القضايا الاقتصادية

من الديزل إلى الصفقة الكبرى

هل يحول ترامب العلاقات مع بوتين إلى مشروع اقتصادي يعيد تشكيل النظام الدولي؟


  • 17 أكتوبر 2026

شارك الموضوع

في سبتمبر (أيلول) 2026، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قانونا يشدد العقوبات على عائدات النفط والغاز الروسية، ويحظر أي استثمار أمريكي جديد في روسيا. وفي 9 أكتوبر (تشرين الأول)، خرج من اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، استمر ساعة ونصف الساعة بحسب الكرملين، ليعلن أن موسكو ستضخ فورا أكثر من 300 ألف طن من الديزل في السوقين الأمريكية والعالمية، تتبعها 500 ألف طن في نوفمبر (تشرين الثاني)، ثم مليون طن. ووجه ترامب الشكر علنا إلى الرئيس الروسي. وفي اليوم نفسه، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصا مؤقتا يعلق العقوبات على شحنات الديزل الروسي حتى أبريل (نيسان) 2027.

وقبل ذلك بأسبوع، وافقت دول مجموعة السبع، تحت ضغط البيت الأبيض، على الإفراج عن 100 مليون برميل من مخزوناتها النفطية، لكن الأسعار لم تتراجع إلا قليلا. فالولايات المتحدة، التي أمضت أكثر من أربع سنوات تحاول تقليص إيرادات الطاقة الروسية، تطلب اليوم من موسكو وقودا لشاحناتها ومزارعها، قبل أقل من شهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

تتجاوز القضية مسألة الوقود، وتطرح سؤالا أوسع: هل بدأ ترامب تحويل الخصومة الجيوسياسية مع روسيا إلى علاقة تفاوضية تحكمها حسابات الربح والخسارة؟ وإذا صح ذلك، فمن يحدد شروط هذه العلاقة؟

ترامب كوربوريشن: عقلية الشركة في البيت الأبيض

أستخدم تعبير «ترامب كوربوريشن» استعارة تحليلية لطريقة إدارة السياسة الخارجية، وليس للإشارة إلى أن شركة الرئيس الخاصة طرف في أي اتفاق حكومي. ووفق هذا المنطق، تدار الدولة باعتبارها شركة قابضة، لكل ملف خارجي فيها تكلفة وعائد، ويمكن أن يتحول الخصم إلى شريك تفاوضي إذا تغيرت المصالح. وتصبح العقوبات أوراقا تفاوضية تزداد قيمتها كلما اشتدت، قبل أن يجري تخفيفها مقابل مكاسب محددة. وبهذا يمكن تفسير ما يبدو تناقضا بين تشديد العقوبات في سبتمبر (أيلول) وإصدار ترخيص استثنائي في أكتوبر (تشرين الأول).

ويقوم هذا النهج على مفهومين رئيسيين. الأول «العائد السياسي على الاستثمار»، أي قياس نجاح التحركات الخارجية بمدى انعكاسها على الوضع الداخلي للرئيس، سواء في الأسعار أو الوظائف أو نتائج الانتخابات. والثاني «الربح المتبادل غير المتكافئ»، حيث يقبل ترامب بتحقيق الطرف الآخر مكاسب، شريطة أن يظهر هو بوصفه المستفيد الأكبر، حتى لو كانت التنازلات التي يقدمها أعلى قيمة على المدى الطويل.

ووفق هذه الحسابات، تحرم القطيعة مع روسيا الشركات الأمريكية من فرص اقتصادية في قطاعات الطاقة والمعادن والقطب الشمالي والبنية التحتية، انتقل كثير منها منذ عام 2022 إلى شركات صينية وأخرى من دول مختلفة. وقد أشرت في فبراير (شباط) 2025 إلى أن تسوية الصراع الأوكراني قد تفتح المجال أمام عودة الشركات الأمريكية إلى السوق الروسية. لكن التطور الجديد في أكتوبر (تشرين الأول) 2026 يتمثل في تقدم المصالح الاقتصادية على التسوية السياسية التي لم تتحقق بعد.

غير أن التحليل يتطلب التمييز بين ثلاثة مستويات: المصلحة الاقتصادية الأمريكية العامة، مثل خفض أسعار الوقود للمزارعين وسائقي الشاحنات؛ ومصالح المستثمرين المقربين من الإدارة، وهي مصالح مشروعة ما دامت معلنة وخاضعة للرقابة؛ والمصالح الخاصة المحتملة لأشخاص يتفاوضون باسم الدولة. ويؤدي الخلط بين هذه المستويات إلى استنتاجات غير دقيقة، خاصة أنه لا توجد حتى الآن أدلة منشورة تثبت وجود مصالح من النوع الثالث.

اتفاق الديزل: خطوة تكتيكية أم بوابة لصفقة أوسع؟

ما زالت الوقائع المؤكدة محدودة. فقد أعلن ترامب كميات الديزل عبر منصته، ورفع إجمالي الشحنات المتوقعة إلى أكثر من أربعة ملايين طن، بعد إضافة ثلاثة ملايين طن ربط توريدها بحالة المصافي الروسية. واكتفى بيان الكرملين بالإشارة إلى استعداد روسيا لتوريد النفط ومشتقاته إلى السوقين الأمريكية والعالمية.

وقال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك إن موسكو بدأت رفع قيود التصدير قبل موعدها، بينما لم يقدم مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف إجابة عندما سئل عما حصلت عليه روسيا في المقابل. ولم يوضح البيت الأبيض الجهة التي ستدفع ثمن الشحنات أو مواعيد وصولها. وبالتالي، ما زالت هناك فجوة بين الكميات المعلنة والتنفيذ الفعلي.

أما التأثير الاقتصادي المتوقع، فيبدو محدودا. فروسيا نفسها تحظر تصدير الديزل منذ يوليو (تموز)، نتيجة الأضرار التي لحقت بمصافيها جراء الضربات الأوكرانية، بينما تقدر وكالة الطاقة الدولية تراجع إنتاجها من الديزل بنحو 30%. وبلغ سعر الغالون في الولايات المتحدة 6.28 دولار، بعد تسجيل مستوى قياسي عند 6.52 دولار في 22 سبتمبر (أيلول)، في ظل تأثير الحرب مع إيران.

وقد قدر كلايتون سيغل، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن تأثير الشحنات الروسية في الأسعار قد لا يكون كبيرا. ورأى مايكل لينش، من مؤسسة أبحاث سياسات الطاقة، أن هذه الشحنات ستنتقل على الأرجح من مشتر إلى آخر، دون تغيير جوهري في مستويات الأسعار. أما مسؤول العقوبات الأوكراني فلاديسلاف فلاسيوك، فأشار إلى أن 300 ألف طن لا تغطي سوى نحو 15 ساعة من الطلب الأمريكي على الديزل.

وعليه، تبدو القيمة السياسية للاتفاق أكبر من تأثيره الاقتصادي المباشر. فهذا أول ترخيص لتعليق عقوبات الديزل الروسي يتجاوز مهلة الثلاثين يوما المعتادة منذ فبراير (شباط) 2022. وجاء بعد أسبوع من تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، ونقلته رويترز في 3 أكتوبر (تشرين الأول)، بشأن محادثات لبيع أصول شركة لوك أويل الخارجية بمليارات الدولارات إلى مجموعة من المستثمرين.

وكان بوتين قد طرح هذا الملف خلال لقائه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في الكرملين يوم 5 سبتمبر (أيلول). ولم تكتمل الصفقة، التي تحتاج إلى موافقة واشنطن وموسكو، بينما أكد التقرير عدم وجود أدلة على تحقيق المبعوثين مكاسب شخصية منها.

ولا يكفي اتفاق الديزل وحده لإثبات وجود صفقة شاملة بين البلدين، لكنه، إلى جانب ملف لوك أويل، يشير إلى نمط جديد تتقدم فيه الحوافز الاقتصادية بوصفها أداة رئيسية للتفاوض بين واشنطن وموسكو.

ماذا يريد ترامب وماذا يريد بوتين؟

يسعى ترامب إلى تحقيق مكاسب سريعة، في مقدمتها خفض أسعار الوقود قبل انتخابات 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، خاصة أن الديزل يدخل في تكاليف نقل معظم السلع بالشاحنات، وقد ارتفع سعره بنحو 70% منذ اندلاع الحرب مع إيران. ويريد كذلك تقليل تكلفة الالتزامات الأمريكية في أوروبا، وفتح قطاعات روسية أمام الشركات الأمريكية، والحصول على حصة في إعادة إعمار أوكرانيا، وامتلاك ورقة إضافية في المنافسة مع الصين. وهي أهداف ترتبط بحسابات اقتصادية وانتخابية ذات أفق زمني قصير.

في المقابل، يسعى بوتين إلى تحقيق أهداف أبعد مدى، تبدأ بتخفيف العقوبات، لكنها لا تتوقف عند ذلك. فهو يريد اعترافا أمريكيا بروسيا باعتبارها شريكا اقتصاديا لا يمكن تجاوزه، وتفاهمات أمنية بشأن أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، فضلا عن بناء مصالح تجارية أمريكية داخل روسيا تجعل استمرار سياسة العزل أكثر تكلفة لواشنطن.

فعودة الشركات الأمريكية إلى السوق الروسية قد تخلق جماعات مصالح اقتصادية تضغط مستقبلا ضد فرض عقوبات جديدة. وهنا يظهر الاختلاف الأساسي بين الطرفين: يستخدم بوتين الاقتصاد لتعزيز المكانة الدولية والأمن القومي، بينما يتعامل ترامب مع اعتبارات المكانة والأمن ضمن حسابات التكلفة والعائد.

وليس هذا الاختلاف جديدا. فبعد قمة ألاسكا في أغسطس (آب) 2025، أشرت إلى أن ترامب ينظر إلى تسوية الأزمة الأوكرانية باعتبارها صفقة اقتصادية واستراتيجية تتجاوز وقف العمليات العسكرية. لكن ما تغير منذ ذلك الحين هو ميزان الحاجة بين الطرفين. ففي ألاسكا كان ترامب صاحب العرض، بينما دخل اتصال أكتوبر (تشرين الأول) 2026 وهو يحتاج إلى تعاون موسكو.

وكان بوتين قد أعلن خلال منتدى فالداي مطلع أكتوبر (تشرين الأول) أن روسيا تمتلك كميات كافية من الديزل، وأن العقوبات تمنع وصولها إلى الأسواق. وبذلك، سبق العرض الروسي الطلب الأمريكي.

ويلتقي الطرفان عند المصالح الاقتصادية دون اتفاق شامل على القضايا السياسية والأمنية. فترامب يقدم تخفيفا للعقوبات مقابل الوقود وتهدئة الأسعار، بينما تحصل موسكو على سابقة سياسية مهمة، مفادها أن العقوبات الأمريكية قابلة للتعليق عندما تحتاج واشنطن إلى التعاون مع روسيا.

ويقيس ترامب نتائج التفاهمات بتأثيرها في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني)، بينما ينظر بوتين إلى آثارها طويلة المدى في بنية العلاقات الثنائية. وفي مثل هذه المفاوضات، قد يمتلك الطرف صاحب الأفق الزمني الأطول قدرة أكبر على انتزاع المكاسب. ويعزز ذلك ما أعلنه الكرملين بعد الاتصال، بأن روسيا ستنظر في موعد استئناف محادثات السلام، ما يعني أن التعهد بتوريد الوقود كان فوريا، بينما ظل التنازل السياسي مؤجلا.

أما الرهان الأمريكي على إبعاد موسكو عن بكين، فتواجهه قيود هيكلية واضحة. فالصين أكبر مشتر للنفط الخام الروسي، ومورد رئيسي للسلع الصناعية والتكنولوجية إلى روسيا منذ عام 2022. وقد تعززت هذه العلاقات خلال سنوات العقوبات الغربية، ومن غير المرجح أن تؤدي شحنات الديزل إلى تفكيكها.

وأشار الكرملين إلى اهتمام الرئيسين بحضور قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في الصين خلال نوفمبر (تشرين الثاني). ولذلك، فإن أقصى ما قد تحققه واشنطن هو توسيع هامش المناورة الروسي بين القوتين، وهو تطور قد يخدم موسكو أكثر مما يضر بكين.

من يدفع ثمن التفاهمات؟ أوكرانيا وأوروبا ومستقبل العقوبات

جاء الموقف الأوكراني معارضا بوضوح. فقد وصف الرئيس فولوديمير زيلينسكي القرار الأمريكي بأنه «قرار ضعيف من شركاء أقوياء»، واعتبر أن الإعلان عن الاتفاق يمثل «ستارا دخانيا»، في وقت كان وفد أوكراني يتفاوض مع مبعوثي ترامب في ميامي.

ويستند الاعتراض الأوكراني إلى اعتبارات عملية، أبرزها أن استهداف المصافي الروسية شكل إحدى أدوات الضغط الأكثر تأثيرا خلال العام الجاري، بينما يسمح الترخيص الأمريكي لموسكو باستعادة جزء من العائدات التي فقدتها. وكانت كييف قد عرضت وقف هذه الضربات مقابل توقف روسيا عن استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية.

أما أوروبا، فجاء ردها في اليوم التالي للإعلان. فقد أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الوقت ليس مناسبا لتخفيف الضغط على روسيا، وأن الاتحاد لن يتجه إلى ذلك. وأعلنت أن وزراء الخارجية سيقرون في 12 أكتوبر (تشرين الأول) أكبر قائمة إدراجات ضمن العقوبات منذ بداية الحرب، في إطار الحزمة الثانية والعشرين.

ويستطيع الاتحاد الأوروبي الاستمرار في إغلاق أسواقه ونظامه المالي وخدمات التأمين والشحن أمام روسيا، ما يحد من فرص التطبيع الاقتصادي الواسع. لكنه لا يستطيع منع واشنطن من إصدار تراخيص استثنائية، بينما تواجه الاقتصادات الأوروبية بدورها ضغوطا نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة مقارنة بالولايات المتحدة.

غير أن التأثير الأبعد مدى قد يطال فاعلية العقوبات نفسها. فالعقوبات تحقق أهدافها عندما يعتقد الطرف المستهدف أنها ستظل قائمة حتى يغير سلوكه. أما تعليقها استجابة لاحتياجات داخلية لدى الدولة التي فرضتها، فقد يدفع الطرف المستهدف إلى انتظار أزمات جديدة للحصول على تنازلات إضافية.

وتوجد داخل الولايات المتحدة معارضة سياسية لهذا التوجه. فقد وصف ثلاثة من كبار الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الترخيص بأنه «خيانة تامة لأوكرانيا»، بينما أقر الكونغرس قانون عقوبات سبتمبر (أيلول) بأغلبية ساحقة.

ويضاف إلى ذلك أن توسيع التعاون الاقتصادي قبل التوصل إلى تسوية سياسية يبقي قضايا الأراضي والسيادة الأوكرانية دون حل، وهي مسائل تخضع للقانون الدولي ولا يمكن حسمها عبر التفاهمات التجارية وحدها.

ثلاثة مسارات لمستقبل العلاقات الروسية الأمريكية

يمكن تحديد ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل العلاقات بين واشنطن وموسكو.

المسار الأول: تفاهمات اقتصادية انتقائية. يقوم على إصدار تراخيص مؤقتة، وتنفيذ شحنات وقود، وربما إتمام صفقات تتعلق بأصول اقتصادية، مع استمرار الخلافات بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي.

المسار الثاني: الانتقال التدريجي إلى صفقة أوسع. يشمل ربط تخفيف العقوبات بترتيبات أمنية وتسوية سياسية للصراع الأوكراني، بما يمهد لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

المسار الثالث: تعثر التقارب. يحدث نتيجة ضغوط الكونغرس والحلفاء الأوروبيين واستمرار العمليات العسكرية، بما قد يؤدي إلى تراجع الإدارة الأمريكية عن التفاهمات الجزئية.

وأرجح المسار الأول خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال جدي للانتقال إلى الثالث. فالصفقة الشاملة تتطلب تنازلات روسية بشأن أوكرانيا لم يظهر بوتين استعدادا لتقديمها، بينما يحتاج ترامب إلى تجاوز قيود قانونية وسياسية فرضها الكونغرس حديثا. أما التفاهمات الاقتصادية المحدودة، فتكلفتها السياسية أقل بالنسبة للطرفين، ويمكن التراجع عنها بسهولة نسبية.

وستحدد مجموعة من المؤشرات اتجاه العلاقات خلال الفترة المقبلة، أبرزها وصول شحنات الديزل الروسية فعليا وحجمها، ومصير ترخيص التفاوض بشأن أصول لوك أويل الذي ينتهي في 22 أكتوبر (تشرين الأول)، ومدى تطبيق الإدارة الأمريكية الرسوم التي ينص عليها قانون سبتمبر (أيلول) على كبار مستوردي النفط الروسي أو تجميدها.

وتشمل المؤشرات كذلك موعد استئناف المحادثات الروسية الأوكرانية، ونتائج انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، التي ستحدد هامش حركة البيت الأبيض أمام الكونغرس، واحتمال عقد لقاء بين الرئيسين على هامش قمة أبيك، فضلا عن قرار تمديد ترخيص الديزل أو تركه ينتهي في أبريل (نيسان) 2027.

وإذا أصدرت واشنطن ترخيصا يسمح بإتمام بيع أصول لوك أويل، أو استثناء من حظر الاستثمارات الأمريكية الجديدة في روسيا، فسيكون ذلك مؤشرا على بداية المسار الثاني. أما إعادة فرض العقوبات قبل أبريل (نيسان) أو تفعيل الرسوم على مستوردي النفط الروسي، فسترجح المسار الثالث.

وفي جميع الحالات، ستظل الحرب مع إيران عاملا خارجيا رئيسيا في تحديد اتجاه العلاقات. فاستمرار ارتفاع أسعار الطاقة يعزز حاجة واشنطن إلى الإمدادات الروسية، ويمنح موسكو ورقة تفاوضية إضافية.

إعادة تسعير الخصومة

يمكن قراءة اتفاق الديزل باعتباره محاولة لإعادة تسعير الخصومة بين واشنطن وموسكو، دون إنهائها. فترامب يتعامل مع العقوبات والتنازلات باعتبارها أدوات قابلة للتفاوض، لكل منها قيمة ومقابل. وبهذا تنتقل العلاقة تدريجيا من إدارة العداء إلى إدارة مصالح متعارضة، وهي صيغة قد تكون أقل خطورة من المواجهة المفتوحة، لكنها أقل استقرارا من التسوية السياسية الشاملة.

وتتوقف قدرة بوتين على تحويل الانفتاح الاقتصادي المحدود إلى مكسب جيوسياسي دائم على عوامل لا يتحكم فيها منفردا، أبرزها تماسك الموقف الأوروبي، والتطورات الميدانية في أوكرانيا، وحالة المصافي الروسية. وفي المقابل، تتوقف قدرة ترامب على تحقيق العائد السياسي الداخلي على اتجاه أسعار الوقود حتى موعد الانتخابات.

فهل يمكن أن تؤدي هذه التفاهمات إلى إعادة تشكيل النظام الدولي؟ لا تشير المعطيات الحالية إلى تحول بهذا الحجم، لكنها تكشف عن اتجاه يستحق المتابعة في بكين وعواصم الخليج وغيرها، يتمثل في إمكانية التفاوض على العقوبات الأمريكية بصورة قطاعية، عندما يمتلك الطرف المستهدف سلعا أو موارد تحتاجها الولايات المتحدة.

ولا تؤدي التفاهمات الاقتصادية بالضرورة إلى نشوء تحالفات سياسية، لكنها قد تغير تكلفة استمرار الخصومة. وعندما تتغير هذه التكلفة، يعيد الأطراف حساباتهم بشأن جدوى المواجهة وحدود التعاون.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع