مقالات المركز

القواعد العسكرية وحدود السيادة في عالم سريع التغير

من القامشلي إلى غرينلاند.. حين تقاس السيادة بميزان القوة


  • 22 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: arabic.rt.com

لفت انتباهي صباح اليوم، 22 يناير (كانون الثاني) 2026، خبر قرأته في صحيفة “كوميرسانت” الروسية المعروفة عن احتمال طلب السلطات السورية الانتقالية من القوات الروسية الخروج من إحدى القواعد العسكرية التي تشغلها في سوريا منذ عهد النظام السابق، وأقصد بها قاعدة القامشلي الواقعة في الشمال السوري.

الخبر، حسبما أوردته الصحيفة، بدا لي وكأنه أقرب إلى تسريب مرتبط بالسياق السوري المحلي والمواجهات الأخيرة بين القوات السورية الحكومية وقوات قسد، حيث تمكنت السلطات الانتقالية من فرض سيطرتها بالقوة على مناطق مهمة وحيوية كانت تحت يد القوات الكردية منذ اندلاع أزمة سوريا عام 2011.

أعدت قراءة الخبر بتأنٍ، وعندما ربطته بأخبار أخرى طالعتها منذ الصباح، متعلقة بالتحولات الدولية الأوسع، ساقني ذلك إلى محاولة تقديم تصور لما بين سطوره وسطور الأخبار الأخرى يتجاوز قاعدة عسكرية بعينها؛ وذلك لأني وجدت هذه الأخبار تلامس تحولات أعمق في توازنات النفوذ على الساحة الدولية بمجملها، وكذلك مفهوم السيادة، فضلًا عن أدوات القوة الجيوسياسية في النظام الدولي الجاري تغييره الآن.

قاعدة القامشلي مثلًا، مع أنها ليست -بحال- بأهمية قاعدتي حميميم وطرطوس في نظر روسيا داخل الجغرافيا السورية، فإنها لا يمكن النظر إليها كذلك على أنها قاعدة عسكرية هامشية؛ فموقعها في شمال شرق سوريا، في قلب محافظة الحسكة، جعلها نقطة ارتكاز مهمة تؤدي مجموعة من الوظائف المهمة للوجود الروسي في المنطقة، أهمها بالطبع أمور مثل مراقبة التفاعلات الكردية، وضبط التماس السوري مع الحدود التركية، والأهم -في رأيي- متابعة الحضور الأمريكي شرق الفرات ورصده.

كما أنها مثلت -منذ سنوات- إحدى أدوات موسكو والكرملين وبوتين القليلة للحضور المباشر في منطقة لم تكن خاضعة بالكامل لا لدمشق ولا لحلفائها في زمن الأزمة، وهذه نقطة كانت بالغة الأهمية.

من هنا فإن مجرد طرح فكرة إخراج روسيا من القامشلي، وأؤكد مجددًا أن ما قرأته كان مجرد تحليل يبدو أقرب إلى تسريب جس النبض، وليس معلومة مستندة  إلى طلب رسمي معلن، على الأقل حتى الآن، حتى لو جاء هذا الطرح في إطار تفاوضي مؤجل، فإنه -في رأيي- يحمل دلالة سياسية ثقيلة لروسيا؛ فنحن لسنا بصدد الحديث عن انسحاب تكتيكي، أو إعادة انتشار؛ بل عن إعادة تعريف كاملة لدور روسيا وحضورها في الشمال الشرقي السوري في مرحلة ما بعد تفكيك ترتيبات الأمر الواقع التي نشأت خلال سنوات الحرب الأهلية. ودمشق في هذه اللحظة لا تخاطب روسيا بوصفها حليفًا عسكريًّا، بل بوصفها قوة أجنبية بات وجودها خاضعًا لمنطق استعادة السيادة. وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف عندها؛ فروسيا بنت خطاب تدخلها في سوريا، الذي أتابعه بعناية منذ مهده حتى لحظة كتابة هذه السطور، بنته على سردية حماية الدولة المركزية في سوريا، والحفاظ على وحدة الأراضي، لكنها اليوم تجد نفسها أمام اختبار مطروح في شكل مفارقة، فنجاح هذا الخطاب، حتى يكتمل، يمكن استغلاله من جانب سلطات سوريا الانتقالية لتبرير تقليص الحضور العسكري الروسي في بعض المناطق، ومنها القامشلي.

بهذا المعنى تتحول القامشلي من رمز للحضور العسكري الروسي في منطقة مهمة جغرافيًّا بالقرب من الحدود التركية والقواعد الأمريكية إلى ورقة تفاوض سيادي بيد دمشق الجديدة، لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى المشهد المقابل في الضفة الأخرى من النظام الدولي، الذي يجعل الحليم يبيت حائرًا هذه الأيام؛ ففي الوقت الذي تطرح فيه مسألة إخراج روسيا، أو لنقل على الأقل تقليص دورها، من قاعدة في شمال سوريا، تتصاعد في الغرب نقاشات جدية، خصوصًا بعد خطاب ترمب في دافوس أمس، عن تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في غرينلاند، وربما منحه طابعًا شبه سيادي في بعض المواقع إرضاء لرغبات ترمب، وقد يكون خوفًا من وعيده، وذلك كحل وسط دون حصول واشنطن على حق فرض السيادة الكاملة على الجزيرة، وتوسيع الشرخ في الحائط الغربي، الذي كان يظهر وكأنه خراساني غير قابل للتشقق، لكن الواقع يقول غير ذلك.

وهنا أنتقل إلى الخبر الآخر الذي قرأته هذا الصباح أيضًا، وتناقلته وسائل الإعلام الغربية هذه المرة، وهو عن طرح حل وسط بعد لقاء ترمب وروته على هامش منتدى دافوس أمس لمسألة مطالبة ترمب الأوروبيين بتسلميه مفاتيح غرينلاند بهدوء.. وإلا…

ويقضي هذا الحل الوسط -حسبما تقول تسريبات الصحافة الغربية- بمنح الولايات المتحدة ليس فقط إمكانية توسعة قواعدها الموجودة في الجزيرة، بل عن إعادة هندسة النفوذ العسكري الأمريكي في القطب الشمالي، والهدف طبعًا -كما يقولون أو يبررون- هو مواجهة روسيا والصين معًا.

بالطبع الزوبعة التي أثارها ترمب بمطالبته بالحصول على الجزيرة، جعلت النظرة إلى غرينلاند الآن تتغير في المشهد العالمي؛ فلم يصبح الحديث عن مجرد جزيرة نائية، جغرافيًّا وسياسيًّا، بل تحولت الجزيرة التي قل أن يسمع عنها أحد إلى منطقة إستراتيجية مهمة في معادلة القطب الشمالي، وأصبحت التحليلات تؤكد أنها مفتاح للسيطرة على خطوط الملاحة، والإنذار المبكر، والردع النووي. وعندما يعود ترمب إلى واجهة النقاش السياسي الأمريكي بخطاب صريح عن أهمية غرينلاند للأمن القومي الأمريكي، فإن ذلك لا يمكن -بحال، حسب اعتقادي- فصله عن رؤية أوسع تهدف إلى إعادة توسيع المجال الحيوي الأمريكي، حتى داخل أقاليم سيادية لحلفاء واشنطن، وبتهديد ووعيد، بل بأمر مباشر من سيد البيت الأبيض، الذي يبدو وكأن أحدًا لا يستطيع إيقافه، في معسكره أقصد بالطبع.

وهنا تبرز المقارنة بوضوح؛ ففي سوريا، دولة منهكة خارجة من حرب طاحنة مدمرة وطويلة، يعاد تعريف السيادة على نحو قد يفضي إلى تقليص نفوذ حليف إستراتيجي كروسيا، في حين أنه في غرينلاند، التي كانت حتى أيام قليلة سابقة، إقليمًا يتمتع بحماية أطلسية مستقرة، بات النقاش الآن عن نزع السيادة منها عن طريق توسيع الوجود الأمريكي بها إلى مستويات تقترب مما يمكن وصفه بـ”الولاية الخاصة”، دون أن يسمى الأمر باسمه الحقيقي، أي بأنه مساس بالسيادة، ولكنه يحدث تحت عنوان “تعزيز الأمن الجماعي” للغرب.

 إن هذا التناقض بين الحالتين اللتين أتناولهما في هذا التحليل، وأقصد حالة القامشلي وحالة غرينلاند، يعكس بلا شك -على الأقل في اعتقادي- اختلالًا بنيويًّا في النظام الدولي برمته، أكثر من النظر إليه كحالات إقليمية منفصلة.

فواشنطن قادرة على توسيع حضورها العسكري داخل فضاءات سيادية لحلفائها تحت مظلة القانون والتحالف، في حين تجد موسكو نفسها مضطرة إلى التفاوض على وجودها حتى داخل دول تعدّها حليفة فور أن تتغير موازين السيطرة الداخلية.

في حسابات المكاسب والخسائر الجيوسياسية تبدو الصورة قاتمة نسبيًّا طبعًا لموسكو؛ فخسارة القامشلي -إن حدثت- أو تقلص دورها هناك، لا تعني فحسب فقدان قاعدة عسكرية، وإن كانت ليست كبيرة؛ بل تعني تآكل القدرة الروسية على التأثير في أحد أكثر أقاليم سوريا حساسية وتعقيدًا. كما تعني -بلا شك- تراجعًا إضافيًّا لموسكو وحلفائها الكبار، إن كانوا حلفاء بالفعل، في معركة النفوذ غير المباشر مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع