تقدير موقف

مصرع رئيسي.. ماذا يحدث في اليوم التالي؟


  • 26 مايو 2024

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: bloomberg

توطئة

في وقت دقيق وعالم مضطرب، أثار الإعلان رسميًّا عن مصرع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان؛ جراء تحطم مروحيتهما شمال شرق البلاد، يوم الاثنين الماضي، موجة عارمة من التكهنات بشأن تداعيات الحادث في خضم الملفات المعقدة والمتشابكة التي تنخرط فيها، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، ووكلاء إيران في الشرق الأوسط، وصراعها مع القوى الدولية، كالولايات المتحدة، وإسرائيل.

إن الاختفاء المفاجئ للرئيس الثامن لإيران ووزير خارجيته من المشهد السياسي الإيراني، يطرح سؤالًا مباشرًا عن انعكاس هذا الاختفاء على السياسات الإيرانية الخارجية والداخلية، ورغم كون هذا التساؤل تساؤلًا منطقيًّا فإن الإجابة عنه تستدعي الإجابة أولًا عن تساؤلات مرتبطة بدلالات هذا الحادث، والسيناريوهات المطروحة بشأن موت رئيسي ومرافقيه، وهل حولت العقوبات الدولية مروحيات إيران إلى نعوش طائرة خلال العقد الماضي؟ وهل يمكن لوفاة رئيسي أن تغير ميزان القوة بين الفصائل داخل الجمهورية الإسلامية في ظل بنية النظام الإيراني المعقدة؟

دلالات حادثة سقوط المروحية الرئاسية الإيرانية

أكدت إيران، يوم الاثنين الماضي، وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي مع الوفد المرافق له في حادث تحطم طائرة مروحية في منطقة جبلية وعرة بشمال غرب البلاد، خلال عودة الرئيس من حفل حضره مع نظيره الأذربيجاني إلهام علييف لتدشين سد مشترك على نهر آراس الحدودي بين البلدين، وجاء إعلان وفاة الرئيس الإيراني، البالغ من العمر 63 عامًا، ومرافقيه، بعد عملية بحث صعبة، شاركت فيها عشرات من فرق الإنقاذ وسط ضباب كثيف، ورياح شديدة.

ونتيجة لتلك الحادثة المفاجئة، كلف المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، محمد مخبر بتولي مهام الرئاسة، حيث نص الدستور الإيراني وفق المادة الـ113، على أن رئيس الجمهورية يعد أعلى مسؤول رسمي في البلاد بعد منصب المرشد، وهو صاحب المسؤولية عن تنفيذ الدستور ورئاسة السلطة التنفيذية، وتنص المادة الـ131 من الدستور الإيراني على أنه إذا توفي الرئيس وهو في منصبه، يتولى نائبه الأول المنصب، بتأكيد من الزعيم الأعلى، الذي له القول الفصل في جميع شؤون الدولة، حيث يتولى مجلس يتألف من النائب الأول لرئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، ورئيس السلطة القضائية، ترتيب انتخاب رئيس جديد خلال مدة أقصاها 50 يومًا.

والتزامًا بالمادة الـ131 من الدستور، يتولى مخبر رئاسة السلطة التنفيذية، ويجب عليه- بحسب القوانين النافذة- العمل مع رئيسي السلطتين التشريعية والقضائية لإجراء انتخابات رئاسية جديدة، فبصفته الرئيس المؤقت، والعضو في مجلس مؤلف من ثلاثة أشخاص، مع رئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية، سيرتب مخبر إجراء انتخابات رئاسية جديدة خلال 50 يومًا من وفاة الرئيس. وفي هذا الصدد، أعلن مجلس صيانة الدستور الإيراني أنه سيُشكَّل مجلس من رئيس مجلس الشورى، ورئيس السلطة القضائية، وغيرهما؛ للإشراف على تنظيم الانتخابات. وبموجب الجدول الزمني العادي، كان من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية عام 2025، حيث انتُخب رئيسي في عام 2021، لكن من المتوقع الآن بعد الحادثة أن تجرى الانتخابات في أوائل يوليو (تموز) المقبل.

تثير شخصية الرئيس المؤقت الجديد الجدل، حيث ولد محمد مخبر في الأول من سبتمبر (أيلول) 1955، وهو مقرب من الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي له القول الفصل في كل شؤون الدولة، وقد أصبح مخبر النائب الأول للرئيس عام 2021، منذ أن انتُخِبَ رئيسي لشغل منصب الرئاسة، كما سبق أن ترأس صندوق “ستاد” للاستثمار، المرتبط بالزعيم الإيراني الأعلى. وفي عام 2010، أدرج الاتحاد الأوروبي اسم مخبر في قائمة الأفراد والكيانات الخاضعة للعقوبات؛ بسبب ما قيل عن ضلوعه في أنشطة نووية، وأنشطة للصواريخ الباليستية، وبعد عامين من ذلك التاريخ، أزال التكتل اسمه من تلك القائمة، ما يجعل رئاسته لإيران في الفترة الحرجة التي تمر بها المنطقة محل قلق داخليًّا وخارجيًّا.

سيناريوهات سقوط المروحية الإيرانية: اغتيال مدبر أم حادثة؟

منذ اللحظات الأولى لحادثة تحطم المروحية الرئاسية الإيرانية التي أسفرت عن وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته، وسيناريو الاستهداف مرجح على سيناريو الحادث، ويعود ذلك- في واقع الأمر- إلى عدة أسباب، أهمها أن المنطقة القريبة من الحدود الأذرية، هي مناطق نشاط أمني وعسكري لإسرائيل، كما أن اقتصار الحادث على طائرة الرئيس والمسؤولين، دون المروحيتين الأخريين، يقلل من أن الحادث سببه الرئيس هو سوء الأحوال الجوية. فضلًا عن هذا، فإن دلالة توقيت الحادث تثير المخاوف من كون حرب غزة، والحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، لها يد مباشرة في الحادث.

غير أن الأمر الأكثر أهمية من الإقرار بكون الحادث بفعل العوامل الطبيعية أم اغتيالًا مدبرًا لرموز النظام الإيراني هو تعامل إيران مع تكهنات الوضع الحالي، وإذ ما كانت إيران ستعد ما حدث عملًا عدائيًّا بشكل رسمي، وستتهم طرفًا محددًا بالوقوف خلفه، خاصةً أن إسرائيل تريد من العالم التحدث عن أنها تقف وراء سقوط المروحية؛ لزراعة الوعي في عقول العالم أنها قادرة على الوصول لأي شيء، وتهديد العدو الأعظم لها.

في مقابل نظرية المؤامرة، تأتي حقيقة أن المروحية التي كان الرئيس الإيراني يستقلها قديمة نوعًا ما، وغير موثوق بها في الظروف الجوية الصعبة، خاصة أن منطقة الحادث هي جبال شاهقة، وغالبًا ما يغطيها الضباب، وهذا يجعل سيناريو انعدام الرؤية واصطدام المروحية بحافة جبل والهبوط الاضطراري، سيناريو واردًا بشكل كبير، خاصة أن منظومة الإنذار المبكر في كل من إيران وأذربيجان ستعمل إذا أُطلِقَ صاروخ باتجاه الطائرة، لكن هذا لا ينفي احتمالية تعطيل جهاز التتبع الخاص بالطائرة بشكل متعمد؛ لعدم تلقي فرق البحث إشارة من المروحية؛ ما يصعّب عملية العثور على المروحية ومَن فيها.

دور العقوبات الغربية في حادث المروحية الإيرانية

سلط حادث تعرض مروحية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي للسقوط، الضوء على العقوبات الدولية المفروضة على الدولة الإيرانية؛ ما جعلها غير قادرة على تحديث أسطول طائراتها منذ عشرات السنين، حيث يعود تاريخ أسطولها الجوي العسكري- إلى حد كبير- إلى ما قبل ثورة عام 1979، إذ يواجه مجال الطيران في إيران عجزًا كبيرًا نتيجةً للعقوبات العالمية المفروضة بسبب برنامج إيران النووي، وانتهاكات حقوق الإنسان، ودعمها لروسيا في أوكرانيا.

وفي ظل العقوبات الدولية، وخاصة الأمريكية، المفروضة على الدولة الإيرانية، تكافح صناعة الطيران الإيرانية لتحقيق الأهداف التشغيلية للطائرات، حيث يوجد 180 طائرة فقط في الخدمة حاليًا، وهو أقل من العدد المخطط له، وهو 250 طائرة، بحلول نهاية العام الماضي. وفي خضم مبادرات الإصلاح وقيود الإنتاج المحلي، وقيود الاستيراد، تواجه صناعة الطيران الإيرانية تحديات إضافية، وتؤدي التقارير عن تأخير الرحلات، والمخاوف المتعلقة بالسلامة داخل شركات الطيران الإيرانية، إلى تفاقم مشكلات الصناعة.

تعتمد إيران حاليًا على مجموعة متنوعة من طائرات الهليكوبتر في البلاد، لكن العقوبات الدولية جعلت من الصعب الحصول على قطع غيار لها، وكانت آخر حزمة عقوبات فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران الشهر الماضي، واستهدفت 16 شخصًا، وكيانين مرتبطين ببرنامج الطائرات بدون طيار الإيراني، بهدف معاقبة طهران على هجومها غير المسبوق على إسرائيل.

وفي هذا السياق، تشير إحصاءات موقع “جلوبال فاير بور” إلى أن الجيش الإيراني يمتلك أسطول مروحيات يصنف في المرتبة الـ32 بين أضخم أساطيل المروحيات في العالم بـ129 مروحية. وحسب موقع “وورلد دايركتوري، فإن المروحيات الإيرانية تضم: مروحيات “سي إتش-47 سي” الأمريكية، و”إيه إتش-1 جيه” الأمريكية، و”بيل – 212″ الأمريكية، مثل التي كانت تقل الرئيس الإيراني، يرجع تاريخها إلى ما قبل الثورة الإسلامية في البلاد عام 1979.

لم يسلب الأسطول الجوي الإيراني المتهالك، أرواح المواطنين العاديين فحسب؛ بل إن مسؤولي النظام أيضًا لم يسلموا من هذا الأسطول وكوارثه، ويعد سقوط مروحية الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، أحدث مثال على سلسلة الحوادث التي تعرض لها المسؤولون السياسيون والعسكريون في إيران، خلال العقود الماضية، إذ لم يمضِ أكثر من ثلاث سنوات على حادثة سقوط مروحية كانت تقل وزير الرياضة آنذاك، حميد سجادي، ومرافقيه، في أثناء هبوطها في المجمع الرياضي بمدينة بافت في محافظة فارس في مارس (آذار) 2021، التي توفي إثرها مساعد وزير الرياضة السابق، إسماعيل أحمدي، وكان الذراع الأمنية للحرس الثوري الإيراني، وأدى دورًا في الضغط على الرياضيين المنتقدين للسلطة.

مصير النظام الإيراني بعد وفاة رئيسي

يختلف منصب رئيس الجمهورية في إيران كثيرًا عن المفهوم المعتاد لهذا المنصب في بقية دول العالم؛ لأن القرارات الأساسية، وخاصة المتعلقة بالتوجهات الإستراتيجية داخليًّا وخارجيًّا، تعود إلى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، ومن ثم يمكن اعتبار دور الرئيس الإيراني أقرب إلى دور رئيس الحكومة في بقية الدول، من يتولى الإدارة اليومية لشؤون الدولة، ووضع آليات تنفيذ إستراتيجيات المرشد الأعلى للجمهورية.

إن إبراهيم رئيسي الرئيس الثامن للجمهورية الإسلامية، وبالرغم من الحدود الدستورية لمنصبه الرئاسي، فإنه تميز عن سابقيه بأنه الابن المخلص للتيار المحافظ الذي يسيطر على منصب المرشد الأعلى ومجلس الخبراء منذ قيام الثورة الإيرانية، إذ تولت المؤسسة الدينية المحافظة الإشراف على تربيته وتأهيله في مسقط رأسه بمشهد، منذ وفاة والده عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، وتدرج في سلم السلطة في إطار الاحترام الكامل لقواعد عمل هذه المؤسسة.

كما تميز رئيسي بقربه الكبير من المرشد الأعلى، ومن مؤسسة الحرس الثوري. وإذا كان رؤساء إيرانيون محافظون سابقون التزموا بالولاء الكامل للمرشد الأعلى، فإن الرئيس الراحل ربطته بالمرشد علاقة سياسية منسجمة ومتناغمة، وكان بناءً على ذلك أول رئيس إيراني مرشح لخلافة المرشد في حال اختفائه، خاصة في ظل تميز فريقه الحكومي، وعلى رأسهم وزير خارجيته الراحل حسين أمير عبد اللهيان، وولائه الكامل للتيار المحافظ، والحرس الثوري، والالتزام بسياسات هذا التيار.

تفرض تلك الخصوصية للرئيس الراحل ووزير خارجيته مصيرًا صعبًا أمام النظام الإيراني بعد الحادث المروع، حيث عقدت الحكومة الحالية اجتماعًا استثنائيًّا برئاسة محمد مخبر، النائب الأول لرئيسي، وأكدت أن مسار رئيسي سيستمر، وشددت على أنه لن يكون هناك أدنى خلل في إدارة البلاد. وعينت إيران علي باقري، كبير المفاوضين في الملف النووي، ونائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، وزيرًا بالوكالة خلفًا لحسين أمير عبد الهيان، الذي قضى نحبه مع الرئيس إبراهيم رئيسي في حادث تحطم المروحية.

وفي هذا السياق، عكس تصريح المرشد الأعلى علي خامنئي؛ بأنه لن يكون هناك أي خلل في عمل البلاد بعد الحادث، نوعًا من التماسك المؤسسي فيما يتعلق بإدارة شؤون الدولة، ليوجه رسالة مباشرة بأن هناك قواعد مؤسسية تحكم إطار انتقال السلطة في البلاد على جميع المستويات، مع مركزية دور المرشد الأعلى في الدستور الإيراني، إذ إنه المتحكم الرئيس في سياسات إيران الداخلية والخارجية، فوفقًا للمادة الـ110 من الدستور، فإنه المسؤول عن تعيين السياسات العامة للنظام، بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، والإشراف على إجراء السياسات العامة للنظام، وإصدار الأمر بالاستفتاء العام، والقيادة العامة للقوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلام والنفير العام، وتنصيب فقهاء مجلس صيانة الدستور وعزلهم وقبول استقالاتهم، فضلًا عن إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من الشعب، والموافقة على أهلية المرشحين للانتخابات بعد موافقة مجلس صيانة الدستور، وكذلك عزل رئيس الجمهورية مع مراعاة مصالح البلاد.

ومن هذا يتضح أن الإطار الدستوري لطهران أسهم في تحديد الصلاحيات والاختصاصات لمراكز السلطة في النظام الإيراني، وانتقال السلطة عقب وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي، على نحو يسير، ودون معوقات، إذ أسند خامنئي إلى نائب الرئيس محمد مخبر، القيام بالمهام الرئاسية، كما كُلِّفَ علي باقري للقيام بمهام وزير الخارجية، كما عُين كل من عباس عراقجي، وعلي أبو الحسني، وسيد رسول مهاجر، في مناصب مستشارين لوزير الخارجية، كما تولى محمد علي موحدي كرماني رئاسة مجلس خبراء القيادة بأغلبية 55 صوتًا.

ووفقًا للنظام الداخلي للمجلس، فإن مهمة المجلس الأساسية تسمية المرشحين المحتملين للرئاسة، وفي هذا الصدد تشير التقديرات إلى وجود عدد من المرشحين المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة لخلافة إبراهيم رئيسي، أبرزهم علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى السابق، ومحمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، ومحمد باقر قاليباف، الذي يحظى بدعم علي خامنئي، ومحمد مخبر نائب الرئيس السابق، القائم بمهام الرئيس في الوقت الحالي.

تداعيات غياب رئيسي على الداخل والخارج

من المرجح ألا تشهد السياسة الإيرانية عقب وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي تغييرات جذرية، سواء على المستوى الداخلي، أو الخارجي، ويعود هذا بالأساس إلى أن الجمهورية الإيرانية دولة مؤسسات راسخة، تستقي توجهاتها من أيديولوجية النظام الإيراني بشكل عام، التي لا تتغير بتغير الرؤساء، وتقوم ركائزها على فكرة تصدير الثورة إلى الخارج، من خلال الأذرع الإيرانية في الشرق الأوسط، المتمثلة في الميليشيات المسلحة، كالحشد الشعبي، وفيالق الحرس الثوري الإيراني في سوريا والعراق، وجماعة الحوثي في اليمن، وحزب الله بلبنان، فضلًا عما أطلقت عليه إيران نصرة مستضعفي العالم كمرتكز في السياسة الخارجية الإيرانية.

على مستوى الداخل الإيراني، من المحتمل أن يستمر نهج النظام في الاعتقاد بأن تماسكه واستمراره يعتمد على الإجراءات المتشددة، لا سيما في ظل تنامي التوجهات المطالبة بالإصلاح، إذ يشهد النظام كل عامين تقريبًا موجة احتجاجية عنيفة يتقدمها الشباب، فالتظاهرات التي شهدتها البلاد على خلفية قضية مهسا أميني ليست ببعيدة، كما يستمر الضغط الاقتصادي بوصفه أحد العوامل الرئيسة التي تحرك البلاد، فضلًا عن غموض خلافة المرشد الحالي علي خامنئي، بعد الحديث عن صعوبات صحية تواجهه.

في المقابل، لن يكون للاختفاء المفاجئ للرئيس الإيراني ووزير خارجيته تأثير كبير في ملفات إيران الدولية والإقليمية، باعتبار أن الصوت الحاسم في مسائل الأمن القومي يكمن في المرشد الإيراني، وقيادات الحرس الثوري، لكن في حال صعود الأصوليين في مراكز السلطة المؤثرة عقب وفاة رئيسي، قد يرجح هذا احتمال استمرار التشدد الإيراني في المجال الخارجي، فالمفاوضات بشأن البرنامج النووي قد تتعقد، خاصة إذ فاز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة. وعلى غرار ذلك، تثار المخاوف المرتبطة بعملية تطبيع العلاقات بين إيران ودول الخليج، حيث اضطلع كل من رئيسي ووزير الخارجية السابق أمير عبد اللهيان بدور محوري في تقريب وجهات النظر، والضغط على المرشد الأعلى لإقناعه بأهمية الحفاظ على علاقات جيدة مع دول المنطقة، وخاصة السعودية، لا سيما أن المسؤول الحالي عن وزارة الخارجية، رغم قصر فترة توليه المنصب لمدة خمسين يوماً فقط، يأتي من خلفية تخصصه في الملف الإيراني النووي، المعروف بالنهج المتشدد والمتصلب.

ولعل المصير الأهم في سلسلة التكهنات بشأن تداعيات وفاة رئيسي، هو مستقبل الحرب الدائرة مع إسرائيل؛ إذ جاءت وفاة الرئيس الإيراني بعد شهرين من شن إيران أول هجوم مباشر في تاريخها على إسرائيل، حيث أطلقت خلاله أكثر من 300 صاروخ باليستي ومجنح ومسيرة؛ ردًا على ضربة جوية دمرت مقر القنصلية الإيرانية في دمشق في الأول من أبريل (نيسان) الماضي، وأسفرت عن مقتل سبعة من مسؤولي الحرس الثوري الإيراني، على رأسهم القيادي محمد رضا زاهدي، قائد تلك القوات في سوريا ولبنان، واتُهمت إسرائيل بتنفيذها.

 وبعد مصرع رئيسي، وما يُطرح خلال وسائل الإعلام الأجنبية، فإن موقع الحادث يشجع على الشكوك حول تورط إسرائيل في مقتل الرئيس الإيراني، إذ سقطت مروحية الرئيس الإيراني في غابة جبلية بالقرب من الحدود مع أذربيجان، وهي الدولة الأقل ودية بين جيران إيران، ويرجع ذلك- جزئيًّا- إلى أنها تحتفظ بعلاقات قوية مع إسرائيل، ولها تاريخ في التعاون مع الموساد؛ ومن ثم فإن حالة عدم اليقين السياسي الداخلي في إيران ستضيف إلى الغموض الموجود الآن بين إيران وإسرائيل بعدًا أكثر تعقيدًا في سياق نظرية المؤامرة.

الخاتمة

تكمن أهمية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في كونه يمثل المرحلة المقبلة من الخلافة، حيث تتجلى أهميته على نحو أكبر لمستقبل النظام السياسي الإيراني؛ لذا فرضت وفاته المفاجئة، والاختفاء من المشهد السياسي الإيراني، تحديات أمام ترتيبات المرشد الأعلى ومؤسساته لشكل النظام في المستقبل؛ يتمثل أولها في تولي السلطة السياسية. ومع أن نائب الرئيس يتولى السلطة في المرحلة الحالية، لكن سيتعين إجراء انتخابات جديدة في غضون 50 يومًا، وسيكون ذلك صعبًا جدًّا على مؤسسات النظام الإيراني؛ لأن النظام لا يحظى بشعبية كبيرة، خاصة في السنوات الأخيرة، والدليل على ذلك نسبة الإقبال المنخفضة قياسيًّا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة؛ ما يشير إلى أن البلاد ستشهد صراعًا محتدمًا على السلطة في ظل الغضب الشعبي، والاحتجاجات المستمرة في الشارع الإيراني.

أما التحدي الثاني فيرتبط بالتكهنات بشأن حادثة وفاة الرئيس الإيراني ووزير خارجيته، في ظل ما يتم تداوله حاليًا على منصات التواصل الاجتماعي عن فرضية المؤامرة، واتهام بعض المسؤولين الإيرانيين للولايات المتحدة وإسرائيل بمسؤوليتهما المباشرة أو غير المباشرة عن الحادث، ويعزز هذا التوترات والحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، وانعدام الثقة التي تحيط بالنظام الإيراني وأعدائه في المنطقة؛ ومن ثم فإن الكشف عن ملابسات الحادث قد يؤثر في المشهد السياسي للبلاد خلال المرحلة المقبلة، وقد يكون له علاقة بتحديد هوية من سيتولى السلطة خلفًا للرئيس الراحل إبراهيم رئيسي؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع