
مع انتهاء معاهدة “نيو ستارت” في 5 فبراير (شباط) 2026، دخلت منظومة ضبط التسلح النووي مرحلة مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقات الروسية-الأمريكية لعقود. ويتزامن غياب الإطار الملزم بين أكبر قوتين نوويتين في العالم مع التوسع المستمر في القدرات النووية الصينية، وعودة الطرح الأمريكي بشأن ضرورة إشراك بكين في ترتيبات مستقبلية للحد من الأسلحة الاستراتيجية.
وفي 28 سبتمبر (أيلول) 2026، أعاد الكرملين هذا الملف إلى الواجهة، عندما أكد المتحدث باسمه دميتري بيسكوف ضرورة استئناف المحادثات الروسية-الأمريكية بشأن ضبط التسلح، مشيرًا إلى أن هذا المسار يحتاج إلى مفاوضات طويلة ودقيقة على مستوى الخبراء. وجاءت تصريحاته في سياق الجدل المتجدد حول دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إجراء مفاوضات ثلاثية تضم روسيا والولايات المتحدة والصين، مع تأكيد بيسكوف أن موسكو لا تعلم بحدوث تغيير في موقف بكين الرافض للانضمام إلى هذه الصيغة في المرحلة الحالية.
وتكشف هذه التطورات عن تحول يتجاوز مسألة انتهاء اتفاقية بعينها، فقد أصبحت قضية الاستقرار الاستراتيجي مرتبطة بدرجة أكبر بتغير توزيع القوة النووية بين القوى الكبرى، واختلاف تصورات روسيا والولايات المتحدة والصين بشأن مفهوم الردع والتكافؤ والقيود المقبولة.
ومن هنا يتبلور التساؤل الرئيسي: هل ما تزال منظومة الردع الثنائية بين روسيا والولايات المتحدة قادرة على تحقيق الاستقرار الاستراتيجي، أم أن تنامي القوة النووية الصينية يفرض إعادة صياغة قواعد هذا الاستقرار في إطار ثلاثي أكثر تعقيدًا؟
ارتبط مفهوم الاستقرار الاستراتيجي خلال الحرب الباردة وما بعدها بصورة أساسية بالعلاقة بين الاتحاد السوفيتي، ثم الاتحاد الروسي، والولايات المتحدة، باعتبارهما أكبر قوتين نوويتين في العالم. وأسهمت سلسلة من اتفاقيات ضبط التسلح في وضع حدود للمنافسة بينهما، وتقليل احتمالات سوء التقدير، وتوفير قدر من القدرة المتبادلة على توقع سلوك الطرف الآخر.
وكانت معاهدة “نيو ستارت” آخر الأطر الرئيسية في هذا المسار، بعدما فرضت قيودًا على أعداد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة ووسائل إيصالها. لكن انتهاء المعاهدة في فبراير (شباط) 2026 أدخل العلاقات النووية الروسية-الأمريكية مرحلة جديدة، تغيب عنها القيود الثنائية الملزمة التي حكمت جانبًا مهمًا من المنافسة النووية خلال العقود الماضية.
ولا تتوقف أهمية هذا التحول عند غياب الاتفاق نفسه، بل ترتبط أيضًا بتراجع قدرة النموذج الثنائي على استيعاب التحولات الجديدة في توزيع القوة النووية، وفي مقدمتها الصعود الصيني.
ولا تزال روسيا والولايات المتحدة تمتلكان معًا الجزء الأكبر من الترسانة النووية العالمية، في حين تواصل الصين توسيع قدراتها وتطوير وسائل الإطلاق والبنية التحتية النووية. وبرغم استمرار الفارق الكبير بين حجم الترسانة الصينية والترسانتين الروسية والأمريكية، فإن نمو القدرات الصينية يجعل بكين عاملًا يصعب تجاهله في أي تصور طويل المدى لمستقبل ضبط التسلح.
وبذلك، لم يعد التحدي مقتصرًا على إعادة بناء تفاهم روسي-أمريكي، بل امتد إلى إعادة تعريف مفهوم الاستقرار الاستراتيجي نفسه. فإذا كان هذا المفهوم قد استند تاريخيًا إلى توازن تقريبي بين قوتين، فإن صعود قوة نووية ثالثة يطرح تساؤلًا حول مدى قدرة القواعد القديمة على الاستمرار في بيئة استراتيجية متغيرة.
تختلف روسيا والولايات المتحدة والصين في نظرتها إلى مستقبل ضبط التسلح، رغم اشتراكها في مصلحة عامة تتمثل في تجنب الانزلاق إلى مواجهة نووية مباشرة.
ترى الولايات المتحدة أن العودة إلى اتفاق ثنائي جديد مع روسيا وحدها قد لا تكون كافية على المدى الطويل في ظل استمرار نمو القدرات الصينية. ومن المنظور الأمريكي، قد يؤدي فرض قيود متبادلة على الترسانتين الأمريكية والروسية، مع بقاء الصين خارج أي إطار ملزم، إلى تعقيد التوازن الاستراتيجي مستقبلًا، خاصة إذا واصلت بكين تطوير قدراتها بالمعدلات الحالية.
أما روسيا، فتسعى إلى الحفاظ على موقعها كقوة نووية مكافئة للولايات المتحدة، مع تجنب الانخراط في سباق تسلح مفتوح قد يفرض عليها أعباء إضافية. لذلك تبدو موسكو مهتمة باستعادة الحوار مع واشنطن، مع مراعاة موقف الصين الرافض حاليًا للانضمام إلى مفاوضات ثلاثية وعدم تحويل هذا المسار إلى مصدر ضغط على الشراكة الروسية-الصينية.
وتنطلق الصين من حسابات مختلفة، فهي ترى أن ترسانتها لا تزال أصغر بكثير من الترسانتين الروسية والأمريكية، وتعتبر أن إدخالها في مفاوضات ثلاثية تقوم على التزامات متساوية قد يفرض عليها قيودًا لا تعكس التوازن الفعلي للقوة.
ومن هنا يظهر خلاف أساسي حول مفهوم “التكافؤ الاستراتيجي”. تركز الولايات المتحدة على المسار المستقبلي لنمو القدرات الصينية، بينما تركز الصين على الفارق القائم حاليًا، في حين تسعى روسيا إلى الحفاظ على مكانتها داخل المعادلة دون الإضرار بعلاقتها مع بكين.
وبذلك، فإن بناء نظام ثلاثي لا يواجه مشكلة تفاوت القدرات فقط، بل اختلاف تعريف كل طرف لمفاهيم العدالة والأمن والتوازن.
يؤدي غياب إطار منظم للعلاقات النووية بين القوى الثلاث إلى زيادة احتمالات ما يعرف في العلاقات الدولية بـ”معضلة الأمن”، وهي الحالة التي تتخذ فيها دولة إجراءات لتعزيز أمنها، لكنها تُفسر لدى الأطراف الأخرى باعتبارها مصدرًا للتهديد، فتدفعها بدورها إلى اتخاذ إجراءات مضادة.
وتصبح هذه المعضلة أكثر تعقيدًا في حالة روسيا والولايات المتحدة والصين، لأن أي تحرك من جانب إحدى الدول قد يؤثر في حسابات الدولتين الأخريين.
فإذا واصلت الصين توسيع قدراتها النووية لتعزيز قدرتها على الردع في مواجهة الولايات المتحدة، فقد يدفع ذلك واشنطن إلى زيادة قدراتها أو تعديل انتشارها. وقد تنظر موسكو إلى التوسع الأمريكي باعتباره مؤثرًا في توازنها الاستراتيجي مع واشنطن، فتتجه بدورها إلى تعزيز قدراتها.
وبذلك، قد يتحول النظام النووي من سباق تسلح ثنائي يمكن نسبيًا توقع مساره إلى تفاعل ثلاثي أكثر تعقيدًا، يصعب فيه تحديد ما إذا كان تحرك دولة ما موجهًا إلى طرف واحد أم إلى الطرفين معًا.
وهنا تظهر إحدى المشكلات الرئيسية في الانتقال نحو معادلة ثلاثية. فالردع التقليدي يقوم على قدر من الوضوح في تحديد الخصم ومصدر التهديد، بينما تصبح الحسابات أكثر تشابكًا عندما تتوزع القوة بين ثلاثة أطراف رئيسية.
وقد يصبح سوء الحساب أحد أبرز مصادر الخطر، خاصة في ظل غياب اتفاقيات ملزمة وآليات شفافة للتحقق وتبادل المعلومات.
رغم تصاعد الحديث عن ضرورة تطوير قواعد جديدة للاستقرار الاستراتيجي، لا يزال الانتقال من النموذج الثنائي إلى إطار ثلاثي يضم روسيا والولايات المتحدة والصين يواجه عقبات واضحة.
تدفع الولايات المتحدة باتجاه إشراك الصين في ترتيبات مستقبلية لضبط التسلح، انطلاقًا من أن استمرار نمو القدرات النووية الصينية يجعل من الصعب، من وجهة النظر الأمريكية، بناء نظام طويل المدى يقتصر على روسيا والولايات المتحدة.
في المقابل، تتمسك الصين برفض الانضمام إلى مفاوضات ثلاثية في المرحلة الحالية بسبب الفارق الكبير بين حجم ترسانتها والترسانتين الروسية والأمريكية، وتعتبر أن فرض التزامات متساوية على أطراف غير متساوية في القدرات لا يعكس واقع التوازن النووي.
أما روسيا، فتؤكد أهمية استئناف الحوار مع الولايات المتحدة بشأن ضبط التسلح، مع الإقرار بالموقف الصيني الرافض للانضمام حاليًا إلى صيغة ثلاثية.
ولا يتوقف بناء نظام جديد للاستقرار الاستراتيجي على وجود إرادة سياسية للحوار، بل يرتبط بقدرة الأطراف الثلاثة على التوصل إلى صيغة تتعامل مع اختلاف مستويات القوة والمصالح الاستراتيجية بينها. وفي ظل هذه الاختلافات، يبدو الانتقال المباشر إلى اتفاق ثلاثي شامل أمرًا صعبًا في المدى القريب، ما يفتح المجال أمام ترتيبات تدريجية تبدأ باستعادة قنوات الاتصال الاستراتيجي، وتعزيز الشفافية، وتطوير آليات لإدارة الأزمات وتقليل مخاطر سوء التقدير.
وقد يصبح الهدف الأول خلال المرحلة المقبلة إدارة المنافسة ومنع خروجها عن السيطرة، بدلًا من السعي إلى إنهائها، إلى حين توافر الظروف اللازمة للوصول إلى صيغة أكثر شمولًا لضبط التسلح.
تكشف الأزمة الحالية في منظومة ضبط التسلح عن تحول يتجاوز انتهاء معاهدة “نيو ستارت”، ليصل إلى طبيعة توزيع القوة داخل النظام الدولي. تسعى روسيا إلى الحفاظ على موقعها كقوة نووية كبرى وعلى التكافؤ الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، بينما تحاول واشنطن التكيف مع بيئة جديدة أصبحت فيها مطالبة بأخذ روسيا والصين معًا في حسابات الردع. وفي المقابل، ترفض بكين الانضمام إلى ترتيبات ترى أنها لا تعكس الحجم الفعلي لترسانتها مقارنة بالقوتين الأخريين.
لذلك، لا تكمن الإشكالية الأساسية في اختلاف حجم القدرات وحده، بل في اختلاف مصالح الأطراف الثلاثة وتصوراتها لما يمثل أمنًا وتوازنًا مقبولًا.
ولا يمكن القول إن النظام النووي الدولي انتقل بالفعل من الثنائية إلى ثلاثية مكتملة، لكن من الصعب تجاهل أن النموذج السابق لم يعد قادرًا وحده على استيعاب التحولات الجارية.
ويمكن النظر إلى النظام الدولي باعتباره يمر بمرحلة انتقالية بين بنية ثنائية تتراجع فاعلية قواعدها، وبنية أكثر تعددية لم تتبلور قواعدها بعد. وفي مثل هذه المراحل، لا يرتبط الخطر بالرغبة في استخدام القوة فقط، بل بغياب القواعد القادرة على ضبطها. فكلما تعددت مراكز القوة دون تطور موازٍ في آليات إدارة المنافسة، ارتفعت احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.
وعليه، لا يتمثل التحدي الحقيقي أمام روسيا والولايات المتحدة والصين خلال المرحلة المقبلة في التوصل إلى اتفاق جديد لخفض الأسلحة فقط، بل في بناء مفهوم جديد للاستقرار الاستراتيجي يتلاءم مع تغير موازين القوة.
وتتوقف ملامح المرحلة المقبلة على قدرة القوى الثلاث على صياغة قواعد تسمح بإدارة التنافس داخل بيئة نووية أكثر تعددية. وفي غياب هذه القواعد، قد يستمر تغير موازين القوة بوتيرة أسرع من تطور الآليات المنظمة لها، بما يجعل الانتقال من الردع الثنائي إلى معادلة نووية ثلاثية أحد أكثر التحولات تأثيرًا وخطورة في بنية النظام الدولي خلال المرحلة المقبلة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير