إستراتيجيات عسكريةمقالات المركز

من الجبهة إلى حرب العمق.. كيف تعيد الحرب الروسية الأوكرانية رسم معادلتها في خريف 2026؟


  • 9 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

في الأول من سبتمبر (أيلول) 2026، التقى فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان خلف أبواب مغلقة في قصر آلا آرتشا في بيشكيك، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون. استمر اللقاء نحو ساعة ونصف، وحضره وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن. لم يصدر عن الاجتماع بيان تفصيلي، وهذا في حد ذاته مؤشر. بعد أربع سنوات ونصف من القتال، لم تعد المسألة المطروحة على الطاولة من يسيطر على قرية إضافية في دونباس، بل من يملك القدرة على تحديد شكل الترتيبات الأمنية التي ستحكم أوروبا الشرقية والبحر الأسود بعد أن تتوقف المدافع.

الجبهة في خريف 2026: حركة بطيئة وكلفة مرتفعة

بحسب تقديرات معهد دراسات الحرب الأميركي المنشورة في الأول من أغسطس (آب) 2026، بقي معدل التقدم الروسي منخفضا بعد شهرين ونصف من انطلاق الهجوم الروسي لربيع وصيف 2026، وقدر المعهد المساحة التي تقدمت فيها القوات الروسية بنحو 37.85 كيلومترا مربعا. في المقابل، أعلنت كييف في 12 أغسطس (آب) نتائج عملية هجومية مضادة في محور أليكساندروفكا استمرت من يناير (كانون الثاني) حتى أغسطس، ويربطها المعهد بعوامل عدة، من بينها حملة قمع الدفاع الجوي الروسي وضربات المدى المتوسط ضد خطوط الإمداد، إضافة إلى قطع خدمة ستارلينك عن القوات الروسية العاملة في أوكرانيا في الأول من فبراير (شباط) 2026.

هذا لا يعني أن الجبهة ساكنة. فالقوات الروسية تتقدم فعليا في محور بوكروفسك وشمال سومي، وتستخدم القنابل الانزلاقية في كوستيانتينوفكا بطريقة تحول أجزاء من المدينة إلى ركام يوفر ساترا لعمليات التسلل، وهو أسلوب يقدر معهد دراسات الحرب أنها تستعد لتكراره في اتجاه سلافيانسك. لكن المنطق العملياتي تغير: لم يعد الهدف تحقيق اختراق سريع، بل ممارسة ضغط مستمر يستنزف الاحتياطي البشري الأوكراني.

هنا تكمن نقطة الضعف الأوكرانية الأخطر. في يناير (كانون الثاني) 2026، قدر وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف عدد الجنود الغائبين دون إذن رسمي بنحو مئتي ألف، وعدد الرجال المتهربين من استدعاءات التجنيد بنحو مليونين. وكانت النيابة العامة قد سجلت 165,200 قضية غياب عن الوحدة في الأشهر العشرة الأولى من 2025 وحدها. والاستراتيجية الأوكرانية المعلنة، كما صاغها فيدوروف، تقوم على فرض خسائر أكبر مما يستطيع الخصم تعويضه، وهي معادلة رياضية أكثر منها معادلة أرض.

حرب العمق: النفط في مقابل الكهرباء

القتال الحقيقي في 2026 يدور على بعد مئات، وأحيانا آلاف، الكيلومترات من خط التماس.

على الجانب الروسي، الأرقام قاسية. انخفض حجم التكرير في يوليو (تموز) 2026 إلى نحو 3.6 مليون برميل يوميا، وهو أدنى مستوى منذ مايو (أيار) 2002، وأقل بنحو الثلث من المعدل الموسمي. وأعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية استهداف اثنتي عشرة مصفاة كبرى في أغسطس (آب)، ضمن ما لا يقل عن واحد وعشرين هجوما مسجلا. وتراجع إنتاج البنزين بنحو عشرين في المئة، وإنتاج الديزل بأكثر من ثلاثة وعشرين في المئة على أساس سنوي خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من أغسطس. وهبط إنتاج النفط الخام الروسي إلى 8.89 مليون برميل يوميا، وهو أدنى مستوى في ست سنوات، وأقل بنحو مليون برميل عن السقف المسموح به لروسيا داخل اتفاق أوبك بلس. واضطرت موسكو إلى فرض حظر مؤقت على معظم صادرات الديزل والبنزين ووقود الطائرات، وإلى تحويل براميل كازاخية نحو نوفوروسييسك لتفريغ مساحة لخامها في أوست لوغا الأقل عرضة للاستهداف.

على الجانب الأوكراني، الأرقام أقسى. انخفضت القدرة التوليدية المتاحة من نحو خمسة وخمسين غيغاواط قبل الحرب إلى نحو 11.5 غيغاواط بحلول فبراير (شباط) 2026. وفي هجوم ليلتي 2 و3 فبراير، أطلقت روسيا أكثر من سبعين صاروخا باليستيا ومجنحا ونحو 450 مسيرة، ولم تعترض الدفاعات الأوكرانية سوى ثمانية وثلاثين صاروخا، في درجات حرارة بلغت عشرين درجة تحت الصفر. وفي 30 أغسطس (آب) 2026، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها بدأت الإعداد لضربات واسعة على منشآت الطاقة الأوكرانية، ووصفتها صراحة بأنها رد على استهداف كييف للبنية النفطية الروسية.

هذه ليست حربا موازية، بل الحرب نفسها. فالطرفان يستهدفان القدرة على الاستمرار، لا القدرة على الاحتفاظ بالأرض.

أوروبا وواشنطن: معادلة دعم تتغير

في قمة الناتو التي عقدت في أنقرة في يوليو (تموز) 2026، تعهد الحلف بسبعين مليار يورو لأوكرانيا خلال 2026، مع التزامات سيادية بمستويات مماثلة في 2027، إلى جانب مبادرة «درون إيدج» لمكافحة المسيرات بأكثر من أربعين مليار دولار على خمس سنوات، واستثمار بقيمة سبعة وعشرين مليار يورو في سلاسل إمداد الوقود.

لكن التحول الأهم حدث في اتجاه آخر. فالحرب الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) 2026 غيرت أولويات واشنطن. وفي مارس (آذار) 2026، تردد أن الولايات المتحدة تدرس إعادة توجيه أسلحة كانت مخصصة لأوكرانيا نحو الشرق الأوسط. وأصبح الدفاع الجوي، وهو المورد الأكثر ندرة والأشد حساسية، موضع تنافس بين مسرحين. وترى موسكو، بحسب خطابها، أن هذه هي المعادلة التي راهنت عليها: كلما طالت الحرب وارتفعت كلفتها، ازدادت صعوبة الحفاظ على وحدة المعسكر الغربي. المعطيات لا تكذب هذا التقدير ولا تؤكده بالكامل؛ فقد رفعت أوروبا مساهمتها فعليا، لكنها لم تعوض بالكامل ما تراجعت عنه واشنطن.

لماذا ترفض موسكو وقف إطلاق النار وحده؟

هذا هو جوهر الخلاف، وهو أكثر ما يساء فهمه في التغطية العربية.

الموقف الروسي الرسمي لا يرفض التفاوض، بل يرفض تسلسله. ترى موسكو أن وقف إطلاق نار غير مشروط على خطوط التماس الحالية سيمنح كييف فترة لإعادة التسليح وبناء الاحتياطي البشري، من دون معالجة ما تسميه القيادة الروسية «الأسباب الجذرية للصراع». وقد صرح وزير الخارجية سيرغي لافروف في أغسطس (آب) 2026 بأن اتفاقا لوقف إطلاق النار على أساس خطوط الجبهة الراهنة غير مقبول لموسكو.

المصطلح نفسه يحتاج إلى تفكيك لا إلى ترديد. ففي الخطاب الروسي الرسمي، تشمل «الأسباب الجذرية» أربعة عناصر: الوضع الأمني لأوكرانيا وعلاقتها العسكرية بالغرب، ومستقبل توسع الناتو شرقا، ووضع الأراضي محل النزاع، ومكان روسيا داخل أي هندسة أمنية أوروبية جديدة. وقد أصر لافروف مرارا على أن أي ضمانات أمنية لأوكرانيا يجب أن تصاغ بمشاركة روسية، مستندا إلى صيغة مفاوضات إسطنبول 2022. أما القراءة الغربية والأوكرانية، فترى في هذا الطرح محاولة لانتزاع حق نقض دائم على السيادة الأوكرانية، واستعادة نفوذ على قراراتها الداخلية.

الفارق بين «وقف الحرب» و«معالجة أسبابها» ليس خلافا في الصياغة، بل خلاف على من يملك تعريف الأمن الأوروبي.

هل المفاوضات مجمدة فعلا؟

المسار الثلاثي الذي جمع كييف وواشنطن وموسكو معلق منذ فبراير (شباط) 2026 بفعل انفجار الحرب الإيرانية. وفي 7 مايو (أيار)، اعتبر الكرملين الصيغة غير مناسبة ما لم تنسحب القوات الأوكرانية من مناطق دونباس الخاضعة لسيطرة كييف. ونشر الرئيس الأوكراني رسالة مفتوحة إلى نظيره الروسي في 4 يونيو (حزيران)، دعا فيها إلى لقاء مباشر ووقف كامل لإطلاق النار وتبادل شامل للأسرى. ورفضت موسكو في أغسطس (آب) مقترحا أوكرانيا لوقف إطلاق النار في البحر الأسود.

ومع ذلك، فإن الحديث عن «موت الدبلوماسية» مبالغة. فقد جرت هدنتان قصيرتان في 2026، الأولى لمدة اثنتين وثلاثين ساعة في عيد الفصح الأرثوذكسي في 11 أبريل (نيسان)، والثانية بين 9 و11 مايو (أيار). وتواصلت عمليات تبادل الأسرى بلا انقطاع تقريبا. المسار التفاوضي ليس مجمدا، بل مؤجل إلى حين تحسين شروط الطرفين على الأرض وفي العمق.

وهنا يبرز دور الوسطاء غير الغربيين. تحتفظ تركيا بقنوات مفتوحة مع العاصمتين؛ فقد زار فيدان موسكو في يونيو (حزيران) وكييف في يوليو (تموز)، وكرر أردوغان في أنقرة عرض استضافة مفاوضات جديدة. أما الإمارات، فقد أنجزت وساطتها السادسة والعشرين في 19 أغسطس (آب) 2026، ليبلغ إجمالي من شملتهم عمليات التبادل بوساطتها 7,997 شخصا. واستضافت السعودية جولات بين المفاوضين الأميركيين والروس والأوكرانيين، فيما ركزت قطر على ملف الأطفال. وهذه ليست أدوارا رمزية، بل البنية التحتية العملية لأي تسوية مقبلة.

ماذا تريد موسكو في النهاية؟

من زاوية تحليلية بحتة، لا يعني النصر بالنسبة إلى موسكو احتلال كييف أو السيطرة على كامل الأراضي الأوكرانية. ويتركز الحد الأدنى المرجح لأهدافها في أربعة ملفات: اعتراف عملي، ولو غير قانوني، بوضع الأراضي الخاضعة لسيطرتها؛ وسقف دائم على القدرات العسكرية الأوكرانية والوجود العسكري الغربي في أوكرانيا؛ وإغلاق ملف انضمام كييف إلى الناتو؛ ومسار تدريجي لتفكيك جزء من نظام العقوبات وإعادة دمج الاقتصاد الروسي.

بعبارة أخرى، لا تسعى موسكو إلى تجميد الحرب عند خط، بل إلى تغيير البيئة الأمنية التي أنتجتها. وهذا بالضبط ما يجعل التسوية صعبة: فالطرف الآخر يرى في هذه المطالب لا نهاية للحرب، بل تثبيتا لنتائجها.

الاستنتاجات

أولا، انتقلت الحرب من محاولة الحسم السريع إلى مواجهة استراتيجية طويلة، ولم يعد معدل التقدم الميداني مؤشرا كافيا لقياس من يكسب.

ثانيا، تراهن روسيا على الزمن وتفكك الإجماع الغربي أكثر مما تراهن على اختراق عسكري، لكن رهانها على الزمن أصبح أكثر كلفة مما كان عليه في 2024، بعد دخول قطاعها النفطي دائرة الاستهداف المباشر.

ثالثا، ما زالت أوكرانيا قادرة على إلحاق أضرار استراتيجية عميقة داخل روسيا، لكن قدرتها على الصمود مرتبطة بشرطين خارجيين: التمويل الأوروبي وتوافر الدفاع الجوي، وكلاهما أصبح موضع تنافس مع الشرق الأوسط.

رابعا، أصبحت الطاقة والموانئ والمصافي وشبكات الكهرباء ساحة قتال مركزية. ومن يحمي اقتصاده وإنتاجه العسكري مدة أطول يملك قدرة أكبر على فرض شروطه.

خامسا، لا تريد موسكو، بحسب خطابها المعلن، تجميد الحرب، بل إعادة صياغة الهندسة الأمنية التي سبقتها، وهذا هو سبب رفضها وقف إطلاق النار المجرد.

سادسا، ستحتاج أي تسوية نهائية إلى إطار أوسع من موسكو وكييف، يشمل واشنطن وأوروبا، ومعهما تركيا ودول الخليج بوصفها قنوات قادرة على العمل مع الطرفين في آن واحد.

سابعا، السيناريو الأرجح في المدى القريب ليس استسلام أي طرف، بل استمرار الاستنزاف إلى أن تصبح كلفة مواصلة الحرب أعلى من كلفة التسوية لدى أحد الطرفين أو ممولي أحدهما.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع