعم قوة عظمى، هي الولايات المتحدة بكل جبروتها وخيلها وخيلائها، وليس، بحال، نتيجة لقدرة أوكرانية مستقلة.

ثانيًا، يرفع هذا الاتهام المباشر التكلفة السياسية على إدارة ترمب، بمعنى أنه إذا كانت واشنطن تريد لعب دور الوسيط، فإن موسكو تقول لها عمليًا إن مسعى الوساطة لا ينسجم مع الضلوع المباشر والمشاركة في توجيه الضربات ضد العمق الروسي.

وأخيرًا، يوفر هذا الاتهام لموسكو والكرملين وبوتين التبرير المناسب لأي رد روسي أوسع ضد البنية التي تقول موسكو إنها تخدم القوات الأوكرانية، وربما لرفع مستوى الضغط على الدول التي تقدم المعلومات والتكنولوجيا.

لكن هذا الخطاب الاتهامي يحمل في طياته مخاطرة أيضًا. وما أقصده بذلك أنه كلما صورت موسكو الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا في الحرب، أصبح من الصعب عليها الإبقاء على ترمب، وبالتبعية روبيو، بوصفه كبير الدبلوماسيين الأمريكيين، في موقع الوسيط.

لذلك يتوجب على الدبلوماسية الروسية هنا إيجاد الخيط الرفيع للجمع بين أمرين متناقضين: اتهام واشنطن بالضلوع والمشاركة المباشرة في الصراع من جهة، ومن جهة ثانية إبقاء ترمب شخصيًا خارج دائرة الاتهام الكاملة، وبالتالي تقديمه باعتباره قائدًا يمكن التفاهم معه، لولا ما تراه موسكو من عرقلة تمارسها الدولة العميقة وأوروبا وكييف.

ونقطة أخرى مهمة في تصريحات لافروف من مانيلا اليوم، وإن كانت خارج السياق المباشر، فإنها تبقى داخل السياق العام للمواجهة الروسية مع الغرب.

وأقصد هنا حديث لافروف عن المعلومات التي نشرها جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي بشأن احتمال تطوير ألمانيا قدرة نووية مستقلة.

وقال الوزير الروسي بوضوح إن هذه المعلومات تثير القلق، وإن موسكو تتحمل مسؤولية نشرها، بما يعني أن جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي لا يتحدث، من وجهة نظره، من فراغ، بل يستند إلى معلومات وبيانات وصلته في هذا الشأن.

وذلك أن مثل هذا الملف يحتاج إلى انضباط شديد، فلا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت أن ألمانيا بدأت برنامجًا لإنتاج سلاح نووي، أو اتخذت قرارًا سياسيًا بذلك.

والموجود بين أيدينا، حتى لحظة كتابة هذه السطور، هو تقدير استخباراتي روسي يقول إن برلين تمتلك القاعدة العلمية والتقنية التي قد تسمح لها بإنتاج مواد انشطارية خلال فترة قصيرة، وتطوير جهاز تفجير خلال عام.

والخطر هنا، بالطبع، لا يكمن فقط في القنبلة نفسها، وإنما في هذا المسار السياسي الألماني، بمعنى إعادة تسلح ألمانيا، وبالتالي توسيع دورها في منظومة الردع الأوروبية، فضلًا عن تعزيز تعاونها العسكري، والنووي تحديدًا، مع فرنسا، في ظل تراجع الثقة بالمظلة الأمريكية.

لكن علينا، من باب الأمانة العلمية، أن نميز بين امتلاك القدرة العلمية والصناعية على تصنيع السلاح النووي، وهو ما تمتلكه دول أخرى في العالم، مثل كوريا الجنوبية واليابان، بل وحتى كندا، وبين اتخاذ القرار السياسي بامتلاك السلاح النووي والبدء في العمل على ذلك.

وما أقصده بذلك أنه، من الناحية القانونية والواقعية، لا تعني القدرة التقنية الكامنة وجود برنامج عسكري فعلي.

لذلك يبدو تصريح لافروف جزءًا من محاولة روسية أوسع لربط الحرب الأوكرانية بإعادة عسكرة أوروبا، والقول إن الدعم الغربي لكييف لا يتوقف عند السلاح التقليدي، بل يفتح الباب أمام تغييرات أخطر في النظام الأمني الأوروبي.

وهذا، من جانب وزير خارجية دولة تتعرض لضغوط شاملة، عسكرية واقتصادية وسياسية ودبلوماسية، من معسكر غربي كامل، يعد أمرًا طبيعيًا.

وختامًا، أقول إن لقاء لافروف وروبيو، صباح الخميس 23 يوليو 2026 في مانيلا، مؤشر على أن “روح أنكوريج لم تتبخر بالكامل”، كما قال لافروف نفسه قبل أيام.

كما أن انعقاد الاجتماع، في ظل العقوبات والضربات المتبادلة، يعني أن الطرفين يريان أن التواصل بين أكبر قوتين نوويتين في العالم ضرورة، حتى وإن لم يصل إلى اتفاق سياسي.

بل إن الاجتماع، في رأيي، لا يقل أهمية بالنسبة إلى واشنطن عن أهميته بالنسبة إلى موسكو، وذلك لأن إدارة ترمب تحتاج إلى إثبات أن مسارها التفاوضي لم يفشل نهائيًا.

فلا ننسى أن ترمب عاد إلى البيت الأبيض على أجنحة شعارات تحقيق السلام في أنحاء العالم كافة، وإنهاء حرب أوكرانيا بمكالمة هاتفية واحدة مع بوتين، وخلال أربع وعشرين ساعة فقط من عودته إلى المكتب البيضاوي.

لكنني شخصيًا يملؤني الشك في قدرة روبيو، ربيب الدولة العميقة، ومندوبها في البيت الأبيض، ورئيسها المحتمل عام 2028، على تقديم تنازلات حقيقية.

فهو، نعم، يقول إن واشنطن تريد استمرار الحوار، لكنه يصر على أن يكون ذلك من دون وقف دعمها لكييف.

ومع ذلك، لا يمكن استبعاد أن يحقق الاجتماع نتائج، وإن كانت محدودة، لكنها ضرورية، مثل تثبيت قنوات الاتصال بين الجانبين، وهي مهمة لتجنب سوء الحسابات، وكذلك لتبادل التحذيرات، بل وربما تمهد للاتفاق على خطوات إنسانية أو تقنية أو فنية، من دون الاقتراب، حتى الآن، من التسوية الكبرى المأمولة، والتي تبدو، في تقديري، بعيدة المنال.

فالأرضية اللازمة للتفاهم بين الكرملين والبيت الأبيض لا تزال موجودة، وإن كانت محدودة، ما دام ترمب هو ساكن البيت الأبيض.

فواشنطن ترمب تريد تقليل تكلفة الحرب عليها، ومنع استمرارها حتى نهاية ولايته.

أما موسكو بوتين، فتريد اعترافًا بموقعها في أي نظام أمني مقبل، وتصر على رفض أي وجود، من أي نوع، وتحت أي مسمى أو شعار، لقوات حلف الناتو داخل أوكرانيا.

كما أن الطرفين، وهذا هو الأمر الأهم في كل هذه المعمعة، لا يريدان مواجهة مباشرة بين أكبر قوتين نوويتين على وجه الأرض، قد تنهي، إن وقعت لا سمح الله، الوجود البشري كله، أو جانبًا كبيرًا منه.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع