مقالات المركز

من وهم الناتو إلى صدمة الواقع.. كيف اكتشفت أوكرانيا متأخرة ثمن الوعود الغربية؟


  • 6 أغسطس 2026

شارك الموضوع

يوم الاثنين، 3 أغسطس (آب) 2026، خرج علينا القائد العام السابق للقوات المسلحة الأوكرانية، فاليري زالوجني، الذي يشغل في الوقت الحالي، بعد إزاحته من طريق زيلينسكي، منصب السفير الأوكراني لدى المملكة المتحدة، بتصريحات نقلتها عنه وكالة رويترز (Reuters)، قد تكون من أكثر التصريحات جرأة منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية.

ففي الاجتماع السنوي لرؤساء البعثات الدبلوماسية الأوكرانية في كييف، وخلال جلسة مخصصة لمناقشة مستقبل الاندماج الأوروبي والأطلسي لأوكرانيا، قال الرجل بوضوح: “أنا أعرف حلف الناتو جيداً. وقد عملت نحو اثني عشر عاما على مواءمة قواتنا مع معاييره، وكل عام كنت أسمع الحكاية نفسها: سننضم إلى الناتو قريباً. لكن، وللأسف، لن تنضم أوكرانيا إلى الناتو أبداً”.

عبارة صارخة، بل وطلقة مميتة أطلقها زالوجني. فهذا الكلام لم يصدر عن معارض للسلطة في كييف، ولا عن أكاديمي يراقب المشهد من الخارج، وإنما يقوله القائد الذي قاد الجيش الأوكراني في أصعب مراحل الحرب، والذي يتمتع بشعبية تفوق شعبية زيلينسكي نفسه في أوساط النخب والمجتمع الأوكراني ككل، كما أنه يشغل اليوم منصب سفير بلاده في لندن، إحدى أكثر العواصم الغربية دعما لكييف.

إن أهمية هذا التصريح تأتي من هوية قائله قبل أن تكون في مضمونه، على أهمية هذا المضمون، لكنه كان من المسلمات بالنسبة إلى كثير من المراقبين الموضوعيين. كما تمتد الأهمية، في رأيي، إلى المكان الذي صدر فيه، فضلا عن توقيته.

فالرجل لم يعلن تغييرا في السياسة الرسمية لكييف، ولم يدعُ إلى ضرورة التخلي عن الشراكة مع الغرب، بعد أن كشف، من وجهة نظري، عن نيته الحقيقية تجاه بلاده. وهذا ما أفهمه أنا من تصريح شخصية بحجم ووزن زالوجني، وإعلانه هذا الكلام على الملأ، والسماح بنشره وتداوله في وسائل الإعلام الأوكرانية والغربية على السواء.

لقد قال القائد العام السابق للجيش الأوكراني، بصراحة غير مسبوقة، إن الهدف الذي بُنيت عليه السياسة الأوكرانية طوال السنوات الماضية غير قابل للتحقق، في تقديره. ولأكون أكثر دقة، كان هذا هو الهدف الوهمي الذي بُنيت عليه السياسة الأوكرانية طوال أكثر من عقدين من الزمان، أي منذ انتصار الثورة البرتقالية عام 2004 في كييف، التي أتت بفيكتور يوشينكو رئيسا لأوكرانيا، محمولا على أعناق الحالمين بأوروبا وحدائقها الغناء، على حد وصف وتمييز جوزيب بوريل لأوروبا عن بقية العالم، الذي هو “غابة” في عرفه وعرف أمثاله.

ومن هذه النقطة تحديدا، أيها السادة المحترمون، تبدأ القضية الحقيقية. بمعنى أن المشكلة، من وجهة نظري، ليست في سبب قول زالوجني ذلك، فكما قلت، فإن كل العاقلين من المراقبين في العالم يعلمون أن ذلك مستحيل، وأن بينه وبين أن يتحقق ترقد جثة بوتين، أو كما يقول المصريون: “على جثتي”.

السؤال المنطقي والمشروع في هذه الحالة هو: لماذا احتاجت كييف، بنخبتها الحالية، إلى أكثر من أربع سنوات من الحرب حتى يبدأ هذا النوع من الاعتراف بالظهور؟ أي بعد أن قوضت الحرب قدرات أوكرانيا، وأفقدتها أجزاء كبيرة من أراضيها، التي من المستبعد تماما أن تستردها، والأكثر ألما من ذلك أنها أفقدتها هذا العدد الكبير من أبنائها، قتلى وجرحى، وأسرًا مدمرة. بل، وحسب ما تقوله المعلومات المحققة، انخفض معدل المواليد في أوكرانيا إلى أقل من 0.9 طفل للأسرة الواحدة، ما يعني أن جيلا كاملا، أو أكثر، سيكون مفقودا، وأن أوكرانيا ستواجه فجوة ديمغرافية عميقة بعد الحرب.

وسؤال آخر طرأ على رأسي وأنا أقرأ ردود الفعل الأوروبية على تصريح زالوجني المزلزل، وهو: لماذا يبدو أن مراكز التفكير الغربية تناقش اليوم ما كانت الحكومات تتجنبه بالأمس؟

والسبب في ذلك، ومن واقع متابعة مستمرة وعن كثب، أن الانضمام إلى الناتو أصبح بالنسبة إلى السلطات الأوكرانية، ولا سيما منذ تعديل الدستور الأوكراني عام 2019، هدفا دستوريا للدولة، بل وأزيد على ذلك أنه تحول إلى رمز للهوية السياسية الجديدة لأوكرانيا، المولية وجهها إلى حدائق الغرب الغناء.

كما أنه قبل ذلك بسنوات، وبالتحديد منذ قمة الناتو في بوخارست عام 2008، تلقت كييف وعدا بأن تصبح عضوا في الحلف، وكان ذلك على لسان سيئ الذكر والصيت جورج بوش الابن، لكن الوعد ظل مفتوحا، من دون تحديد موعد أو آلية واضحة لتحقيق ذلك.

ومع مرور الوقت تحول هذا الوعد السياسي إلى ما يشبه المسلمة الاستراتيجية التي لم يكن يُسمح لأحد بمراجعتها، أو حتى التفكير في ذلك، حتى عندما بدأت البيئة الجيوسياسية تتغير جذريا.

لكن علم العلاقات الدولية يخبرنا أن العلاقات الدولية لا تُدار بالنصوص الدستورية ولا بالتصريحات السياسية، وإنما يبقى ميزان القوى صاحب الكلمة الفصل في كل ذلك.

وبناء على ذلك، تظهر أمام أعيننا، واضحة كشمس الظهيرة في يوم صيفي في بلد شرق أوسطي، المفارقة التي كثيرا ما غابت عن الخطاب السياسي، بينما حضرت بقوة في الأدبيات الأكاديمية، وعلى رأسها أدبيات أساتذة الغرب نفسه.

فرواد المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية في الغرب لم يكونوا أبدا يقولون إن روسيا محقة، مثلا، في رفض هذا التوجه من جانب الناتو بقيادة واشنطن، أو من جانب النخب الأوكرانية التي حاول الغرب ترسيخها في كييف، أو إن أوكرانيا مخطئة في أن تكون لديها مثل هذه الأمنيات والأحلام.

وإنما كان هؤلاء، ولا يزالون، يحذرون من أن تجاهل اعتبارات ميزان القوى، والتعامل مع توسع الناتو باعتباره مسألة فنية أو تقنية أو أخلاقية فقط، سيقود حتما إلى صدام مع روسيا، ذلك أن القوى الكبرى، في نهاية المطاف، تتصرف حصرا وفق حسابات الأمن القومي كما تراها هي، لا كما يراها أو يتمناها الآخرون، وأن استمرار مثل هذه المقدمات سيقود حتما إلى نتائجها الطبيعية، وهي الصدام المسلح، مهما بلغت خطورته.

إن الواقع الموضوعي يخبرنا بأن الأزمة الأوكرانية ليست مجرد نتيجة لسياسات موسكو، كما حاول ويحاول السياسيون الأوروبيون تصويرها، وإنما كانت أيضا نتيجة منطقية لسياسة غربية دفعت أوكرانيا، خطوة بعد أخرى، نحو البنية الأمنية الغربية، من دون أن تكون مستعدة لتحمل التكلفة الكاملة لهذا الخيار.

ويمكنك، عزيزي القارئ، الاتفاق مع هذا الطرح أو رفضه، لكن ما لا شك فيه، بالنسبة إلي شخصيا، أن الخلط بين الطموح الأخلاقي والحسابات الاستراتيجية، خصوصا بالنسبة إلى القوى الكبرى، هو تجلٍ من تجليات المثالية التي أثبت التاريخ أنه لا مكان لها في العلاقات الدولية. فالسياسة الخارجية لا تُبنى على النوايا الحسنة وحدها، بل على تقدير دقيق لقدرات الحلفاء، وحدود القوة لديك ولدى الخصوم، فضلا عن مدى استعداد الدول لتحمل تبعات التزاماتها.

لذلك، لا تكمن المشكلة الأساسية في الصراع الحالي في غياب الرغبة أو الإرادة السياسية، بل في غياب تصور واقعي لشكل التسوية الأمنية التي يمكن أن تنهي الحرب، التي قاد إليها وعد الغرب لأوكرانيا، خلال سنوات طويلة، بأكثر مما كان مستعدا لترجمته إلى التزام استراتيجي مباشر.

لقد كان الخطاب السياسي في الغرب، ولا يزال، وتحديدا في أوروبا، بعيدا، في جزء كبير منه، عن الواقعية. لكن، مع ذلك، بدأ يحدث تحول في النقاش الأكاديمي الجاد داخل الغرب نفسه، بعد مرور أربع سنوات ونصف الآن على الحرب.

فإذا قرأنا، مثلا، التقارير التي تنشرها مؤسسات ومواقع مثل المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن “تشاتام هاوس” (Chatham House)، أو أوراق المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، أو دراسات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، وهو مركز أبحاث بريطاني دولي بارز مقره لندن، ويُعنى بالشؤون الدولية والنزاعات العسكرية والسياسية، سنلاحظ أن لغة هذه المؤسسات تغيرت تدريجيا خلال العامين الأخيرين. فلم يعد السؤال المركزي في دراسات ونقاشات هذه المراكز: متى ستنضم أوكرانيا إلى الناتو؟ بل أصبح الآن: كيف يمكن توفير ضمانات أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا مع إبقائها خارج الناتو؟

وهذا، بلا جدال، تحول بالغ الأهمية، وهو يتطابق مع ما كان يقوله، ولا يزال، باحثون أمريكيون كبار، مثل جون ميرشايمر، وستيفن والت، وصامويل تشاراب، وهو أحد أبرز الباحثين الأمريكيين في الشأنين الروسي والأوروبي، وراجان مينون، وغيرهم من المتخصصين في الولايات المتحدة في الشؤون الروسية والأوراسية.

إذن، لم يعد الحديث يدور عن عضوية أوكرانيا في الناتو بوصفها استحقاقا قريبا. لا، فقد بات هذا الكلام الآن من الماضي، وإنما أصبح هم هؤلاء جميعا البحث عن صيغة بديلة للعضوية، أو عن تحالفات مرنة واتفاقيات دفاع ثنائية ومتعددة الأطراف، أو وعود بقدرات ردع طويلة الأجل ودعم عسكري مستدام.

وكلها، في رأيي، صيغ تهدف إلى إعطاء أوكرانيا شعورا بالأمان، حتى وإن كان أمانا كاذبا.

بمعنى آخر، كانت مراكز التفكير الغربية تعيد، خلال السنتين الماضيتين على الأقل، وبهدوء، صياغة السؤال نفسه، أي: بدلا من العضوية، نبحث عن صيغة بديلة، بينما ظل الخطاب السياسي الغربي، والأوروبي منفردا منذ لحظة عودة ترمب إلى البيت الأبيض، يكرر الإجابات القديمة.

لكن المشكلة العويصة، في رأيي كمراقب من قلب موسكو، ومن على بعد أمتار قليلة من الكرملين، هي أن تصريح زالوجني، وأفكار ونقاشات المراكز الغربية والأوروبية، متأخرة جدا عن الواقع السياسي الروسي. فالفكرة الحاكمة في أروقة السياسة وغرف مراكز البحوث المعتبرة في روسيا اليوم تقول إن الحرب لن تنتهي بمجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، لأن جوهرها يتعلق بإعادة صياغة النظام الأمني الأوروبي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.

وهذا الكلام معناه أن قضية انضمام أوكرانيا إلى الناتو ليست، في التفكير الروسي، مجرد ذريعة سياسية، وإنما هي جزء من تصور أمني ترسخ في مؤسسات الدولة الروسية منذ سنوات طويلة.

بل وأزيد على ذلك بالقول إن فريقا مهما في السلطة العليا في روسيا يرى أن الحرب تجاوزت، منذ زمن، مسألة أوكرانيا نفسها، وأصبحت صراعا على شكل النظام الأوروبي المقبل وتوازناته.

بالطبع، أنا لا أقول إن المطلوب هو تبني هذا الكلام الذي ذكرته أعلاه عن الموقف الروسي الحالي بوصفه أطروحة، أو التسليم به، كما أن المطلوب ليس أيضا تبني أطروحات مراكز الفكر الأمريكية والأوروبية، على أهمية ما تقوله من أفكار. فالبحث العلمي لا يقوم على الانحياز إلى الأسماء، وإنما على اختبار الأفكار في ضوء الوقائع.

لكن ما وددت لفت الانتباه إليه من وراء هذا الكلام هو أن مدارس فكرية متباينة، أمريكية وأوروبية وروسية، تنطلق كلها من خلفيات سياسية مختلفة، بدأت تلتقي عند نقطة واحدة، وهي أن السؤال الحقيقي لم يعد: متى تنضم أوكرانيا إلى الناتو؟ بل: “كيف سيبدو أمن أوروبا إذا بقيت أوكرانيا خارج الناتو؟”

وهذه النقطة، بهذا المنطق، تُكسب تصريحات زالوجني التي بدأت بها هذا المقال أهميتها. وما أرمي إليه هو أن الجنرال زالوجني نفسه لم يأت بفكرة جديدة، وإنما أعلن، ومن داخل المؤسسة الأوكرانية، ما كانت مراكز الدراسات الغربية والروسية تناقشه، كل من زاويته الخاصة بالطبع، منذ سنوات.

وهذا الكلام معناه أن هذا النقاش انتقل أخيرا من قاعات البحث إلى المجال السياسي، وهو ما كان يطالب به الروس. أو، لأكون أكثر دقة وصراحة معكم، هذا هو شرط بوتين الرئيس، وهذا هو سبب الحرب الرئيس، وهذا هو ما سيغير شكل أوروبا، بل والعالم، لعقود.

لكن ثمة سؤالا أكثر إلحاحا، وهو: لماذا تأخر هذا الاعتراف الأوكراني العلني؟

الجواب بسيط، وهو يكمن في الفارق بين منطق السياسة ومنطق البحث العلمي. فالباحث يستطيع أن يراجع فرضياته متى تغيرت الوقائع، أما السياسي فيظل أسير وعوده السابقة وخطابه أمام جمهوره، وأكثر من ذلك، أسير حسابات الداخل والخارج.

ولذلك، كثيرا ما تتأخر السياسة عن اللحاق بالواقع، بينما تكون مراكز الدراسات قد سبقتها إلى مراجعته. وهذا هو ما حدث في الحالة الأوكرانية. فعلى مدار سنوات طويلة، وكما أشرت أعلاه، استمر الخطاب السياسي في أوكرانيا وفي الغرب في الحديث عن “الباب المفتوح” و”المسار الذي لا رجعة فيه” نحو عضوية الناتو.

بينما، في الوقت نفسه، كانت معظم الدراسات الجادة في الغرب تناقش قضايا مختلفة تماما، على رأسها: كيف يمكن ردع روسيا من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة معها؟ وما هي حدود الالتزام العسكري الغربي الذي يمكن تقديمه لأوكرانيا لتستمر في لعب دور قبضة الغرب القوية الموجهة إلى وجه موسكو وبوتين؟

ثم انتقل النقاش إلى سؤال آخر: كيف يمكن توفير ضمانات أمنية لكييف من دون تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف؟ وما هو الثمن الاقتصادي والسياسي لحرب طويلة الأمد مع بوتين، بعد صمود الاقتصاد الروسي أمام كل هذه الحزم من العقوبات؟

لقد كانت هذه الأسئلة أقل حضورا في الخطاب العام، على الرغم من أنها كانت أكثر واقعية من الشعارات السياسية التي تغنى بها ينس ستولتنبرغ، ومارك روته، وأورسولا فون دير لاين، وإيمانويل ماكرون، وأولاف شولتس، وخمسة رؤساء وزراء بريطانيين، لا يستحقون، في رأيي، أصلا ذكر أسمائهم.

وأفترض أن هذه هي المشكلة الأعمق في إدارة الأزمة الأوكرانية منذ بدايتها. فقد طغت اللغة السياسية على الحسابات الاستراتيجية الواقعية، وأصبح الوعد بالعضوية في الناتو يُستخدم، في كثير من الأحيان، باعتباره أداة لرفع المعنويات لدى نخب الحكم والشارع الأوكراني، أكثر منه مشروعا سياسيا محدد المعالم، والأهم من ذلك، قابلا للتنفيذ. ولا يتعلق الأمر بعضوية الناتو وحدها، بل بطريقة صناعة القرار نفسها.

والعلاقات الدولية تعلمنا أن عدالة القضية لا تكفي لضمان نجاح السياسة، كما أن قوة الخطاب لا تكفي لتحقيق الأهداف.

ولا يمكن محاسبة الدول على نواياها، وإنما يجب أن تُحاسب على قدرتها على قراءة البيئة الاستراتيجية كما هي في الواقع، وليس كما تتمنى أن تكون.

وبالتالي، وحتى لا يغضب منا البعض، نقول إن المشكلة لم تكن في أن أوكرانيا حلمت بالانضمام إلى الناتو، فذلك حق سيادي لأي دولة بأن تحلم بالانضمام إلى ما تشاء من أحلاف، وإنما كانت مشكلتها في سوء قراءة الواقع الجغرافي والجيوسياسي الذي تحتله، وفي أن هذا الحلم تحول بالنسبة إليها إلى فرضية غير قابلة للمراجعة، رغم أن البيئة الأمنية الأوروبية كانت تتغير بوتيرة متسارعة أمام أعين حكام كييف.

ورغم أن كثيرا من الخبراء، في الشرق والغرب معا، كانوا يحذرون من اتساع الفجوة بين الطموح السياسي وإمكانات تحقيقه، فإن أحدا لم يصغ إليهم.

وقد يكون هذا هو الدرس الأكثر قسوة الذي تكشفه تصريحات زالوجني، التي أدلى بها يوم 3 أغسطس (آب) 2026، فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تدفع أثمان أخطائها فقط، بل تدفع أيضا أثمان التأخر في الاعتراف بها.

والسياسة الرشيدة ليست تلك التي تظل متمسكة بالشعارات، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على مراجعتها عندما تتغير موازين القوى.

لذلك، فإن أهمية ما قاله زالوجني لا تكمن في أنه أعلن نهاية حلم أوكرانيا بالانضمام إلى الناتو، فهذا القرار لا يملكه وحده، ولا تملكه كييف وحدها، وإنما تكمن في أنه كشف، وللمرة الأولى بهذا الوضوح، أن جزءا من النخبة الأوكرانية العليا بدأ يتحدث باللغة التي كان يتحدث بها الواقعيون في الغرب منذ سنوات، لا باللغة التي ظلت تهيمن على الخطاب السياسي المنفصل عن الواقع.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع