
وزير الخارجية المصري: الاتزان الإستراتيجي عقيدة مصرية.. والسلام مع إسرائيل إطار قانوني.. ورفض تهجير الفلسطينيين أنقذ القضية
حلّ الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، ضيفًا على معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة للمعرض، لمناقشة كتاب “الاتزان الإستراتيجي.. ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات”، الصادر عن وزارة الخارجية المصرية، في لقاء حواري أداره عمرو عبد الحميد، مدير مركز الدراسات العربية الأوراسية.
وخلال الندوة، قدّم وزير الخارجية عرضًا سياسيًّا وفكريًّا يشرح مرتكزات السياسة الخارجية المصرية في العقد الأخير، متوقفًا عند أبرز الملفات الإقليمية والدولية التي تعاملت معها مصر، وعلى رأسها العلاقات مع إسرائيل، والقضية الفلسطينية، والاستقطاب الدولي، وسد النهضة، وإعادة التموضع المصري في إفريقيا.
أكد وزير الخارجية أن العلاقات المصرية– الإسرائيلية يحكمها إطار قانوني واضح يتمثل في معاهدة السلام الموقعة في 26 مارس (آذار) 1979، مشددًا على أن مصر ملتزمة التزامًا كاملًا ببنود المعاهدة ما دام الطرف الإسرائيلي ملتزمًا بها.
وأوضح عبد العاطي أن هناك حرصًا متبادلًا من الجانبين على الحفاظ على معاهدة السلام باعتبارها ركيزة للأمن والاستقرار في المنطقة، مؤكدًا أن القاهرة تنفذ كل التزاماتها بدقة، وتتوقع التزامًا مماثلًا من الجانب الإسرائيلي.
وأشار إلى أن تمسك مصر بالاتفاقية لا ينطلق فقط من كونها التزامًا قانونيًّا دوليًّا؛ وإنما لأنها أيضًا تحقق المصلحة الوطنية المصرية، وتدعم الاستقرار الإقليمي.
وفيما يتعلق بحدود “الانخراط الكامل” في العلاقات، أوضح وزير الخارجية أن ذلك يرتبط بتطورات القضية الفلسطينية، وبالالتزام بالمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للسلام.

وخلال الندوة، خصّص وزير الخارجية مساحة كبيرة للحديث عن الموقف المصري من القضية الفلسطينية، مؤكداً أن أي مصري “شريف”، وكل عربي أو إنسان يؤمن بالمبادئ الإنسانية، يجب أن يشعر بالفخر بالموقف المصري الواضح والثابت الذي أرسته القيادة السياسية، وتمسك به الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وقال عبد العاطي إن الموقف المصري حال دون تصفية القضية الفلسطينية، موضحًا:
“لولا الموقف المصري لشهدنا التصفية الحقيقية للدولة الفلسطينية”.
وشدد على أن بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه هو جوهر القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن حق تقرير المصير ليس منحة من إسرائيل أو أي طرف آخر؛ وإنما حق أصيل كفلته الشرعية الدولية والقانون الدولي للشعب الفلسطيني.
وأكد الوزير المصري أن بلاده -رغم الإغراءات والضغوط- اتخذت موقفًا ثابتًا لا يتغير، وأنها لن تشارك في أي ظلم يقع على الشعب الفلسطيني، مشددًا على أن معبر رفح لن يكون إلا بوابة لدخول المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى قطاع غزة، وليس وسيلة لتهجير الفلسطينيين.
واختتم وزير الخارجية هذا المحور بتأكيده أن صلابة الموقف المصري كانت عنصرًا حاسمًا قائلًا:
“لولا صلابة الموقف المصري لكنا اليوم نتحدث عن المسمار الأخير في نعش القضية الفلسطينية”.
وفي محور السياسة الدولية، أكد عبد العاطي أن العالم يعيش حالة غير مسبوقة من الاستقطاب الدولي، وتعدد مراكز القوة، إذ تسعى قوى دولية إلى جذب الدول، خاصة المتوسطة الحجم، إلى صفوفها.
وأوضح أن مصر ترفض أي شكل من أشكال الاستقطاب، وتتبنى سياسة خارجية متوازنة تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لطرف واحد، مؤكدًا أن العلاقات مع الولايات المتحدة لا تمنع التعاون مع روسيا أو أي قوة دولية أخرى ما دام ذلك يخدم المصالح الوطنية المصرية.
وشدد وزير الخارجية على أن البوصلة الأساسية للسياسة الخارجية المصرية ستظل دائمًا هي المصلحة الوطنية.
وفي عرضه لمفهوم “الاتزان الاستراتيجي”، طرح عبد العاطي سؤالًا مركزيًّا:
هل هو عقيدة ثابتة أم مرنة بحسب الظروف؟
وأوضح أن الاتزان الإستراتيجي سياسة ثابتة تحكم السياسة الخارجية المصرية منذ عهود سابقة، لكن في عهد الرئيس السيسي أخذت منحى أكثر تحديدًا ووضوحًا، مع وجود قدر من المرونة تفرضه المتغيرات الدولية.
وأكد أن الاتزان لا يعني الحياد السلبي أو الإيجابي؛ بل يعني بناء علاقات وشراكات مرنة تخدم مصالح مصر دون ذوبان أو قطيعة، مضيفًا أن الدولة المصرية تقيم علاقات إستراتيجية مع كل الأطراف الفاعلة، وتهتدي فقط بالمصلحة الوطنية.
كما شدد على أن الاتزان لا يعني الانغلاق؛ بل يعني الانخراط المباشر، وأنه لا يقتصر على المستوى الدولي فقط؛ بل يمتد إلى المستوى الإقليمي، والأهم أنه يعني الإيمان بأن لا حلول عسكرية للأزمات الكبرى.

وفي واحدة من أبرز رسائله، أكد عبد العاطي أن الاتزان الإستراتيجي وعدم الانخراط في الاستقطاب يعنيان أيضًا الحفاظ على المؤسسات الوطنية؛ لأن البديل كارثي كما حدث في دول تفككت وسيطرت عليها الميليشيات والمنظمات غير الشرعية.
وأضاف أن الاتزان الإستراتيجي يفرض الدفاع “بشراسة” عن مبادئ القانون الدولي رغم ما يعتري النظام الدولي من اضطرابات، باعتباره يمثل الحد الأدنى من “الأمان الإقليمي والمصري”، كما شدد على رفض التدخل الخارجي، ومحاولات تقسيم الدول.
وفي رد على أسئلة الحضور، أكد وزير الخارجية أن مصر ستواصل دورها، ولديها الصبر الإستراتيجي، والاتزان الإستراتيجي لفرض رؤيتها، باعتبارها رؤية “حقيقية وعادلة” تتسق مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأوضح أن الاتزان هو القدرة على اتخاذ موقف ثابت ومتوازن في إقليم مضطرب وعالم مستقطب، دون الانجرار إلى صراعات أو محاور تضر بالمصلحة المصرية.

وفي محور بالغ الحساسية، تطرق عبد العاطي إلى ملف سد النهضة الإثيوبي، مؤكدًا أن أحداث 2011 أثرت سلبًا في مكانة مصر بإفريقيا، وأن حالة الفوضى التي تلتها أدت إلى إضعاف الدور المصري داخل القارة، وهو ما شجع إثيوبيا على “الجرأة” في إنشاء السد بقرار أحادي.
ووصف وزير الخارجية السد بأنه “كارثة حقيقية تهدد الأمن المائي المصري”؛ لأنه أُقيم دون مراعاة مبادئ القانون الدولي، وعلى رأسها الإخطار المسبق، وعدم التسبب في ضرر جسيم لدول المصب.
وأكد أن مصر خاضت مسارًا تفاوضيًّا امتد إلى أكثر من 13 عامًا، وأن موقفها ثابت وحازم دفاعًا عن حقوقها التاريخية، ومصالحها الوطنية.
وشدد على أن الأمن المائي المصري قضية وجودية، موضحًا:
“إذا صنفنا التهديدات التي تواجه الدولة المصرية، فإن التهديد الوجودي الحقيقي هو المياه؛ لأن مصر بدون مياه لا يمكن أن تستمر بها الحياة أو التنمية”.

وفي سياق ملف المياه وإفريقيا، أكد عبد العاطي أن مصر حققت خلال السنوات الأخيرة تقدمًا ملموسًا في إعادة التموضع داخل القارة الإفريقية، وتعزيز العلاقات مع دول حوض النيل.
وأشار إلى أن الاجتماع الأخير لدول حوض النيل شهد لأول مرة توافقًا على إعادة فتح الاتفاق الإطاري بما يحقق مصالح جميع الأطراف، معتبرًا ذلك مؤشرًا على تطور مهم في مسار العلاقات داخل الحوض.
جاءت مشاركة وزير الخارجية المصري في معرض القاهرة الدولي للكتاب لتؤكد أن “الاتزان الإستراتيجي” ليس عنوان كتاب فقط؛ وإنما مفهوم سياسي حاكم في إدارة مصر لعلاقاتها الخارجية خلال العقد الأخير، يقوم على الاستقلالية، وتوازن الشراكات، ورفض الاستقطاب، مع التمسك بثوابت الأمن القومي المصري، وعلى رأسها: القضية الفلسطينية، والأمن المائي، وحماية الدولة الوطنية.