مقالات المركز

هل تتفكك إسرائيل؟


  • 7 يوليو 2026

شارك الموضوع

يبدو العنوان السابق، للوهلة الأولى، غير منطقي، ولا يتسق مع السياق العام الذي يتحدث به كثيرون في المنطقة العربية والشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة. فقد نجحت الحكومة الإسرائيلية، بطريقة أو بأخرى، في الترويج للسردية التي يطرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي يدعي فيها أنه يخوض حرباً على سبع جبهات، وأنه حقق الانتصار فيها جميعاً، وهي: غزة، والضفة الغربية، وجنوب لبنان، وجنوب سوريا، والعراق، واليمن، وأخيراً الجبهة الإيرانية.

لكن التدقيق في الوضع الاستراتيجي لإسرائيل يؤكد أنها أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى، سواء على المستوى الداخلي، أو على مستوى الجبهات التي تتصارع معها، أو حتى على مستوى علاقاتها مع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. فواقع الأمر يشير إلى أن إسرائيل تعاني أزمة سياسية وبنيوية عميقة بسبب رفضها مسار السلام مع الفلسطينيين، وإصرار النخبة السياسية الإسرائيلية، بمختلف تياراتها اليمينية والوسطية واليسارية، على رفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وقد أدى الاعتماد الإسرائيلي على “لغة البندقية والرصاص” على حساب الحلول السياسية والدبلوماسية إلى تحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة في أجزاء واسعة من أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينما تواصل تيارات بعينها فقط تقديم الدعم لها داخل الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تجسد ذلك في التصريح اللافت الذي أدلى به نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، عندما قال: نحن الوحيدون الذين ندعم إسرائيل في العالم.

ويكفي الإشارة إلى أن جدول الزيارات الخارجية لرئيس الوزراء الإسرائيلي يكاد يقتصر على وجهة واحدة، هي الولايات المتحدة الأمريكية، إذ لا توجد دولة أخرى يستطيع زيارتها أو حتى عبور أجوائها بسهولة، في ظل ملاحقته من قبل المحكمة الجنائية الدولية، فضلاً عن ملاحقته قضائياً داخل إسرائيل نفسها.

ومن هنا يبرز التساؤل: ما هي “الأمراض الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية” التي تعاني منها إسرائيل؟ وإلى أي مدى يمكن أن تسهم هذه الأزمات في تسريع تفكك الدولة الإسرائيلية أو تشرذمها؟

أولاً: الملفات الناقصة

قد يكون ادعاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه يحارب على سبع جبهات صحيحاً من حيث الشكل، لكن المؤكد أنه لم يحقق نصراً حاسماً في أي منها، رغم الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي غير المحدود الذي يتلقاه على مدار الساعة من الولايات المتحدة الأمريكية ودول غربية أخرى. وحتى الآن، لم ينجح نتنياهو في حسم أي من هذه الجبهات “بالضربة القاضية” كما يدعي، بل إن معظمها تمكن، بدرجات متفاوتة، من إعادة بناء قدراته خلال فترات زمنية قصيرة. ولذلك تبدو إسرائيل أبعد ما تكون عن تحقيق نصر استراتيجي حاسم في أي من الجبهات السبع، ويتضح ذلك من خلال استعراض كل جبهة على حدة.

غزة

رغم استمرار الحرب على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لم تنجح إسرائيل في كسر إرادة المقاومة، على الرغم من حجم التضحيات الهائل الذي قدمه الشعب الفلسطيني وما يزال يقدمه. كما لم تتوقف الحرب، رغم موافقة إسرائيل على مبادرة الرئيس دونالد ترامب في 8 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.

وعندما حاولت إسرائيل إنشاء كيانات محلية أو “كانتونات” برعاية ميليشيات، مثل مجموعة أبو شباب وغيرها، انتهت هذه المحاولات إلى الفشل. وبالرغم من تعطيل إسرائيل الانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية من مبادرة الرئيس ترامب الخاصة بقطاع غزة، فإن نحو (2.1) مليون فلسطيني ما زالوا يرفضون أي تنازل يمس الثوابت الوطنية الفلسطينية، رغم أنهم يعيشون اليوم في مساحة لا تتجاوز نحو (100) كيلومتر مربع، بعد أن فرضت إسرائيل سيطرتها على نحو (70%) من مساحة قطاع غزة، البالغة نحو (360) كيلومتراً مربعاً.

وتشير المؤشرات الاستراتيجية بعيدة المدى، وفق رؤية الكاتب، إلى أن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرة في نهاية المطاف إلى الانسحاب من قطاع غزة، كما انسحب الجيش الإسرائيلي ورئيس الوزراء الأسبق أريئيل شارون من القطاع في 12 سبتمبر (أيلول) 2005. ويُعد فشل إسرائيل في تهجير الفلسطينيين من غزة، رغم ما تعرضوا له خلال السنوات الثلاث الماضية، أحد أبرز المؤشرات التي يستند إليها هذا التقدير.

الضفة الغربية

حاولت إسرائيل دفع سكان الضفة الغربية، التي تبلغ مساحتها نحو (5655) كيلومتراً مربعاً، إلى النزوح، لكنها فشلت في تحقيق هذا الهدف، رغم الضغوط العسكرية والأمنية المستمرة التي يمارسها الجيش الإسرائيلي على السكان. كما ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى نحو (600) ألف مستوطن، بالتوازي مع استمرار قضم مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية لصالح الجيش الإسرائيلي والمستوطنات، بما في ذلك مشروع “E1”. ومع ذلك، لا يزال المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة والرئيس دونالد ترامب، يرفض ضم الضفة الغربية رسمياً، إدراكاً لما قد يترتب على ذلك من تقويض نهائي لإمكانية قيام الدولة الفلسطينية.

جنوب لبنان

يروج رئيس الوزراء الإسرائيلي للجبهة اللبنانية باعتبارها أحد أبرز نماذج النجاح العسكري الإسرائيلي، مستنداً إلى عبور الجيش الإسرائيلي نهر الليطاني وتمركزه داخل الأراضي اللبنانية بعمق يقارب (10) كيلومترات. غير أن هذه الصورة تمثل “نصف الحقيقة”، إذ تؤكد التجربة التاريخية عدم قدرة الجيش الإسرائيلي على البقاء طويلاً داخل لبنان.

فقد سبق لإسرائيل أن اجتاحت لبنان مرتين؛ الأولى عام 1978، والثانية عام 1982، حين وصلت قواتها إلى العاصمة بيروت، لكنها اضطرت إلى الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، قبل أن تتعرض لانتكاسة جديدة خلال حرب صيف عام 2006. ومن ثم، فإن السيطرة العسكرية المؤقتة لا تعني بالضرورة تحقيق نصر استراتيجي دائم، خاصة في ظل الطبيعة المعقدة للبيئة اللبنانية وتجارب الاحتلال السابقة.

سوريا

استغل بنيامين نتنياهو سقوط النظام السوري السابق، وسيطر الجيش الإسرائيلي على مساحات إضافية في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء. إلا أن هذا الواقع العسكري لم ينجح في إنتاج أي شرعية سياسية لهذا الوجود، إذ لا يوجد، وفق المعطيات الحالية، قبول سوري بهذا الاحتلال، كما أدانت جميع الدول العربية هذه الخطوة.

ورغم الضغوط التي مارستها بعض الأطراف على الحكومة السورية الجديدة من أجل الانخراط في مسار تطبيع مع إسرائيل، فإن دمشق رفضت هذه الدعوات، ولا تزال تطالب بانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي السورية المحتلة.

كما يواصل سكان الجولان، وعلى امتداد ثلاثة أجيال منذ احتلاله في 5 يونيو (حزيران) 1967، رفض الجنسية الإسرائيلية، والتمسك بهويتهم وجنسيتهم السوريتين، وهو ما يعكس استمرار الرفض الشعبي للاحتلال. وتشير هذه المعطيات، وفق رؤية الكاتب، إلى أن إسرائيل لم تحقق أهدافاً سياسية دائمة في الساحة السورية، بل إن استمرار وجودها العسكري في الجنوب السوري قد يشكل عاملاً محفزاً لظهور مقاومة سورية ضد الاحتلال، على غرار تجربة المقاومة في جنوب لبنان.

إيران

لا يمكن لإسرائيل أن تدعي أنها حققت انتصاراً كاملاً على إيران، إذ إن طهران ردت على جميع الهجمات الإسرائيلية، سواء في أبريل (نيسان) وأكتوبر (تشرين الأول) 2024، أو خلال حرب الأيام الثلاثة عشر في يونيو (حزيران) من العام الماضي، وكذلك في المواجهة التي بدأت في 28 فبراير (شباط) من العام الجاري.

كما أن إسرائيل لم تحقق الأهداف الاستراتيجية التي أعلنها بنيامين نتنياهو في اليوم الأول من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، والتي تمثلت في هدفين رئيسيين: إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك الدولة الإيرانية. ومن ثم، فإن استمرار قدرة إيران على الرد، وبقاء النظام السياسي قائماً، يشيران إلى أن هذه الأهداف لم تتحقق، وهو ما يضع علامات استفهام حول توصيف الحرب بوصفها انتصاراً إسرائيلياً حاسماً.

ثانياً: الديموغرافيا

منذ أول مواجهة بين الفلسطينيين والمستوطنين الإسرائيليين في 28 مارس (آذار) 1886، عندما اصطدم أهالي قرية العباسية بالمستوطنين، حاولت الحركة الصهيونية تفريغ فلسطين من سكانها قبل قيام إسرائيل. وبعد نحو (140) عاماً من محاولات طرد الفلسطينيين من أراضيهم، لا تزال إسرائيل تعيش ما يمكن وصفه بـ”الكابوس الديموغرافي”.

فرغم استخدام الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بمختلف توجهاتها اليمينية والوسطية واليسارية، أدوات العنف والإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، لا يزال عدد الفلسطينيين مساوياً، أو ربما متجاوزاً، لعدد الإسرائيليين في فلسطين التاريخية. فوفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يبلغ عدد الفلسطينيين نحو (2.1) مليون في غزة، و(3.4) مليون في الضفة الغربية والقدس، و(1.9) مليون داخل الخط الأخضر.

وتتفاقم هذه المعضلة بالنسبة إلى إسرائيل في ظل ارتفاع معدلات الهجرة العكسية؛ إذ تخلى نحو (69) ألف إسرائيلي عن جوازات سفرهم الإسرائيلية، مقابل (48) ألفاً فقط هاجروا إلى إسرائيل. ويعني ذلك أن هناك تقارباً، وربما تساوياً، في عدد السكان الفلسطينيين والإسرائيليين في عموم فلسطين التاريخية، وهو تحدٍّ من نوع خاص لإسرائيل، التي سعت طويلاً إلى انتزاع اعتراف فلسطيني بـ”يهودية” الدولة الإسرائيلية.

ثالثاً: أمراض الجيش

يعتمد بنيامين نتنياهو في أوهامه على ما يسميه “القوة الضاربة” للجيش الإسرائيلي، لكن الواقع يشير إلى صورة مختلفة. فلا يمكن مقارنة ما يمتلكه الجيش الإسرائيلي من أسلحة متطورة وذخائر دقيقة بما تمتلكه المقاومة، سواء في غزة أو لبنان، من أسلحة بسيطة نسبياً. ومع ذلك، لم يتمكن جيش الاحتلال من حسم معركة غزة، وظل عالقاً فيها حتى الآن، كما لم ينجح في استعادة الرهائن طوال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.

والأخطر من ذلك أن جيش الاحتلال الإسرائيلي بدأ يعاني أمراضاً سياسية واجتماعية يصعب حلها في المدى القريب والمنظور، من بينها رفض “الحريديم”، الذين يشكلون نحو (13%) من سكان إسرائيل، الخدمة العسكرية، إلى جانب ارتفاع معدلات الانتحار داخل الجيش الإسرائيلي. كما يعالج حالياً أكثر من (100) ألف جندي، ممن شاركوا في حربي غزة ولبنان، في مصحات نفسية من اضطرابات مرتبطة بالصدمات النفسية.

وتفتقر إسرائيل، في ضوء ذلك، إلى “عناصر القوة الشاملة” التي تؤهلها لتحدي محيطها العربي والشرق أوسطي بأسره. فهي دولة محدودة المساحة والموارد، وكل ما حققته من مكاسب مؤقتة كان، إلى حد كبير، نتيجة الدعم الغربي الواسع، الذي بدأ يتراجع ويتآكل خلال الشهور الأخيرة.

رابعاً: تلاشي الدعم

حظيت إسرائيل، على مدى أكثر من قرن، بدعم سياسي وعسكري واسع، بدأ من بريطانيا ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واتسم في كثير من مراحله بأنه دعم “غير مشروط”. إلا أن هذه الصورة بدأت تشهد تغيرات تدريجية خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي.

ففي أوروبا، بدأت دول عديدة تتحرر من حالة “عقدة الذنب” التاريخية تجاه إسرائيل، وهو ما انعكس في مواقف أكثر تشدداً تجاه سياساتها. كما اتخذت بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا وهولندا، خطوات لتقليص صادرات السلاح والذخائر إلى إسرائيل، بالتوازي مع تصاعد الأصوات، خصوصاً داخل الولايات المتحدة، التي باتت تنظر إلى إسرائيل باعتبارها عبئاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً على واشنطن، وتطالب بإعادة النظر في حجم الدعم الأمريكي، الذي يبلغ نحو (3.8) مليار دولار سنوياً في صورة مساعدات عسكرية.

وفي الوقت نفسه، شهدت “الصورة النمطية” لإسرائيل تحولاً ملحوظاً لدى الأجيال الجديدة في أوروبا والولايات المتحدة. ففي أبريل (نيسان) الماضي، أظهرت استطلاعات للرأي أن نحو (55%) من الأمريكيين يؤيدون حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، فيما أعرب نحو (57%) عن تعاطفهم مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع إسرائيل، انطلاقاً من اعتبارها الطرف المعتدي والمسؤول عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن.

وعلى الصعيد الأوروبي، يناقش الاتحاد الأوروبي، للمرة الأولى، إمكانية تعليق اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل، التي تحقق تل أبيب من خلالها أكثر من (18) مليار دولار من الصادرات إلى أسواق الاتحاد. كما أوقفت عدة دول أوروبية بالفعل استيراد المنتجات المصنعة أو المزروعة في المستوطنات المقامة في الضفة الغربية، وهو ما يشير إلى أن أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية الإسرائيلية بدأ يواجه تحديات متزايدة.

خامساً: الأمن والأمان

شكّل عاملان رئيسيان، قبل قيام إسرائيل في مايو (أيار) 1948 وبعده، أبرز دوافع الهجرة إليها؛ الأول هو الازدهار الاقتصادي، والثاني هو الشعور بالأمن. إلا أن إسرائيل، وفق رؤية الكاتب، لم تعد تتمتع بأي منهما بالقدر الذي كانت عليه في السابق.

فعلى المستوى الأمني، لم ينجح بنيامين نتنياهو في إعادة الشعور بالأمان إلى نحو (100) ألف إسرائيلي يقيمون على الحدود مع لبنان، كما لا يزال أكثر من (55) ألف إسرائيلي يترددون في العودة إلى مستوطنات “غلاف غزة”. وفي الوقت نفسه، ارتفعت عمليات الطعن واستهداف الإسرائيليين في الضفة الغربية والقدس وداخل الخط الأخضر بنسبة تقارب (40%) خلال عام 2025.

وتشير هذه التطورات إلى أن إسرائيل تواجه تداعيات متراكمة نتيجة إطالة أمد الحروب والصراعات. فالدول لا تستطيع أن تعيش إلى ما لا نهاية في ظل حالة حرب دائمة، كما أن رفض السلام والتعايش مع دولة فلسطينية ذات سيادة وحدود مستقرة قد يفضي إلى تداعيات تتجاوز ما تتصوره النخبة السياسية الإسرائيلية.

ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل الذي بدأ يتردد في عدد من الدوائر الفكرية والسياسية الغربية: هل تدخل إسرائيل، وهي في عقدها الثامن، مرحلة تفكك أو تشرذم، على غرار ما ترويه بعض السرديات الإسرائيلية عن كيانات يهودية سابقة؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع