مقالات المركز

إسلام آباد تكشف أن العالم بلا مركز قرار

هرمز يختنق والدولار يهتز وأوكرانيا تتراجع.. بينما الصين تراقب


  • 21 أبريل 2026

شارك الموضوع

مجددا، وكما كان متوقعا في أحد السيناريوهات التي افترضنا أن تسير وفقها الأزمة الإيرانية، أعلن الرئيس الأمريكي، ظهر اليوم الاثنين 20 أبريل (نيسان) 2026، أن هدنة وقف إطلاق النار مع إيران، المقرر أن تنتهي بحلول الأربعاء 22 أبريل (نيسان) الجاري، قد لا يتم تمديدها.

وكعادته، لم يفوت ترمب الفرصة ليتحفنا بجملة من التهديدات “المخيفة”، قائلا إن “الكثير من القنابل ستنفجر قريبا فوق الرؤوس” إذا لم ينصع مجتبى وشلته، ويوقع صفقة التنازل وفق الشروط الترامبية، وبناء على ذلك يمدد وقف إطلاق النار.

وأكد الرئيس الأمريكي أن الحصار المفروض على مضيق هرمز لن يُرفع قبل التوصل إلى الاتفاق الذي يرغب فيه، وحذر من انهيار مسار باكستان الحالي، مع تزايد الشكوك حول مشاركة الوفد الإيراني في جولة إسلام آباد الجديدة، المتعثرة بلا شك في ضوء كل الشواهد المطروحة أمام أعيننا.

وبناء عليه، نقول إن فشل، أو لأكون أكثر دقة، تعثر مفاوضات إسلام آباد لم يكن مفاجئا في ذاته بالنسبة لي. فقد قلت في مقال سابق بعنوان “مفاوضات إسلام آباد لن تصنع سلاما”، بتاريخ 15 أبريل (نيسان) الجاري، وافترضت في أحد سيناريوهات تطورات هذا الملف أن تتعثر العملية. ولم يكن ذلك قراءة فنجان، بل استنادا إلى طبيعة المسار نفسه، وغموض ظهوره، وأهدافه الحقيقية منذ بدايته.

وكل اللغط المثار حول هذه الجولة الثانية يكشف أن المسألة لم تعد تتعلق بإمكانية الوصول إلى اتفاق من عدمه بين الإيرانيين والأمريكيين، بل تكشف عن خلل عميق في بنية اتخاذ القرار داخل الأطراف الرئيسية المعنية نفسها، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

فتصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة تبرز أمامنا كمرآة شديدة الوضوح تعكس هذا الخلل. فكيف نفهم الجمع بين التهديد بالتصعيد العسكري، والإصرار على استمرار الحصار، وفي الوقت نفسه إرسال وفد تفاوضي رفيع المستوى على متن طائرات عسكرية إلى إسلام آباد؟ وبعدما نفى إيفاد نائبه جي دي فانس، عاد ليقول إن وفد التفاوض يرأسه فانس نفسه، ولله في خلقه شؤون.

هل يمكن القول إن ما يفعله ترمب مجرد تكتيك تفاوضي؟ لا أدري. فما تعلمته خلال دراستي للعلاقات الدولية بعمق، وعن رغبة شديدة في الفهم، ثم خلال ممارستي العملية الممتدة لأكثر من خمسة عشر عاما، لم يمر علي مثل هذا التكتيك، لا نظريا ولا عمليا. ما أراه أمامي من سلوك الرئيس الأمريكي ينم عن حالة من التردد البنيوي، بمعنى أن القرار السياسي الأمريكي الأعلى لم يعد يُصاغ ضمن إطار مؤسسي متماسك، كما كان عليه الحال في الإدارات السابقة، بما فيها إدارة بايدن، الذي كان يقال إن قواه العقلية ليست في أفضل حال.

ترمب يتخذ القرار تحت ضغط اعتبارات متضاربة، بعضها داخلي، وبعضها اقتصادي، وبعضها أمني، لكن أهمها ما يسمعه من نتنياهو في اتصالاته شبه اليومية معه.

ومن الواضح أن صانع القرار في طهران، أيا كان، يلتقط بدهاء هذا التناقض، ويحاول أن يبدو أكثر انضباطا في خطابه، لكنه يتعامل مع الموقف الأمريكي باعتباره غير مستقر بطبيعته. وهذا يفسر لنا السلوك الإيراني المتذبذب في مسألة مضيق هرمز، بين إعلان فتح كامل للملاحة، ثم إطلاق نار على سفن بعد ساعات، ثم عودة الحديث عن الإغلاق.

وهذا السلوك الإيراني لا يعكس، في رأيي، ارتباكا على غرار السلوك الترامبي، بقدر ما يعكس استخداما متعمدا من جانب الحرس الثوري للمضيق كأداة بحرية فعالة للضغط، تسمح برفع الكلفة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، على الأقل حتى الآن.

لقد تحول مضيق هرمز، خلال 51 يوما من عمر الحرب على إيران، من ممر استراتيجي مهم لنقل الطاقة إلى ساحة اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي القائم على الحفاظ على قواعده الأساسية المنظمة للشؤون الدولية. فالحصار الأمريكي المستجد، وردود الفعل الإيرانية، وحالة عدم اليقين المحيطة بحركة الملاحة، كلها عوامل تؤكد لنا يوما بعد آخر أن هذا المضيق بات يُدار بمنطق العراك السياسي والعسكري بين الطرفين منفردين، من دون حضور فعلي للقانون الدولي أو لمفاهيم مثل حرية التجارة.

ولذلك أعود إلى الفكرة ذاتها التي كررتها أكثر من مرة في مقالات سابقة، وهي أن ما يجري في مضيق هرمز يمثل إشارة واضحة إلى تحول أوسع في طبيعة النظام الدولي القائم. فالمسألة تجاوزت حدود الصراع الإقليمي، وانتقلت إلى بيئة دولية تتراجع فيها قدرة القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على فرض قواعد مستقرة، خاصة إذا جاءت هذه القواعد على حساب الآخرين.

ويتقاطع ما ذكرته مع إشارات قادمة من دول الخليج، نقلتها صحف أمريكية كبرى مثل “وول ستريت جورنال”، تفيد بأن دولا مثل الإمارات العربية المتحدة تلوح بإمكانية استخدام عملات بديلة عن الدولار في تجارة النفط، وأنها أبلغت إدارة ترمب بذلك.

وهذه إشارات بالغة الأهمية، لأن البعد الاقتصادي لا يقل وزنا عن البعد السياسي والعسكري، وهو يعكس قلقا متزايدا إزاء المنظومة التي قامت لعقود على معادلة “الأمن مقابل الدولار”.

ومع كل تطورات الحرب الإيرانية وتشعباتها، نلاحظ تراجعا نسبيا في أولوية الملف الأوكراني داخل الأجندة الأمريكية. وهذا التراجع لا يعني انتهاء الصراع هناك، لكنه يشير إلى إعادة ترتيب الأولويات تحت ضغط تطورات الشرق الأوسط.

بمعنى آخر، فرضت الأزمة الإيرانية نفسها، بتداعياتها الاقتصادية والعسكرية، كملف أكثر إلحاحا على ترمب وإدارته، وهو ما ينعكس على توزيع الموارد والانتباه الاستراتيجي.

وفي قلب هذا المشهد تتحرك الصين بهدوء. فهي لا تسعى إلى مواجهة مباشرة، ولا إلى فرض حلول فورية، لكنها تستفيد من كل اهتزاز يصيب النظام العالمي القائم. فكل تراجع في استقرار الدولار، وكل تعثر في قدرة الولايات المتحدة على إدارة الأزمات، يفتح مساحة أوسع للدور الصيني ولليوان، من دون حاجة إلى تدخل صدامي في هذه اللحظة التاريخية.

ما يتشكل أمامنا الآن لا يمكن تصنيفه باعتباره انتقالا بسيطا في موازين القوة. نحن أمام حالة أكثر تعقيدا، تتقاطع فيها حدود القوة الأمريكية، أو حدود قدرة واشنطن على فرض إرادة ترمب، مع قدرة إيران على تعطيل هذه الإرادة.

وفي الوقت نفسه، لا يفوتنا التأكيد على الحضور الروسي، وإن كان سياسيا حتى الآن في معظمه، وعلى صعود صيني اقتصادي يتطور يوما بعد يوم. وما الحديث عن اللجوء إلى اليوان من جانب بعض أكبر حلفاء واشنطن في منظومة البترودولار إلا دليل واضح على ذلك.

وفي كل ما يحدث، وعلى الرغم من تهديدات ترمب وتصريحاته النارية، لا يبدو أن أيا من طرفي الصراع يمتلك القدرة على فرض حسم نهائي، كما لا تبدو هناك آلية دولية قادرة على إنتاج تسوية مستقرة، وخاصة الأمم المتحدة التي تصاب بشلل كامل حين تكون الولايات المتحدة طرفا مباشرا في الصراع.

لذلك أقول إن التحليل الذي أبنيه على المعطيات المتاحة لحظة كتابة هذه السطور، الاثنين 20 أبريل (نيسان) 2026، الساعة 20:00 بتوقيت موسكو، وهي معطيات قد تتغير خلال أيام أو حتى ساعات، يشير إلى أن السيناريو الأقرب في المدى القريب هو عدم اندلاع حرب شاملة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل، ومعهما أطراف أخرى، من جهة ثانية. كما أننا لسنا أمام اتفاق نهائي، حتى لو انعقدت الجولة الثانية من مسار إسلام آباد.

سنكون أمام حالة “توازن الخوف”، أو إذا أردنا تخفيف التعبير، “توازن القلق”. حالة تشهد اشتباكات محدودة، مثل مناوشات السفن في هرمز خلال اليومين الماضيين، مع استمرار حصار جزئي، ومفاوضات متعثرة، وضغوط اقتصادية متزايدة على جميع الأطراف، ومعها بقية دول العالم.

وهذه الحالة قد تستمر فترة من الزمن، لكنها تحمل في جوفها دائما احتمال الانزلاق إلى تصعيد أوسع، وهو الاحتمال نفسه الذي يصنع، للمفارقة، توازن الخوف أو توازن القلق.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع