أبحاث ودراسات

هل تفسد المنظمات الحقوقية أيضا؟


  • 12 أغسطس 2026

شارك الموضوع

ملخص تنفيذي

سؤال بات يطرح بإلحاح متزايد في الأوساط الحقوقية والقانونية والإعلامية: هل ما تزال منظمات حقوق الإنسان والعدالة الدولية، التي احتكرت لعقود سلطة “تسمية” الضحية والجلاد، جهات محايدة تنتج معرفة موثوقة، أم أنها، شأن أي مؤسسة كبرى تتحكم بمليارات الدولارات وبسمعتها الأخلاقية، باتت عرضة للتسييس، ولتضارب المصالح، ولأشكال من الفساد المؤسسي، غير المالي بالضرورة، بل المعرفي والإجرائي؟

لا تزعم هذه الورقة تقديم إجابة قاطعة بـ”نعم” أو “لا”، بل تفحص الأدلة المتاحة على نمط متكرر من الإخفاقات المنهجية والتحيزات الممنهجة، وتخضعها لمعيار تحقق صارم قبل استخلاص أي استنتاج.

يبدأ التحليل من الأدبيات الأكاديمية النقدية التي أرست، منذ عقدين على الأقل، إطارا لفهم “الاقتصاد السياسي” لصناعة حقوق الإنسان، ثم ينتقل إلى حالات موثقة من تضارب المصالح والتمويل الحكومي والباب الدوار بين هذه المنظمات والحكومات الغربية، بما في ذلك شهادة مؤسس هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) نفسه، روبرت برنشتاين، الذي اتهم منظمته علنا بفقدان الحياد.

كما يستعرض التقرير سوابق تاريخية محددة شابت مصداقية منظمة العفو الدولية (Amnesty International) تحديدا: من شهادة “الحاضنات” الملفقة في حرب الخليج عام 1990، إلى أزمة تقرير أوكرانيا عام 2022 التي أدت إلى استقالة رئيسة المكتب الأوكراني احتجاجا، وإلى مراجعة قانونية مستقلة أقرت رسميا بوجود قصور منهجي. ويستكمل الإطار بمعيار القضاء الجنائي الدولي ذاته، من خلال سابقة محكمة الجنايات الدولية في قضية غباغبو، التي رفضت اعتماد تقارير المنظمات غير الحكومية كدليل إثبات كاف لعناصر الجريمة.

في القسم الثاني، ينتقل التقرير إلى الحالة السورية بوصفها نموذجا مركزا لهذه الإشكاليات: أولا، عبر إشارة موجزة إلى الجدل الطويل حول “المرصد السوري لحقوق الإنسان” بوصفه مثالا على هشاشة البنية المؤسسية لمصادر التوثيق، ثم عبر تشريح مفصل لتقرير منظمة العفو الدولية “الجزارة البشرية”، الصادر في فبراير (شباط) 2017، الذي قدر إعدام ما بين 5 آلاف و13 ألف معتقل في سجن صيدنايا، استنادا إلى منهجية “الشهادة السمعية” غير المسبوقة التي طورتها وكالة فورينزيك أركيتكتشر (Forensic Architecture).

وتخلص الورقة، بعد مقارنة نص التقرير حرفيا بالإطار التشريعي السوري، المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968 الخاص بالمحاكم الميدانية العسكرية، وقانون العقوبات العام رقم 148 لعام 1949، إلى أن الادعاء بأن مفتي الجمهورية كان “مفوضا” بالمصادقة على أحكام الإعدام لا يستند إلى أي وثيقة منشورة أو نص قانوني، وأن هذا الادعاء، الملطف أصلا في التقرير بصيغتي “تعتمد” و”يفوض”، تحول عبر التداول الإعلامي إلى اتهام قاطع بأن المفتي أحمد بدر الدين حسون شخصيا “أمر” بإعدام 13 ألف شخص.

وتخلص الورقة أخيرا إلى أن محاكمة حسون الجارية فعليا أمام المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق منذ 25 يونيو (حزيران) 2026 لا تتضمن، بحسب لائحة الاتهام المعلنة والمتابعة الميدانية لجلساتها حتى تاريخ إعداد هذه الورقة، تهمة توقيع أو إصدار أوامر إعدام مباشرة، بل تتمحور حول التحريض، وإضفاء الشرعية الدينية والسياسية على جرائم النظام السابق، وإساءة استخدام المنصب.

وهذا التفاوت بين رواية “الأمر بالإعدام” المتداولة إعلاميا منذ عام 2017، وبين الأساس القانوني الفعلي للمحاكمة الجارية عام 2026، هو بذاته أبلغ توثيق لأطروحة هذا التقرير: أن التسييس لا يحدث بالضرورة عبر الكذب الصريح، بل عبر “انزلاق دلالي” تدريجي من صياغة مشروطة وحذرة في التقرير الأصلي، إلى يقين إعلامي جازم، إلى واقعة تاريخية “مسلم بها” تتقاسم النخب السياسية والإعلامية توظيفها دون عودة إلى النص المصدر.

أزمة الشرعية المعرفية في التوثيق الحقوقي الدولي

يقوم صرح العدالة الانتقالية والمساءلة الدولية، من محكمة الجنايات الدولية إلى آليات التحقيق الأممية ووسائل الإعلام العالمية، على افتراض ضمني بأن التوثيق الذي تنتجه المنظمات غير الحكومية الكبرى، مثل منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، واللجان الدولية للتحقيق، هو توثيق محايد، خاضع لمنهجية علمية صارمة، ومستقل عن أي مصلحة سياسية أو مالية. وقد راكمت هذه المنظمات، على مدى ستة عقود، سلطة رمزية هائلة جعلت تقاريرها مرجعا أساسيا للعقوبات الدبلوماسية، والسرديات الإعلامية العالمية، وصياغة السياسة الخارجية للدول الكبرى.

غير أن هذا الافتراض بات موضع مساءلة أكاديمية متصاعدة. يفرق الباحث ستيفن هوبغود بين “حقوق الإنسان” بحرف كبير، أي البنية العليا الجامدة من القوانين والمحاكم والمنظمات النخبوية التي تدير مقارها من جنيف ولندن ونيويورك، وبين “حقوق الإنسان” بحرف صغير، أي الشبكات المحلية والقاعدية الساعية فعليا إلى صون الكرامة الإنسانية على الأرض.

ويرى هوبغود أن المنظمات الكبرى، بفعل مأسستها المفرطة، فرضت رؤية قانونية-ليبرالية أوروبية-أمريكية على نزاعات معقدة في الجنوب العالمي، فحولت المعاناة المحلية إلى “سلعة” معيارية قابلة للاستهلاك الدولي. من جهته، يقدم الحقوقي ديفيد كينيدي في كتابه المرجعي “الأوجه المظلمة للفضيلة” جردا نقديا لتبعات العمل الإنساني غير المقصودة، محذرا من أن حسن النية لا يحصن أي مؤسسة من إنتاج ضرر فعلي حين تتجاهل أثرها كفاعل في موازين القوى الدولية.

ويذهب مكاو موتوا في نقده الثقافي والسياسي إلى أن الخطاب الحقوقي السائد يعيد إنتاج ثنائية استعمارية من “المنقذ والضحية والوحش”، بينما يوثق ديفيد ريف في “سرير لليلة واحدة” كيف تحولت المنظمات الإنسانية الكبرى، عبر مأسستها، إلى فاعل سياسي بحد ذاته، لا مجرد ناقل محايد للمساعدة.

هذا الإطار الأكاديمي النقدي ليس ادعاء هامشيا أو نظرية مؤامرة؛ إنه امتداد لنقاش راسخ داخل حقل القانون الدولي وعلم الاجتماع السياسي نفسه. والسؤال الذي تطرحه هذه الورقة ليس ما إذا كانت هذه المنظمات “شريرة” أو “كاذبة” بالمطلق، فالانتهاكات الجسيمة التي توثقها في سياقات مثل سوريا موثقة على نطاق واسع ومستقل عن أي تقرير بعينه، بل ما إذا كانت البنية المؤسسية والتمويلية والمنهجية لهذه المنظمات تخلق حوافز بنيوية للتسييس ولتضارب المصالح، وما إذا كانت هذه الحوافز قد أنتجت فعليا أخطاء موثقة وقابلة للتحقق، من شأنها أن تضعف موثوقية ادعاءات بعينها دون أن تسقط مصداقية الحقل بأكمله.

الاقتصاد السياسي لمنظمات حقوق الإنسان: التمويل والباب الدوار وتضارب المصالح

تحولت المنظمات الحقوقية الكبرى من شبكات مناصرة قاعدية إلى كيانات مؤسسية ضخمة متعددة الجنسيات؛ فميزانية منظمة العفو الدولية وحدها تجاوزت 370 مليون يورو، فيما بلغت ميزانية هيومن رايتس ووتش نحو 100 مليون دولار عام 2022.

وهذا التحول من نقابة تطوعية إلى مؤسسة بحجم شركة متعددة الجنسيات لم يكن محايدا من الناحية البنيوية؛ فقد خلق منظومة حوافز جديدة ترتبط بجمع التبرعات، والظهور الإعلامي، والحفاظ على علاقات عمل مع الحكومات والجهات المانحة التي تحدد، في نهاية المطاف، أي النزاعات تحظى بالتغطية وأيها يهمل.

التمويل الحكومي وتضارب المصالح البنيوي

تدعي منظمة العفو الدولية استقلالها التام عن أي تمويل حكومي مباشر، غير أن تحقيقا أجرته منظمة إن جي أو مونيتور (NGO Monitor) وثق تلقي فروع المنظمة تمويلا حكوميا متكررا؛ ففي عام 2009 وحده تلقت المنظمة نحو 2.5 مليون يورو من حكومات، كانت المملكة المتحدة ثالث أكبر مانح بها بمبلغ 800 ألف يورو، إضافة إلى تمويل حكومي في أعوام 2006 و2007 و2008.

والأهم من رقم التمويل ذاته هو أن الوثائق الداخلية التي استند إليها فرع أستراليا في مطالبته بمراجعة سياسة التمويل لم تكن متاحة للعلن، ما يطرح سؤالا حول الشفافية والمساءلة الداخلية للمنظمة نفسها. وقد أقرت المنظمة ضمنيا بوجود إشكالية حين شكلت لجنة تنفيذية للتحقيق في مدى اعتمادها على التمويل الحكومي وأثره على استقلاليتها.

أما هيومن رايتس ووتش، التي تنفي هي الأخرى قبول أي تمويل حكومي، فقد واجهت فضيحتين موثقتين بشأن تمويلها من جهات خليجية: الأولى حين كشفت وثائق أن المنظمة قبلت تمويلا من مانح سعودي، كانت المنظمة نفسها قد وثقت انتهاكات عمالية لشركته، بشرط ألا تستخدم الأموال لدعم المناصرة لحقوق مجتمع الميم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قبل أن تعيد المنظمة التبرع لاحقا؛ والثانية ادعاءات، نفتها المنظمة، بتلقيها تمويلا من قطر عام 2018.

وفي عام 2009، أقامت المنظمة حفل تبرعات في الرياض استخدمت خلاله انتقادها لإسرائيل ورقة لجذب التبرعات من “شخصيات بارزة” في المجتمع السعودي، وباهت مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا آنذاك، سارة لي ويتسون، بأن اتهامات المنظمة أسهمت في تقرير غولدستون المثير للجدل حول حرب غزة عام 2009.

الباب الدوار مع الحكومات الغربية

يشير باحثون إلى أن استقلال هذه المنظمات عن الحكومات لا يقاس فقط بالتمويل المباشر، بل بشبكة العلاقات الشخصية والمهنية بين موظفيها الكبار ودوائر صنع القرار الغربية، وهو ما يعرف بـ”الباب الدوار”.

فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، جمع وزير الخارجية الأمريكي كولن باول قادة أبرز منظمات حقوق الإنسان في وزارة الخارجية، ووصفهم علنا بأنهم “مضاعفات قوة” (force multipliers) لعمل الجيش الأمريكي في الحرب على الإرهاب.

وتشير تقارير نقدية إلى أن هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) تحديدا تشتهر بتوظيف عدد من المسؤولين الحكوميين الأمريكيين السابقين وضباط الاستخبارات المتقاعدين في مواقع بحثية وإدارية عليا، فيما جاء أكبر تبرع فردي في تاريخها، بقيمة 100 مليون دولار، من رجل الأعمال جورج سوروس.

لا تعني هذه الحقائق بالضرورة أن كل تقرير صادر عن هذه المنظمات هو تقرير موجه، لكنها تبطل الادعاء بأن هذه المؤسسات تعمل في فراغ سياسي معزول عن مصالح الدول الكبرى الراعية لها أو المتفاعلة معها.

حين ينقلب المؤسسون: شهادة روبرت برنشتاين

ربما يكون أبلغ دليل داخلي على أزمة الحياد هو ما فعله روبرت برنشتاين، مؤسس هيومن رايتس ووتش ورئيسها التنفيذي لعقدين. ففي مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2009، تحت عنوان “حارس الحقوق، تائه في الشرق الأوسط”، أعلن برنشتاين أنه يجد نفسه مضطرا، للمرة الأولى، إلى الانضمام علنا إلى منتقدي المنظمة التي أسسها، بعدما فقدت، في تقديره، التمييز الجوهري الذي قامت عليه رسالتها أصلا: التمييز بين المجتمعات المفتوحة القادرة على تصحيح ذاتها عبر نقاش عام حر، والمجتمعات المغلقة الاستبدادية التي تخرس أي نقد.

لم تقدم استجابة قيادة المنظمة، بحسب تحليل لاحق لأكثر من 14 مقالا وبيانا دفاعيا صدرت عنها، ردا مباشرا على جوهر اتهام برنشتاين، بل اكتفت بتكرار لغة موحدة حول “التوازن” و”المنهجية”.

وسواء اتفق القارئ مع مضمون انتقاد برنشتاين تحديدا، المتعلق أساسا بالتغطية الإسرائيلية-الفلسطينية، أم اختلف معه، فإن دلالته المؤسسية تتجاوز ذلك: حين يعلن المؤسس نفسه فقدان ثقته بحياد مؤسسته، يصبح من الصعب اختزال النقاش في “نظرية مؤامرة” يروجها خصوم خارجيون.

ولا تقتصر هذه الإشكالية على المنظمات الدولية الكبرى؛ فحتى على المستوى المحلي السوري، شكل “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، الذي تحول منذ عام 2011 إلى أحد أكثر المصادر استشهادا في التغطية الغربية للحرب السورية، نموذجا متكرر النقد لهشاشة البنية المؤسسية لمصادر التوثيق.

فقد وصف مرارا في تقارير صحفية غربية جادة، لا في دعاية النظام فحسب، بأنه عمليا “عملية رجل واحد” يديرها رامي عبد الرحمن من منزله في مدينة كوفنتري البريطانية، بمساعدة عدد محدود من المتعاونين داخل سوريا.

ولا يعني هذا بالضرورة أن بيانات المرصد غير دقيقة بإطلاق، فقد وثق انتهاكات لجميع أطراف النزاع، بما فيها فصائل المعارضة، لكنه يوضح كيف يمكن لمصدر ذي بنية مؤسسية هشة للغاية أن يتحول، عبر التكرار الإعلامي المكثف، إلى “حقيقة” شبه رسمية دون خضوعه لآليات التدقيق المؤسسي التي يفترض أن تحكم عمل جهة توثيق بحجم تأثيرها العالمي.

سوابق تاريخية: حين تعثرت منظمة العفو الدولية

لا يشكل تقرير “الجزارة البشرية” حالة معزولة في تاريخ منظمة العفو الدولية (Amnesty International)؛ فالمنظمة التي أسسها المحامي البريطاني بيتر بينينسون عام 1961 دفاعا عن “سجناء الرأي”، مرت بأزمتي مصداقية موثقتين وواسعتي الأثر تفصل بينهما أكثر من ثلاثة عقود، تكشفان نمطا متكررا من الاستعجال في النشر، والاعتماد المفرط على شهادات غير قابلة للتحقق المستقل، وضعف تقدير الأثر السياسي للمنشور قبل صدوره.

حادثة “الحاضنات” في حرب الخليج عام 1990

في أكتوبر (تشرين الأول) 1990، أدلت فتاة كويتية استخدمت اسما أوليا فقط، “نائلة”، بشهادة مؤثرة أمام لجنة حقوق الإنسان في الكونغرس الأمريكي، زعمت فيها أنها شاهدت جنودا عراقيين ينتزعون أطفالا رضعا من حاضنات المستشفيات الكويتية ويتركونهم يموتون على الأرض.

أيدت منظمة العفو الدولية هذه الرواية في تقرير أصدرته آنذاك، واستشهد بها الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب عشرات المرات في خطاباته لتبرير التدخل العسكري ضد العراق.

وبعد تحرير الكويت، تبين أن “نائلة” هي في الحقيقة ابنة سعود الصباح، سفير الكويت لدى واشنطن، وأن شهادتها كانت جزءا من حملة علاقات عامة نظمتها شركة هيل آند نولتون (Hill & Knowlton) لصالح الحكومة الكويتية في المنفى، وأن التحقيقات الصحفية اللاحقة لم تعثر على أي دليل يثبت واقعة انتزاع الأطفال من الحاضنات.

اضطرت منظمة العفو إلى سحب تأييدها للرواية علنا، فيما اتهم مديرها التنفيذي آنذاك، جون هيلي، إدارة بوش بـ”استغلال انتهازي للحركة الحقوقية الدولية”.

تبقى هذه الحادثة، رغم قدمها، الدرس التأسيسي الأوضح على خطورة اعتماد منظمة بثقل معنوي عالمي على شهادة فردية غير موثقة في بيئة نزاع تدار فيها حرب دعائية موازية.

أزمة تقرير أوكرانيا عام 2022

في 4 أغسطس (آب) 2022، وفي خضم الغزو الروسي لأوكرانيا، نشرت منظمة العفو الدولية بيانا اتهمت فيه القوات الأوكرانية بتعريض المدنيين للخطر عبر إقامة قواعد عسكرية في مناطق سكنية، من بينها مدارس ومستشفيات مهجورة.

أثار البيان رد فعل دوليا غير مسبوق: انتقد دبلوماسيون غربيون وخبراء قانونيون التقرير لافتقاره إلى السياق العسكري، ولتجاهله أن القوات المدافعة تضطر غالبا للتمركز حيث يتواجد السكان الذين تدافع عنهم، ولخلقه تكافؤا أخلاقيا زائفا بين تكتيكات الجيش الأوكراني الدفاعية والقصف العشوائي الروسي.

والأخطر أن الإعلام الروسي الرسمي والدبلوماسيين الروس استشهدوا فورا بتقرير منظمة العفو أمام الأمم المتحدة كدليل “قاطع” على استخدام أوكرانيا للمدنيين كدروع بشرية، مانحين بذلك تبريرا رجعيا لضربات روسية على بنى تحتية مدنية.

كانت التبعات الداخلية للأزمة مدوية: استقالت أوكسانا بوكالتشوك، رئيسة مكتب منظمة العفو في أوكرانيا، احتجاجا، وكشفت في تصريحاتها أن مكتبها المحلي عارض النشر بشدة، محذرا القيادة الدولية من أن التقرير يتجاهل السياق المحلي، ولم يمنح وزارة الدفاع الأوكرانية وقتا كافيا للرد، وسيغذي حتما الدعاية الروسية.

وردا على الأزمة المؤسسية، كلف مجلس منظمة العفو الدولية لجنة مراجعة قانونية مستقلة من خبراء بارزين في القانون الدولي الإنساني لتقييم بيان 4 أغسطس (آب).

وخلص التقرير النهائي للجنة، الصادر مطلع عام 2023، الوثيقة ORG 60/6731/2023، إلى أن الادعاء القانوني المركزي للمنظمة، بأن القوات الأوكرانية أخفقت في اتخاذ الاحتياطات “إلى أقصى حد ممكن”، صيغ بـ”عبارات مبالغ فيها”، وأن التحليل القانوني كان “غير متطور بما يكفي”، وأن التقرير استخدم كلمة “نمط” دون توفير عينة إثباتية كافية تدعمها.

وتكشف وثائق لاحقة أن مجلس إدارة المنظمة أبقى هذا التقرير النقدي طي الكتمان لأشهر قبل نشره.

تلخص هذه الحادثة، أكثر من أي حالة أخرى، نمط الإخفاق المتكرر لدى المنظمات الحقوقية الكبرى: مركزية القرار في المقر الرئيسي، وتهميش الخبرة المحلية، والاعتماد المفرط على عينة محدودة لتعميم استنتاجات قانونية واسعة، وغياب تقدير مسبق لكيفية توظيف الخصم السياسي لنتائج التقرير.

حين تصطدم منهجية المناصرة بمعايير القضاء الدولي: سابقة غباغبو

لا يقتصر التشكيك في القيمة الإثباتية لتقارير المنظمات غير الحكومية على النقاد السياسيين؛ فقد عبرت المحاكم الدولية نفسها، في أكثر من مناسبة، عن تحفظات جوهرية إزاء الاعتماد عليها كدليل إثبات.

ففي قضية المدعي العام ضد لوران غباغبو أمام محكمة الجنايات الدولية عام 2013، انتقدت الدائرة التمهيدية الأولى مكتب المدعي العام بشدة لاعتماده شبه الحصري على تقارير المنظمات غير الحكومية والمقالات الصحفية لإثبات العناصر السياقية لجرائم ضد الإنسانية، في جلسة إقرار التهم المنصوص عليها في المادة 61 (7) من نظام روما الأساسي.

كشف قرار الدائرة، الذي أجل الجلسة وطالب بتحقيق مستقل إضافي، عن ثلاث ثغرات منهجية متكررة في تقارير المنظمات الحقوقية عموما: أولا، اعتمادها على شهادات مصادر مجهولة الهوية لحماية الشهود من الانتقام، وهو ما يتعارض مع حق المتهم في التحقق من مصداقية المصدر ودوافعه؛ ثانيا، رفض هذه المنظمات، استنادا إلى سياسات السرية الخاصة بها، الإفصاح عن بياناتها الأولية أو هوية مصادرها أمام المحكمة، ما يحول دون إخضاعها للاستجواب المباشر أو المضاد؛ وثالثا، أن هذه التقارير قد تشكل “مدخلا تاريخيا مفيدا” للسياق العام، لكنها لا تعد بديلا صالحا عن الدليل الملموس المطلوب لبلوغ العتبة الإثباتية الجنائية.

حين تعمد منظمة غير حكومية إلى استنتاج أحكام قانونية واسعة من بيانات محدودة ومجهولة المصدر وغير قابلة للاستجواب، فإنها تخاطر بتقويض الحق الأساسي في محاكمة عادلة، وتحول العدالة الدولية إلى أداة انتقام سياسي، وهو بالضبط المأزق الذي سيظهر لاحقا، بصورة أشد حدة، في حالة تقرير “الجزارة البشرية”.

تشريح تقرير “الجزارة البشرية” عام 2017: من الشهادة السمعية إلى الرقم القاطع

توفر الأطر المنهجية والمؤسسية المستعرضة أعلاه الأداة النقدية اللازمة لتقييم تقرير منظمة العفو الدولية الصادر عام 2017 بعنوان “الجزارة البشرية: عمليات الشنق الجماعي والإبادة في سجن صيدنايا، سوريا”.

نشر التقرير في فبراير (شباط) 2017، وزعم أن الحكومة السورية نفذت حملة ممنهجة من الإعدامات خارج نطاق القضاء بحق المعارضين، وقدر أن ما بين 5 آلاف و13 ألف شخص شنقوا سرا في سجن صيدنايا العسكري بين سبتمبر (أيلول) 2011 وديسمبر (كانون الأول) 2015.

ابتكار منهجي: “الشهادة السمعية” وهندسة الصوت

شكل التحقيق في صيدنايا تحديا منهجيا غير مسبوق: تفرض السلطات السورية تعتيما تاما على منشآت الاستخبارات العسكرية، ويمنع المراقبون المستقلون والصحفيون والهيئات القانونية الدولية من الوصول إليها.

ومع تعذر إجراء منظمة العفو تحقيقا ميدانيا مباشرا أو استخراج وثائق أو تنفيذ عمليات تنقيب عن رفات، اعتمدت على منهجية جمعت بين شهادات منشقين عن بعد وتقنية غير تقليدية طورتها بالشراكة مع وكالة فورينزيك أركيتكتشر (Forensic Architecture) التابعة لجامعة غولدسميث بلندن.

وبما أن المعتقلين في صيدنايا كانوا يحتجزون في عتمة مطلقة، معصوبي الأعين باستمرار، وخاضعين لنظام صمت صارم يعاقب فيه الكلام أو الصراخ بالموت، فإنهم نادرا ما شاهدوا محيطهم فعليا.

وللتغلب على هذا الحرمان البصري، ابتكرت الوكالة أسلوب “الشهادة السمعية” عبر تشغيل ترددات صوتية وأصوات اختبار مختلفة على معتقلين سابقين، وطلب مطابقتها مع الأصوات التي يتذكرونها من فترة احتجازهم، ما مكن الباحثين من إعادة بناء رقمية لتخطيط السجن، وسماكة جدرانه، وأبعاد زنازينه.

من منظور الفن المعاصر والدراسات النفسية للصدمة والمناصرة العامة، تعد إعادة بناء موقع عنف مخفي عبر الذاكرة السمعية عملا بالغ التأثير عاطفيا. غير أن هذه المنهجية، من منظور التقاضي الجنائي الموضوعي، كالمعيار الصارم الذي تتطلبه محكمة الجنايات الدولية لإقرار التهم، تحمل هشاشة معرفية جوهرية: فالذاكرة البشرية، لا سيما الذاكرة المشفرة سمعيا حصرا لدى أفراد محرومين حسيا ومعذبين نفسيا، عرضة للتشوه والتلوين الذاتي بدرجة عالية.

وبينما قد يشير التنميط الصدوي إلى الأبعاد الفيزيائية لممر خرساني أو قرب صوت ضرب، فإنه لا يستطيع إثبات هوية القتلى، أو التسلسل القيادي العسكري الدقيق، أو محتوى الأوامر القضائية المنفذة تحديدا.

الاستقراء الحسابي لرقم الـ13 ألف

يستند الرقم الأكثر إثارة وتداولا في التقرير، “ما يصل إلى 13 ألف” معدوم، إلى مقابلات أجريت مع 84 شخصا فقط، بينهم 31 معتقلا سابقا، و4 موظفين سابقين في السجن، وعدد من القضاة والأطباء.

توصلت المنظمة إلى هذا الرقم عبر أخذ معدل الإعدام الذي أفاد به هؤلاء الشهود المحدودون، حيث زعم شهود أن مجموعات تصل إلى 50 شخصا كانت تنتزع من زنازينها وتشنق مرة أو مرتين أسبوعيا، ثم ضرب هذا المعدل حسابيا على مدى الإطار الزمني الكامل الممتد أربع سنوات، من سبتمبر (أيلول) 2011 حتى ديسمبر (كانون الأول) 2015، أي أكثر من 200 أسبوع متتال.

تنطوي هذه المنهجية على قفزة استقرائية كبرى: افتراض أن معدل الإعدام الذي رصده أو سمعه عدد محدود من الشهود خلال نوافذ زمنية معزولة استمر بشكل منتظم ومستمر طوال تلك الفترة دون انقطاع أو تفاوت.

ويعد استقراء حصيلة وفيات بخمسة أرقام من عينة محدودة وذاتية للغاية، دون وثائق، أو تنقيب عن مقابر جماعية، أو بيانات وفيات ديموغرافية، أو مراقبة أولية مستمرة، أمرا بالغ التخمينية وغير سليم إحصائيا وفق المعايير الأكاديمية والقانونية الدولية.

ولا يعني هذا التشكيك المنهجي، بأي حال، إنكارا لوقوع انتهاكات جسيمة وتعذيب ممنهج وإخفاء قسري وقتل خارج نطاق القضاء في المنظومة الاعتقالية السورية، فهذه وقائع موثقة على نطاق واسع من مصادر متعددة ومستقلة عن هذا التقرير بعينه، ولا يختلف عليها مراقبون مستقلون.

بل يعني أن توليد رقم الـ13 ألف تحديدا عبر الاستقراء الرياضي يعكس خللا بنيويا في المنظمات غير الحكومية الحديثة: انحيازها إلى إنتاج إحصاءات مثيرة، جاهزة للعناوين الرئيسية وضامنة للتغطية الإعلامية العالمية، حتى حين تعجز البيانات الأساسية عن الصمود أمام “التدقيق الصارم” الذي يتطلبه إثبات نمط سلوك بموجب القانون الجنائي الدولي.

اتهام مفتي الجمهورية أحمد بدر الدين حسون: تفكيك قانوني وإعلامي

يتقاطع القصور المنهجي، وغياب التسييق القانوني، والتوظيف الإعلامي اللاحق، بأوضح صوره في اتهام تقرير “الجزارة البشرية” أعلى مرجعية دينية سنية في سوريا، مفتي الجمهورية أحمد بدر الدين حسون.

النص الحرفي لادعاء منظمة العفو

في سياق شرحه للآلية الإجرائية للإعدامات المزعومة في صيدنايا، ذكر تقرير منظمة العفو أن الضحايا يحاكمون في جلسات لا تتجاوز الدقيقة إلى الثلاث دقائق أمام المحكمة الميدانية العسكرية الكائنة في منطقة القابون بدمشق. ثم أورد التقرير حرفيا ما يلي:

“تعتمد أحكام الإعدام من قبل المفتي العام لسوريا ووزير الدفاع أو رئيس أركان الجيش، اللذين يفوضان بالتوقيع نيابة عن الرئيس بشار الأسد. كما توقع الأحكام أيضا من قبل رئيس المحكمة الميدانية العسكرية والمدعي العسكري وممثل عن الأجهزة الأمنية.”

ينبغي التوقف عند دقة هذا الاقتباس: التقرير لا يذكر اسم “أحمد حسون” في أي موضع، بل يستخدم صياغة وظيفية بحتة، “مفتي الجمهورية”، مستندا، وفق الحاشية المرفقة بالنص الأصلي، إلى مقابلتين فقط: مع موظف سجون سابق في أبريل (نيسان) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ومع قاض سابق في مايو (أيار) 2016.

ولأن حسون كان يشغل منصب المفتي طوال الفترة المشمولة بالتحقيق (2005-2021)، فهم ضمنا أن المقصود هو شخصه، رغم أن التقرير لم يسمه صراحة. وهذه الصياغة الحذرة والمشروطة أصلا، “تعتمد” و”يفوضان”، هي بالذات ما سيتبخر لاحقا في التداول الإعلامي، كما سيتضح لاحقا.

الإطار التشريعي السوري: المرسوم 109 لعام 1968 والمادة 43 من قانون العقوبات

لتقييم الوجاهة القانونية لهذا الادعاء، لا بد من فحص البنية التشريعية الفعلية للقضاء العسكري السوري. أنشئت المحاكم الميدانية العسكرية بموجب المرسوم التشريعي رقم 109 الصادر في 17 أغسطس (آب) 1968، الذي ظل نافذا 55 عاما حتى ألغاه المرسوم رقم 32 في سبتمبر (أيلول) 2023.

صمم المرسوم 109 أصلا كولاية قضائية عسكرية استثنائية لمعالجة جرائم زمن الحرب، ثم وسع نطاقه عام 1980 ليشمل المدنيين خلال “الاضطرابات الداخلية”، فاستخدم بكثافة لقمع تمرد جماعة الإخوان المسلمين في الثمانينيات، ثم أعيد تفعيله بأثر مدمر ضد المعارضة المدنية بعد عام 2011.

وتنص المادتان 7 و8 من المرسوم صراحة على أن أحكام الإعدام الصادرة عن المحكمة الميدانية العسكرية تتطلب تصديق رئيس الدولة حصرا، فيما تتطلب الأحكام الأخرى، كالسجن أو الأشغال الشاقة، تصديق وزير الدفاع، وأن سلطة تخفيف الحكم أو استبداله أو إلغائه محصورة بالجهتين المصدقتين، الرئيس ووزير الدفاع، دون سواهما.

ويضاف إلى هذا الإطار الخاص بالمحاكم الميدانية إطار عام أوسع: تنص المادة 43 من قانون العقوبات العام، المرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949، على أن حكم الإعدام لا ينفذ إلا بعد استطلاع رأي لجنة العفو وموافقة رئيس الدولة.

وفي كلا النصين، الخاص بالمحاكم الميدانية والعام لقانون العقوبات، لا يرد أي ذكر لمنصب المفتي أو لأي مرجعية دينية في سلسلة التصديق على أحكام الإعدام.

الثغرة الوثائقية وادعاء “التفويض

يكشف هذا التحليل التشريعي تباينا جوهريا مع ما أورده تقرير منظمة العفو. فالمفتي العام مرجعية دينية مدنية تابعة لوزارة الأوقاف، ولا يملك، بموجب دستور عام 2012 والقانون العسكري وبنية الدولة البعثية، أي سلطة تنفيذية أو قضائية أو عسكرية.

ولا يرد ذكر المفتي في المرسوم 109، ولا يوجد أي نص قانوني نافذ أو سابقة تاريخية تدخل رجل دين سنيا مدنيا في سلسلة التصديق على أحكام الإعدام العسكرية.

تجاوزت منظمة العفو هذه الحقيقة التشريعية عبر الادعاء بأن المفتي ووزير الدفاع كانا “مفوضين للتصرف نيابة عن الرئيس بشار الأسد”، وهو ادعاء إشكالي من الناحية الإثباتية للأسباب التالية:

غياب أي دليل وثائقي: لم تقدم منظمة العفو أي مستند فعلي أو مذكرة عسكرية داخلية أو مرسوما رسميا أو أمر إعدام موقعا يثبت هذا التفويض غير المسبوق. يستند الادعاء بأكمله إلى شهادات شفهية من مصدرين مجهولي الهوية، وهو بالضبط نمط “الشهادة السمعية المجهولة” الذي رفضته محكمة الجنايات الدولية في سابقة غباغبو باعتباره غير كاف لإثبات العناصر السياقية للجريمة.

منطق النظام والمركزية العسكرية: رغم انتهاك الأنظمة الاستبدادية لقوانينها الخاصة على نطاق واسع، فإن البيروقراطية الرسمية للدولة السورية معروفة بصرامتها فيما يخص البروتوكول العسكري ومركزة السلطة لدرء الانقلابات. ويتناقض تفويض أعلى سلطة قضائية-عسكرية، أي التصديق على آلاف أحكام الإعدام، لرجل دين مدني يشغل منصبا رمزيا إلى حد بعيد مع المنطق التشغيلي لدولة أمنية بعثية علمانية مركزية.

الرمزية السياسية للشخصية المتهمة: كان المفتي حسون شخصية بالغة الاستقطاب خلال الحرب، مواليا صريحا للحكومة، ومطلق تصريحات نارية بحق المعارضة، حتى إن ابنه سارية اغتيل عام 2011 على يد مسلحين مناهضين للحكومة. جعل هذا الاستقطاب توريط شخصية دينية مكروهة على نطاق واسع من المعارضة عاملا محفزا لأثر التقرير الإعلامي والعاطفي، وإن كان على حساب الدقة الإثباتية والاحتمال القانوني.

من “مفوض للموافقة” إلى “أمر بالإعدام”: التحول الإعلامي

تعرضت هشاشة تقرير منظمة العفو المنهجية لتضخيم وتشويه فوري عبر المنظومة الإعلامية العالمية. فبينما اكتفى نص التقرير الفعلي بالقول إن المفتي “يعتمد” أو “يوافق على” الأحكام كوكيل “مفوض” من الرئيس، تبخرت هذه التحفظات اللغوية بالكامل خلال أيام من النشر؛ فتحولت العناوين الدولية ومنصات إعلامية معارضة إلى الجزم بأن المفتي حسون شخصيا “أمر” بإعدام 13 ألف شخص.

وهذا التحول الدلالي بالغ الخطورة قانونيا؛ فإصدار أمر إعدام يستلزم مسؤولية قيادية تنفيذية، ونية جرمية مباشرة (mens rea)، وسلطة مباشرة على الجهاز العسكري، وهي جميعا عناصر لم يمتلكها المفتي بشهادة الدستور والمرسوم 109 على السواء.

يجسد هذا التسلسل، من ادعاء استقرائي مبني على شهادة مجهولة، إلى تجريد الإعلام من التحفظات وتضخيمه للتأويل الأكثر إثارة، إلى تبني فاعلين سياسيين للسردية الناتجة باعتبارها حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل، دورة الحياة الكاملة للتوثيق الحقوقي المسيس.

وحتى تاريخ إعداد هذه الورقة، يواجه أحمد بدر الدين حسون ملاحقة قانونية وسياسية مستمرة يغذيها هذا الادعاء المتحور، وهو ما يستدعي تدقيقا خاصا في الأساس القانوني الفعلي لتلك الملاحقة، الذي يختلف اختلافا جوهريا، كما سيتبين أدناه، عن السردية الإعلامية المتداولة منذ عام 2017.

محاكمة حسون الفعلية في عام 2026 وما تكشفه لائحة الاتهام

في 25 يونيو (حزيران) 2026، افتتحت المحكمة الجنائية الرابعة في قصر العدل بدمشق، بإشراف الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، الجلسة الأولى من محاكمة أحمد حسون.

والمفارقة الجوهرية التي يجب توثيقها بدقة أكاديمية هي أن لائحة الاتهام الرسمية، كما عرضت في الجلسة الأولى وتابعتها جهات رصد قضائي مستقلة حضرت الجلسات، لا تتضمن تهمة توقيع أو إصدار أوامر إعدام مباشرة بحق 13 ألف شخص، بل تتمحور حول: التحريض والمساعدة المعنوية وإضفاء الشرعية الدينية والسياسية على أفعال النظام السابق وحلفائه والميليشيات المرتبطة به؛ واستغلال منصبه الديني لتحقيق مصالح شخصية والحفاظ على علاقات غير رسمية مع مسؤولين أمنيين وعسكريين كبار في النظام السابق؛ والتحريض العلني على قمع المدنيين في مناطق انتفضت خلال الثورة السورية، وتأييد قادة عسكريين متهمين بجرائم حرب، ودعم التدخلين العسكريين الروسي والإيراني.

وتشير تقارير مراقبة الجلسات إلى أن القاضي سأل المتهم مباشرة عما إذا كان على علم بما كان يجري داخل سجن صيدنايا، فنفى حسون أي علم بالانتهاكات هناك.

وبحلول أوائل أغسطس (آب) 2026، أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بأن المحاكمة دخلت مرحلتها الأخيرة تمهيدا لصدور الحكم، بعد اختتام الجلسة الخامسة، على أن تعقد الجلسة المقررة للمداولة والنطق بالحكم في 24 أغسطس (آب) 2026. وحتى تاريخ إعداد هذه الورقة، لم يصدر أي حكم بعد.

يحمل هذا التفاوت دلالة منهجية بالغة الأهمية لأطروحة هذه الورقة بأكملها. فرواية “حسون أمر بإعدام 13 ألف شخص”، التي تشكلت إعلاميا منذ عام 2017 عبر الآلية الموصوفة سابقا، لم تجد طريقها، حتى الآن على الأقل، إلى صياغة قانونية جنائية رسمية تتهمه مباشرة بتوقيع أو إصدار تلك الأوامر، بل استعيض عنها بإطار اتهامي أضيق وأكثر قابلية للإثبات قانونيا: التحريض، وإضفاء الشرعية، والمسؤولية المعنوية عن نظام قمعي كان جزءا منه.

وهذا لا يعني بالضرورة براءة المتهم من التهم الموجهة إليه فعليا، فتلك مسألة متروكة للمحكمة وللأدلة المعروضة أمامها، بل يعني أن الرقم “13 ألف” والفعل “أمر بالإعدام”، بصياغتهما المتداولة إعلاميا منذ ثماني سنوات، ظلا حتى الآن ادعاء إعلاميا-حقوقيا لم يختبر أمام أي هيئة قضائية بصيغته الحرفية تلك.

نحو مساءلة المسائل

يكشف هذا الاستعراض المركب، من الأدبيات النقدية الأكاديمية، إلى حالات موثقة لتضارب المصالح المالي والمؤسسي، إلى سوابق تاريخية لإخفاقات منهجية موثقة رسميا من داخل المنظمات نفسها، وصولا إلى تشريح حالة صيدنايا والمفتي حسون، عن أزمة بنيوية حقيقية داخل منظومة حقوق الإنسان الدولية.

لا تكمن هذه الأزمة بالضرورة في “الفساد” بمعناه المالي الضيق، وإن وثقت حالات تضارب مصالح مالي فعلية، بل في شكل أعمق من الفساد الإجرائي والمعرفي: استعداد مؤسسي لتضخيم اليقين حول ادعاءات هشة الإسناد، وترجيح الأثر الإعلامي على الدقة المنهجية، وغياب آليات مساءلة داخلية فاعلة تضاهي حجم السلطة الرمزية التي راكمتها هذه المنظمات.

في الوقت ذاته، يجب التأكيد بوضوح على أن نقد المنهجية لا يعادل نفي الجريمة. فوقوع انتهاكات جسيمة، بما فيها تعذيب ممنهج وإخفاء قسري وإعدامات خارج نطاق القضاء، داخل المنظومة الاعتقالية السورية موثق من مصادر متعددة ومستقلة، ولا يتوقف على صحة رقم بعينه أو تفصيل إجرائي بعينه ورد في تقرير واحد.

لكن حين تتحول التقديرات الإحصائية والاستنتاجات القانونية غير المسندة بوثائق إلى “حقائق” تبنى عليها لوائح اتهام أو أحكام إعدام ضمن آليات عدالة انتقالية هشة أصلا، فإن الثمن لا يقتصر على الطرف المتهم ظلما أو بغير دقة، بل يمتد إلى مصداقية العدالة الانتقالية بأكملها، التي تختزل، حين تبنى على سرديات غير محققة، إلى ما وصفه محللون بـ”عدالة المنتصر” بدلا من العدالة الفعلية.

وتوصي هذه الورقة، تبعا لذلك، بأن تخضع المنظمات الحقوقية الكبرى نفسها لمعايير الشفافية والمساءلة والتدقيق ذاتها التي تطالب بها الحكومات: الإفصاح الكامل عن مصادر التمويل وسياسات تضارب المصالح؛ وتبني لغة مشروطة ومتحفظة (overly emphatic terms)، بحسب توصيف لجنة المراجعة الخاصة بتقرير أوكرانيا، حين تكون الأدلة الأساسية غير كافية؛ وإشراك الخبرة المحلية فعليا بدلا من تهميشها لصالح مركزية القرار في المقار الغربية؛ وتحمل مسؤولية فعلية عن “الحياة السياسية اللاحقة” لمنشوراتها، عبر تصحيح صريح ومستمر للسرديات الإعلامية التي تشوه ادعاءاتها الأصلية وتحولها إلى أسلحة في حروب هجينة تتجاوز نطاقها الإنساني المعلن.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير

المراجع

  1. Stephen Hopgood, Keepers of the Flame: Understanding Amnesty International, Ithaca: Cornell University Press, 2006؛ وانظر للمؤلف نفسه: The Endtimes of Human Rights, Ithaca: Cornell University Press, 2013.
  2. David Kennedy, The Dark Sides of Virtue: Reassessing International Humanitarianism, Princeton: Princeton University Press, 2004.
  3. Makau Mutua, Human Rights: A Political and Cultural Critique, Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2002.
  4. David Rieff, A Bed for the Night: Humanitarianism in Crisis, New York: Simon & Schuster, 2002.
  5. إن جي أو مونيتور (NGO Monitor)، “Breaking Its Own Rules: Amnesty’s Researcher Bias and Government Funding”، تحديث 2016، الرابط:
    https://ngo-monitor.org/reports/breaking_its_own_rules_amnesty_s_gov_t_funding_and_researcher_bias/
  6. مجلة سابير (SAPIR Journal)، “The Human-Rights Establishment”، 2024، الرابط:
    https://sapirjournal.org/friends-and-foes/2024/the-human-rights-establishment/
  7. تقرير الاقتصاد الجيوسياسي (Geopolitical Economy Report)، “‘Human rights NGOs’ HRW and Amnesty show cozy ties with US government”، 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2022، الرابط:
    https://geopoliticaleconomy.com/2022/03/17/human-rights-ngo-hrw-amnesty-us-government/
  8. جمعية هنري جاكسون (Henry Jackson Society)، “Human Rights NGOs: A Crisis of Trust — The Root Causes and Recommended Remedies”، 2025، الرابط:
    https://henryjacksonsociety.org/publications/human-rights-ngos-a-crisis-of-trust-the-root-causes-and-recommended-remedies/
  9. Robert L. Bernstein, “Rights Watchdog, Lost in the Mideast”، صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times)، 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2009.
  10. إن جي أو مونيتور (NGO Monitor)، “Obsession and Scandals: HRW in 2009″، الرابط:
    https://ngo-monitor.org/reports/obsession_and_scandals_hrw_in_/
  11. “Nayirah Testimony”، ويكيبيديا (Wikipedia)، تاريخ الاطلاع: أغسطس (آب) 2026؛ وانظر أيضا: “Witness for Kuwait”، صحيفة بالتيمور صن (The Baltimore Sun)، 7 يناير (كانون الثاني) 1992؛ وJohn R. MacArthur, Second Front: Censorship and Propaganda in the Gulf War, New York: Hill and Wang, 1992.
  12. المجلس الأطلسي (Atlantic Council)، “Amnesty announces review as Ukraine report backlash continues”، 2022، الرابط:
    https://www.atlanticcouncil.org/blogs/ukrainealert/amnesty-announces-review-as-ukraine-report-backlash-continues/
  13. منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، Report of the Legal Review Panel on the Amnesty International Press Release Concerning Ukrainian Fighting Tactics of 4 August 2022, ORG 60/6731/2023، الرابط:
    https://www.amnesty.org/en/documents/org60/6731/2023/en/
  14. المحكمة الجنائية الدولية (International Criminal Court)، الدائرة التمهيدية الأولى (Pre-Trial Chamber I)، The Prosecutor v. Laurent Gbagbo, Decision Adjourning the Confirmation of Charges Hearing, ICC-02/11-01/11، 3 يونيو (حزيران) 2013.
  15. “Syrian Observatory for Human Rights”، ويكيبيديا (Wikipedia)، تاريخ الاطلاع: أغسطس (آب) 2026؛ وانظر أيضا: “The Syrian Observatory For Human Rights: Flawed but Still Necessary?”، البوابة (Al Bawaba)، يونيو (حزيران) 2018.
  16. منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، Human Slaughterhouse: Mass Hangings and Extermination at Saydnaya Prison, Syria, MDE 24/5415/2017، فبراير (شباط) 2017.
  17. الجزيرة (Al Jazeera)، “Syria hanged 13,000 in Saydnaya prison: Amnesty”، 7 فبراير (شباط) 2017.
  18. فورينزيك أركيتكتشر (Forensic Architecture)، “Saydnaya: Inside a Syrian Torture Prison”، Goldsmiths؛ وانظر أيضا: Lawrence Abu Hamdan, Saydnaya (the Missing 19dB), 2017.
  19. الجمهورية العربية السورية، المرسوم التشريعي رقم 109 الصادر في 17 أغسطس (آب) 1968، بشأن تأسيس المحاكم الميدانية العسكرية، المواد 4 و6 و7 و8؛ نقلا عن: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة (Syrians for Truth and Justice)، “Military Field Courts in Syria: 55 Years of Arbitrary Decisions”، أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
  20. وكالة الأنباء العربية السورية – سانا (SANA)، “President al-Assad Issues Legislative Decree No. 32 that Ends Work in Military Field Courts”، 3 سبتمبر (أيلول) 2023.
  21. الجمهورية العربية السورية، المرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949، قانون العقوبات العام، المادة 43؛ نقلا عن: “Grand Mufti Ahmad BaderAddin Hassoun: When the Rescuer Becomes Accused of Genocide”، سرياك برس (SyriacPress)، 24 يوليو (تموز) 2026.
  22. “Ahmad Badreddin Hassoun”، ويكيبيديا (Wikipedia)، تاريخ الاطلاع: أغسطس (آب) 2026.
  23. عنب بلدي (Enab Baladi)، “Hassoun Faces Incitement, Abuse of Mufti Post Charges”، 25 يونيو (حزيران) 2026.
  24. العربي الجديد (The New Arab)، “Trial begins of Syria’s ‘barrel bomb mufti’ Ahmed Hassoun”، 27 يونيو (حزيران) 2026.
  25. عرب نيوز (Arab News)، “Damascus court hears witnesses in trial of former grand mufti”، يوليو (تموز) 2026.
  26. الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)، “Ahmad Hassoun Before the Court… Can Syria Try the Inciters?”، 28 يونيو (حزيران) 2026.
  27. وكالة الأنباء العربية السورية – سانا (SANA)، “Fourth Criminal Court concludes fifth hearing in Ahmad Hassoun trial”؛ و”Ahmad Hassoun trial enters final stage ahead of verdict”، 6 أغسطس (آب) 2026.
  28. المركز السوري للعدالة والمساءلة (SJAC)، “Inside the Trial of Ahmad Hassoun #1: He Fears the Lord of the Worlds”، تقرير مراقبة المحاكمة، يوليو (تموز) 2026.

شارك الموضوع