مقالات المركز

كيف تدير موسكو التفاوض من موقع القدرة لا الاستعجال.. ومن دون أوهام

مفاوضات “أبو ظبي-2” تحت الصقيع والنار.. بين التشاؤم والتفاؤل


  • 7 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: rbc.ru

لا يتعامل الكرملين مع جولة مفاوضات أبو ظبي الثانية التي انطلقت الأربعاء، 4 فبراير (شباط) 2026، في عاصمة الإمارات، على أنها مسار لا بد سوف يفضي إلى تسوية وشيكة، ولكن بوصفها حلقة إضافية من حلقات إدارة صراع لم تنضج فعليًّا بعد شروط إنهائه.

هذا التقييم على بساطته لا يصدر عن تشاؤم مبدئي؛ ولكن عن قراءة واقعية لموقف موسكو من طبيعة العروض المطروحة، وسلوك الأطراف الأخرى في العملية التفاوضية، فضلًا عن التناقض الحقيقي والملموس بين ما يقال على طاولة التفاوض وما يحضّر في الكواليس العسكرية والسياسية الغربية تحديدًا.

بدأت جولة المفاوضات الجديدة في ظل ظروف لا يمكن وصفها بالاعتيادية؛ فموجة الصقيع التي تضرب أوكرانيا وأجزاء واسعة من روسيا لم تتراجع، بالعكس تزداد قسوة، وفي الوقت نفسه التصعيد العسكري الروسي الواسع عقب انتهاء فترة الامتناع الطوعي المؤقتة عن ضرب منشآت الطاقة يوصف بأنه الأكبر والأشد ضراوة خلال العام الجاري، بالإضافة إلى تراكم غير مسبوق في الخطاب الغربي بشأن ضمانات أمنية لما بعد وقف إطلاق النار.

في هكذا سياق لا تبدو المفاوضات -في رأيي- مسارًا دبلوماسيًّا؛ وإنما امتداد مباشر لمعركة يمكن تسميتها معركة إدارة الزمن والضغط، فالطقس القارس ومحطات الكهرباء، والقتال الميداني، تتحول كلها إلى عناصر تفاوضية من الدرجة الأولى بامتياز.

الجولة التي تستمر خلال يومي 4 و5 فبراير (شباط)، ويترأس الوفد الروسي فيها رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية في هيئة الأركان الروسية الأدميرال إيغور كوستيوكوف، انتهت، حسب تسريبات لموقع “أكسيوس” في لحظة كتابة هذه السطور (الأربعاء 17:50 بتوقيت موسكو) محادثات اليوم الأول منها، أي الأربعاء، دون إعلان نتائج.

وقد بدأت عملها بصيغ متعددة، حسب المعلومات التي ترد من أبو ظبي، ولا ندري هل يعني ذلك أنها لم تعد تجري مباشرة بين الروس والأوكران مثل الأولى أم لا، كما أنها تدار بعيدًا عن الإعلام.

وهذا الشكل وهذه الصيغة أو الصيغ في ذاتها تعطينا تصورًا عن طبيعة السقف الذي حددته موسكو لهذا المسار، وهو لا يتجاوز مجرد مسألة خفض أخطار، خصوصًا في إطار التعامل مع شخص مثل ترمب، ولا حديث هنا عن فرصة تسوية شاملة، أو حتى عن رائحتها.

فمنذ البداية حرصت موسكو على خفض سقف التوقعات، سواء من خلال شكل التمثيل الروسي، العسكري الأمني بامتياز، أو حتى عن طريق ضبط الخطاب الإعلامي -حسب قراءتي وفهمي له طبعًا- أو حتى من خلال الامتناع المتعمد عن تحويل المفاوضات إلى حدث سياسي؛ ومن ثم تبقى المسألة -من وجهة نظر بوتين والكرملين- لا تتعلق برغبة في السلام المجرد، ولكن بسؤال أعمق، وقد يكون أشد قسوة، وهو: عن أي سلام نتحدث؟ وبأي ثمن؟ وعلى حساب من؟

فحتى التأجيل المحدود لانعقاد الجولة، وما رافقه من ضجيج إعلامي أوكراني وغربي، لم تنظر إليه موسكو على أنه أزمة أو تعطيل لمسار التفاوض؛ بل بوصفه مؤشرًا إضافيًّا على خلل جوهري في إدارة التفاوض من الطرف المقابل، فهو الذي بادر بالتأجيل.

فحين يعلن طرف غير محايد مواعيد الاجتماعات، ثم يلغيها، وبعد ذلك يعيد جدولتها، وكل ذلك عبر الإعلام، فإن ذلك لا يتعامل معه الكرملين إلا بوصفه جزءًا من حرب معلوماتية موازية، وليس تصرفًا تفاوضيًّا ناضجًا.

وعند النظر بواقعية وموضوعية إلى هذا السلوك، فإننا -نحن المراقبين- لا يسعنا إلا أن نقول إنه -أي السلوك- يعكس حاجة زيلينسكي النفسية المستمرة إلى إثبات أنه الفاعل الأساسي، حتى في ملفات لا تملك كييف فيها قرارًا مستقلًا.

وقد تكون إدارة التوقيت بهذه الطريقة من جانب كييف ليست سوى محاولة لتمديد ترتيبات مؤقتة، مثل التوقف الروسي المؤقت عن استهداف منشآت الطاقة، دون أن تقدم أوكرانيا مقابلًا سياسيًّا حقيقيًّا، لكن هل يعتقد زيلينسكي أن بوتين بهذه السذاجة ليتعامل معه بهذه الطريقة؟!

من واقع متابعتي لأحداث الأيام الأخيرة، أستطيع القول إن واحدة من أكثر النقاط التي أثارت امتعاض موسكو والكرملين وبوتين هي محاولة إعادة تعريف الامتناع الروسي المؤقت عن ضرب منشآت الطاقة باعتباره هدنة إنسانية، أو التزامًا أخلاقيًّا. فالكرملين لم يستخدم هذه المصطلحات قط، ولم يلتزم بها، ولم يطرحها من الأساس.

ما حدث من واقع الموقف الروسي الرسمي هو استجابة محدودة لطلب أمريكي، بل ترمباوي لأكون أكثر دقة، فاستجاب له بوتين، وبرر الكرملين ذلك أنه بهدف تهيئة ظروف فنية للتفاوض، لكن دون تغيير في طبيعة العمليات أو أهدافها؛ وعليه فإن استئناف الضربات بعد انتهاء المهلة لا يعدّ -حسب التوصيف الروسي الرسمي- خرقًا؛ بل عودة إلى نمط عملياتي لم يتوقف فعليًّا.

أما محاولات كييف وزيلينسكي تصوير الضربات الأخيرة على أنها استغلال للصقيع، فليست سوى ابتزاز عاطفي سياسي من جانب الأخير، يهدف إلى نقل النقاش من جوهر الصراع إلى هامشه الإنساني، دون معالجة أسباب الحرب، أو الاستجابة لشروط إنهائها.

والرؤية الروسية تنص على أن التفاوض لا يسبق تثبيت الوقائع الميدانية، ولا يستخدم -بحال- بديلًا عنها؛ لذلك فإن توقيت الضربات الواسعة عشية المفاوضات لا يعدّ من وجهة نظر الكرملين وبوتين رسالة سلبية للمسار؛ بل رسالة تصحيحية، بمعنى أن موسكو تقول إنها لا تفاوض تحت وهم أنها في موقع دفاعي، أو تحت ضغط الزمن.

وهذا المنطق تعززه البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع الروسية، وتصريحات وزير الدفاع أندريه بيلاوسوف، الذي كان حريصًا على أن يعقد في نفس لحظات انطلاق جولة أبو ظبي الثانية، اجتماعًا مع قيادات وزارته يتناول خلاله حجم الإمدادات العسكرية المرتقبة لعام 2026، ويعلن تسارع وتيرة الإنتاج الحربي، وتنظيم عقود طويلة الأجل، والأهم أنه يحرص على إذاعة ذلك على الهواء مباشرة.

وفي ذلك رسالة للفاهمين، رسالة تقول إن روسيا لا تفاوض لأنها منهكة، كما يحاول البعض خداع النفس والشعوب بالأماني الواهية، ولا تبحث عن وقف إطلاق نار لإنقاذ وضع ميداني متأزم؛ بل تفاوض من موقع قدرة على الاستمرار، ولفترات طويلة.

أما الطروحات الغربية المتعلقة بالضمانات الأمنية، “الموجعة للرأس”، لفترة ما بعد وقف النار، فإنها -في رأيي الشخصي- ليست فقط غير واقعية؛ بل مفخخة وخطيرة؛ فتصميم أعضاء تحالف الراغبين على الحديث عن نشر قوات أوروبية فور وقف إطلاق النار، قبيل جولة التفاوض، وكذلك حديثهم عن رد عسكري منسق خلال 24 أو 72 ساعة في حال خرق روسيا للاتفاق، لا يمكن لموسكو إلا أن تنظر إليه على أنه إعادة إنتاج لمنطق الردع الأحادي، وليس عن إطار لتسوية متوازنة.

وما يريد الأوروبيون بذلك إلا تفخيخ مسار التفاوض أمام ترمب، ومن ثم بوتين، وهذه المقترحات الأوروبية -كما تُقدم إعلاميًّا؛ لأن هذا ما لدينا الآن- تتجاهل أسئلة جوهرية: من يحدد الخرق؟ ومن يحقق فيه؟ ومن يمتلك قرار التصعيد؟

وأهم من ذلك كله: لماذا أصلًا يفترض أن تقبل روسيا بترتيبات أمنية أشد قسوة من التزامات الناتو نفسه لصالح دولة ليست عضوًا فيه؟

لذلك تبقى هذه الضمانات محاولة لتجميد الصراع بشروط غربية، أوروبية الطابع والمزاج، مع الإبقاء على قابلية الانفجار العسكري قائمة. وهذا سيناريو لا أعتقد أن يرى فيه بوتين أو الكرملين أو موسكو أي مصلحة إستراتيجية.

فالكرملين لا يخفي أن سقف ما يمكن مناقشته في هذه المرحلة محدود، وهو تبادل أسرى، وقضايا إنسانية، وممرات مدنية، وربما اتفاقات وترتيبات مؤقتة تتعلق بمنشآت الطاقة، نعم كل ذلك ممكن الآن، لكن داخل إطار معادلة واضحة، وهي إجراءات مقابل إجراءات، وخطوات مقابل خطوات. لا تنازلات سياسية مقابل وعود فضفاضة.

أما القضايا الجوهرية، مثل الأرض، والسيادة، والوجود العسكري الأجنبي المحتمل، والغربي تحديدًا، فهي في الحسابات الروسية أمور خارج نطاق المقايضة المرحلية تمامًا.

وهذه بالمناسبة ليست مسألة تشدد أيديولوجي لبوتين؛ ولكنها قراءة لتجربة سابقة يرى فيها الكرملين أنه دفع ثمنها في إسطنبول عام 2022.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع