وحدة الدراسات الصينية

مصر والصين… هندسة جديدة في المعادلات الإقليمية والدولية


  • 8 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

لا يمكن النظر إلى العلاقات المصرية الصينية فقط من منظور الاحتفالات بمرور 70 عاما على تبادل السفارات بين البلدين عام 1956، فهذه العقود السبعة، وما قبلها من عشرات القرون، أثبتت أن هناك “كيمياء مشتركة” بين شعبي أقدم حضارتين على وجه الأرض، وهو ما تجسده “المكان والمكانة” التي تحظى بها مصر لدى الصين، و”الصورة النمطية الزاهية” عن الصين وشعبها وحضارتها في عيون المصريين.

فالتقديرات الصينية تؤكد أن مصر هي “محور الاستقرار” و”قوة السلام” في الإقليم العربي والشرق الأوسط وشمال شرق إفريقيا وحوض شرق المتوسط، وأن السياسات الخارجية المصرية، التي تعتمد “الأدوات الناعمة”، مثل الدبلوماسية والمفاوضات، تهدف إلى ترسيخ قيم السلام والاستقرار في المنطقة. وهناك قناعة صينية بأن القاهرة تعمل بكل قوة على “تبريد الصراعات” و”تهدئة التوترات”، وهي سياسة تتناغم بالكامل مع توجهات السياسة الصينية تجاه المنطقة العربية والشرق الأوسط، حيث تعمل بكين على خلق بيئة سياسية وأمنية متصالحة مع النمو الاقتصادي وتعزيز سلاسل الإنتاج، بما يعود بالنفع على النمو الصناعي الصيني، حيث تشتري الصين أكثر من 50% من النفط من المنطقة العربية والخليج العربي، بنحو 5.5 مليون برميل من النفط يوميا، وتستورد 31% من الغاز للمصانع والمنازل الصينية من المنطقة العربية والخليج. ولهذا يصب الدور المصري الساعي إلى ترسيخ السلام والاستقرار بشكل مباشر في تعزيز حيوية ونشاط الاقتصاد الصيني.

على الجانب الآخر، لا يمكن إخفاء الإعجاب المصري بالمعجزة الصينية، التي نجحت في تحقيق نمو سنوي بلغ 10% طوال نحو 30 عاما، في الفترة من 1978 حتى 2010، الأمر الذي دفع الاقتصاد الصيني إلى المرتبة الثانية عالميا بنحو 21 تريليون دولار إذا ما جرى القياس وفق الناتج القومي الإجمالي، بينما يصبح اقتصاد “التنين” الاقتصاد الأول عالميا بنحو 44 مليار دولار حال القياس وفق “تعادل القوة الشرائية”، الذي يوصف دائما بأنه القياس الأكثر دقة وتعبيرا عن القوة الحقيقية للاقتصاد.

وتكشف طبيعة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعها الجانبان المصري والصيني منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في بداية النصف الثاني من عام 2014، والتي جاءت عقب انتخاب الرئيس الصيني شي جين بينغ للحكم في 14 مارس (آذار) 2013، عن وجود “إرادة سياسية مشتركة” لتفعيل وتعزيز وتعظيم مسارات التعاون المشتركة بين البلدين. ولهذا جرى توقيع “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة” في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2014، لتحقق انطلاقة قوية في التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري بين بلدين يسعيان إلى أن يكون لهما مكان بين مقاعد الكبار في “المعادلة الجديدة” التي يشهدها الشرق الأوسط والعالم، والتي صاغتها ثلاث حروب رئيسية، هي الحرب في أوكرانيا التي بدأت في 24 فبراير (شباط) 2022، وحروب إسرائيل ضد فلسطين ولبنان وسوريا واليمن، ومؤخرا الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران. فما المعادلات الجديدة التي تعمل عليها مصر والصين؟ وكيف يمكن أن يكون التعاون المصري الصيني “رافعة” للسلام والاستقرار في المنطقة والعالم؟ وما الأدوات والقطاعات المشتركة بين القاهرة وبكين التي تشكل العنصر الفاعل في صياغة التفاعلات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط والعالم؟ وإلى أي مدى يشكل التعاون المصري الصيني فرصة لـ”عالم الجنوب” و”العالم متعدد الأقطاب” الذي يجري تشكله على قدم وساق؟

أولا: العلاقات الثنائية

تحتفظ الذاكرة الصينية بدعم مصري للشعب الصيني بشكل كامل ودون أي شروط حتى قبل تأسيس جمهورية الصين الشعبية في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 1949. فمن مصر، وتحديدا من فندق مينا هاوس التاريخي في قلب القاهرة الكبرى، جرى الإعلان عن استقلال وسيادة الصين عن اليابان، وفق ما جاء في “إعلان القاهرة” في ديسمبر (كانون الأول) 1943، الذي وقعه في القاهرة الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والحاكم الصيني تشيانغ كاي شيك. وعندما وقعت أحداث الثورة الثقافية في الصين، سحبت الصين سفراءها من المنطقة العربية والشرق الأوسط وإفريقيا، لكنها أبقت على سفيرها وسفارتها في القاهرة، وهو رد للجميل المصري، حيث كانت مصر أول دولة عربية وشرق أوسطية تعترف بحكومة جمهورية الصين الشعبية، وتفتتح لها سفارة في بكين عام 1956.

ليس هذا فقط، فمنذ عام 1949 حتى عام 1971، كانت مصر تدعم حق جمهورية الصين الشعبية في الحصول على مقعدها في الأمم المتحدة ومقعدها الدائم في مجلس الأمن، ونجحت مصر مع مجموعة دول عدم الانحياز في تمكين الصين من مقعدها الدائم في مجلس الأمن عام 1971، قبل اعتراف الولايات المتحدة بالحكومة الصينية بثماني سنوات كاملة، في عام 1979.

وشكلت زيارات الرئيس الصيني شي جين بينغ للقاهرة عامي 2016 و2026، وزيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي المتعددة للصين، جسورا جديدة للتعاون القائم على معادلة “رابح-رابح”. وتشكل زيارة الرئيس الصيني للقاهرة هذا الشهر، والاحتفاء الاستثنائي به من جانب مصر، قيادة وحكومة وشعبا، “رسالة للمستقبل” بأن البلدين يعتزمان الاستثمار في المقدرات الضخمة والحيوية التي يمتلكانها. فمصر في دفتر الحسابات الصينية ليست “محطة” على طريق الحزام والطريق، بل تشكل “حجر الزاوية” و”محور الارتكاز” في استراتيجية بكين نحو “القرن الصيني”، حيث تملك القاهرة، بجانب السوق الكبيرة والمكانة الرفيعة في العالمين العربي والإسلامي، موقعا استراتيجيا بين قارات العالم القديم، ناهيك عن قناة السويس التي تلعب دورا حيويا في تسهيل التجارة الدولية وتعزيز سلاسل الإمداد بين الشرق والغرب، وهو ما يسهل انتقال ملايين الحاويات التي تحمل البضائع الصينية إلى الشرق الأوسط وإفريقيا والغرب.

ثانيا: ملفات الشرق الأوسط

تتطابق السياسة الخارجية المصرية والصينية عند النظر إلى ملفات الشرق الأوسط، فكلا البلدين يدعمان وقف الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، وحل الخلافات على طاولة المفاوضات، وتعزيز حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية. ومن هنا جاءت الدعوات المصرية الصينية المخلصة للعودة إلى طاولة المفاوضات. وتدعم الصين الرؤية المصرية لحل قضايا الشرق الأوسط، حيث تدعم بكين رؤية القاهرة لحل القضية الفلسطينية وفق القرارين 242 و338، ومبدأ “حل الدولتين” الذي يتحقق بقيام الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. وهناك توافق بين مصر والصين على ضرورة احترام سيادة الدولة الوطنية في لبنان وسوريا، وضرورة خروج إسرائيل من كل الأراضي اللبنانية والسورية. ويدعم البلدان وقف الحرب في السودان والحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السودانية، وكذلك ضرورة الإسراع بتطبيق خطة الأمم المتحدة في ليبيا، التي تهدف إلى إنهاء الانقسام وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في وقت واحد.

ثالثا: التعاون الاقتصادي

لدى مصر والصين فرص واعدة لزيادة التعاون التجاري والاستثماري والتصنيعي، حيث تشكل مصر بوابة للبضائع الصينية نحو المنطقة العربية والقارة الإفريقية. وزاد حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 20.9 مليار دولار في عام 2025. وفي العام الجاري، استحوذت الصين على نحو 15% من إجمالي تجارة مصر غير البترولية خلال النصف الأول من العام، بعد أن بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11.04 مليار دولار من إجمالي تجارة مصر غير البترولية البالغة 73.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها. واستوردت مصر حتى 30 يونيو (حزيران) الماضي واردات من الصين بنحو 10.5 مليار دولار، وقفزت صادرات مصر إلى الصين بنحو 111% خلال النصف الأول من عام 2026، إلى نحو 600 مليون دولار، مقابل نحو 284 مليون دولار في الفترة نفسها من العام السابق. وهناك توقعات بزيادة الصادرات المصرية إلى 1.5 مليار دولار بنهاية عام 2026، ثم ارتفاعها إلى ما بين ملياري و2.5 مليار دولار في عام 2027. ونجح البلدان في يونيو (حزيران) الماضي في تمديد “اتفاق مبادلة العملات الوطنية” لمدة ثلاث سنوات جديدة، بنحو 30 مليار يوان، وهو ما يسهم في تسهيل حركة التجارة والاستثمارات وتقليل الاعتماد على الدولار في تسوية المعاملات التجارية بين البلدين.

وتعبيرا عن التقارب الاستراتيجي بين البلدين، زادت الاستثمارات الصينية في مصر إلى نحو 10 مليارات دولار، وهناك توقعات بضخ الصين استثمارات جديدة بقيمة أربعة مليارات دولار خلال العام الجاري، ليصل إجمالي استثماراتها إلى 14 مليار دولار. وتتركز نسبة كبيرة من الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لا سيما داخل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية-الصينية المعروفة باسم “تيدا” في منطقة العين السخنة. وهناك مساع لإنشاء مصنع عملاق لإنتاج الألومنيوم باستثمارات تبلغ ملياري دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وتعبيرا عن المكانة التي تحظى بها مصر في عيون الشعب الصيني، زاد عدد السياح الصينيين إلى مصر في عام 2025 إلى نحو 350 ألف سائح.

رابعا: الجنوب

تعمل مصر والصين على دعم ملفات وقضايا الجنوب منذ اللقاء الذي جمع الرئيس جمال عبد الناصر مع رئيس مجلس الدولة الصيني تشو إن لاي على هامش مؤتمر باندونغ في إندونيسيا عام 1955. وحاليا، تعمل مصر والصين على تعزيز “صوت الجنوب” عند صياغة القرارات الدولية، حيث تدعوان إلى احترام خصوصية “النموذج التنموي” لكل دولة من دول الجنوب، انطلاقا من تعاونهما في تكتلات وأطر مثل “البريكس”، و”الحزام والطريق”، ومنظمة شنغهاي للتعاون. وتجمع البلدين منتديات أخرى للتعاون، مثل منتدى التعاون الصيني-الإفريقي، ومنتدى التعاون الصيني-العربي.

خامسا: الديمقراطية الدولية

ترفض القاهرة وبكين الاحتكار في العلاقات الدولية، وتدعوان إلى ضرورة منح دول الجنوب الفرصة الكاملة لاختيار النموذج السياسي والتنموي الذي يتفق مع مقدرات وثقافة هذه الدول. ويتجلى هذا التعاون المصري الصيني في الترحيب بوجود “عالم متعدد الأقطاب”، وهو ما ترجمته مصر والصين في عضويتهما في “البريكس”، وتعاونهما في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، ورفع قيمة التعاملات التجارية “بالعملات الوطنية” إلى نحو 4.5 مليار دولار. وانضمت مصر إلى بنك التنمية الجديد، الذي يتخذ من الصين مقرا له، وهو ما يوفر مسارا آخر للتمويل بجانب المؤسسات المالية الغربية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونادي باريس، ناهيك عن دعم مصر والصين لعضوية “الاتحاد الإفريقي” في مجموعة العشرين، الأمر الذي يعزز حضور الاقتصادات الناشئة الإفريقية على مائدة أكبر 20 اقتصادا على المستوى العالمي.

المؤكد أن الزيارة الثانية للرئيس الصيني شي جين بينغ للقاهرة هي “زيارة للمستقبل”، لأنها ترسم مسارا نوعيا لكتابة فصل جديد في كتاب العلاقات المصرية الصينية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع