تقدير موقف

ما الذي يستطيع ترامب تقديمه لبوتين مقابل إنهاء الحرب؟


  • 27 أكتوبر 2026

شارك الموضوع

نشرت مجلة إيكونوميست البريطانية على موقعها الإلكتروني، يوم الخميس، 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، تقريرًا عن تزايد الخلافات بين واشنطن وكييف بشأن تصورات إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية. وتناول التقرير مقترحات أمريكية تجمع بين ترتيبات عسكرية في دونباس، ومكاسب اقتصادية وسياسية لموسكو، مقابل ابتعاد أوكرانيا عن حلف شمال الأطلسي (الناتو).

بدايةً، ينبغي التأكيد أن ما عرضه التقرير يظل تصورًا محتملًا للتفاوض، وليس خطة نهائية وافقت عليها روسيا وأوكرانيا. فثمة فرق بين أفكار مطروحة للنقاش والتزامات تقبل الأطراف تنفيذها. والمسؤولون الأوكرانيون الذين تحدثوا عن المقترحات يعرفون ملامحها العامة، لكنهم لا يحيطون بجميع تفاصيلها.

كذلك، لا يتوافر، وفق المعلومات التي يعرضها التقرير، نص علني متكامل يحدد شروط الاتفاق، وما سيقدمه كل طرف، والجدول الزمني للتنفيذ؛ ولذلك فإن الحديث عن صفقة مؤكدة يتجاوز ما تتيحه هذه المعلومات.

أول المقترحات إنشاء منطقة منزوعة السلاح في دونباس. وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى أن المقصود هو الجزء الذي لا يزال خاضعًا للسيطرة الأوكرانية من مقاطعة دونيتسك، وليس منطقة تنسحب منها قوات الطرفين على جانبي الجبهة. وهذا فارق جوهري؛ لأن إخلاء المواقع الأوكرانية لا يعادل انسحابًا متبادلًا. كما لا تتوافر خريطة معلنة أو قواعد تفصيلية تحدد القوات التي ستنسحب، والجهة التي ستتولى المراقبة، وآلية إدارة المنطقة.

ويتضمن التصور أيضًا تخفيف العقوبات على روسيا، وإبرام صفقات مع شركات أمريكية، واستعادة العلاقات السياسية مع واشنطن. غير أن هذه العناصر تُطرح بوصفها حوافز محتملة، وليست التزامات منشورة أو اتفاقات نافذة. ولا يتضح ما إذا كان تنفيذها سيبدأ قبل وقف القتال أم بعده، أو ما الشروط المرتبطة بها. ومن ثم، لا يمكن الاستنتاج أن بوتين وافق على هذه الصيغة، أو أن واشنطن وموسكو اتفقتا على الالتزامات الروسية المقابلة.

على الجانب الأوكراني، يدور الحديث عن التخلي عن السعي إلى عضوية الناتو، مقابل استثمارات وإمكان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مستقبلًا. وهنا تبرز مسألة تتعلق بحدود ما تستطيع واشنطن تقديمه لكييف؛ فالولايات المتحدة تستطيع دعم انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها لا تملك ضمانه نيابةً عن الدول الأعضاء، ولا تجاوز إجراءات الانضمام والتصديق على معاهدته. فالدعم الأمريكي مسألة، وضمان العضوية مسألة أخرى.

ومن بين المقترحات كذلك إعادة تشغيل مشروع نورد ستريم. وقد سبق طرح هذه الفكرة في سياق الحديث عن اتصالات اقتصادية أمريكية روسية، شملت بحث مشاركة مستثمر أمريكي في المشروع. غير أن تداول الفكرة إعلاميًا لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات وجود اتفاق بشأنها، أو تحديد مدى تقدم المحادثات المرتبطة بها.

كما أن مناقشة المشروع لا تعني الموافقة على تنفيذه؛ إذ يتطلب استئناف تشغيله موافقات حكومية وترتيبات قانونية وتجارية وفنية، لا تستطيع واشنطن وموسكو حسمها بمفردهما.

ويضاف إلى ذلك قيد قانوني أوروبي؛ فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي، في يناير (كانون الثاني) 2026، حظرًا تدريجيًا على واردات الغاز الروسي، يصل إلى الحظر الكامل للغاز الطبيعي المسال مع بداية عام 2027، ولغاز الأنابيب في خريف العام نفسه، مع فترات انتقالية للعقود القائمة. ومن ثم، فإن استئناف هذه التجارة على نحو مستدام يتطلب تعديل القواعد الأوروبية ذات الصلة. ولا يكفي لذلك اتفاق أمريكي روسي، كما أن تخفيف العقوبات الأمريكية لا يلغي القيود الأوروبية تلقائيًا.

أما الموقف الروسي، فينبغي التمييز فيه بين الاستعداد للعودة إلى التفاوض وقبول البنود المتداولة. وحتى إذا أظهرت الاتصالات الأخيرة، ومنها زيارة ستيف ويتكوف إلى سانت بطرسبورغ، استعدادًا لاستئناف المحادثات، فإن ذلك لا يثبت الموافقة على اتفاق بعينه.

وحديث بوتين عن تسوية نهائية وترتيبات لأمن روسيا وأوكرانيا والأمن الأوروبي يحدد، في تقديري، الموضوعات التي تريد موسكو مناقشتها. لكنه لا يعني موافقتها على إنشاء منطقة منزوعة السلاح، أو تقديم تنازلات إقليمية في الأراضي التي تسيطر عليها، أو قبول صفقة اقتصادية مقابل وقف الحرب. فالخلط بين قبول التفاوض وقبول الاتفاق يعطي انطباعًا بتقدم لم يثبت تحققه بعد.

وفي السياق نفسه، يظل وصف الحملة الشتوية المقبلة بأنها ستكون الأكثر تدميرًا منذ بداية الحرب تقديرًا لما قد يحدث. فاستمرار استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية يوفر أساسًا لتوقع شتاء صعب، لكنه لا يثبت مسبقًا أن العمليات المقبلة ستتجاوز جميع ما سبقها من حيث التدمير.

كذلك، لا يحسم الاستعداد العسكري نيات التفاوض؛ فقد تستخدمه موسكو لتحسين شروطها، أو لمواصلة الحرب إذا لم تحصل على ما تريده.

تقوم الفكرة الأمريكية المفترضة، إذن، على جعل وقف الحرب أكثر فائدة لموسكو من استمرارها، من خلال ربط الترتيبات الأمنية بمكاسب اقتصادية وسياسية. لكن نجاحها سيتوقف على قدرة إدارة ترامب، بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، على تنفيذ ما تعرضه، وعلى استعداد الكرملين لتقديم التزامات مقابلة.

فإذا حصلت موسكو على تخفيف للضغوط قبل الاتفاق على التزامات واضحة وقابلة للقياس، فقد تتحسن قدرتها على مواصلة الحرب، بدلًا من أن تزداد رغبتها في إنهائها.

ولا يمكن الحكم على المنطقة المنزوعة السلاح من تسميتها وحدها؛ فالانسحاب المتبادل، تحت رقابة فعالة، يختلف عن انسحاب أوكراني من مواقع دفاعية من دون خطوة روسية مماثلة. وفي الحالة الثانية، قد تخسر كييف مواقع مهمة من دون ضمان يمنع تقدمًا روسيًا لاحقًا. لذلك، فإن حدود المنطقة، وتسلسل الانسحاب، والجهة المكلفة بالمراقبة، وآليات التعامل مع الخروقات، هي العناصر التي تحدد أثرها الفعلي في الأمن وميزان القوة.

وبالنسبة إلى بوتين، تتمثل المكاسب المحتملة في إبعاد أوكرانيا عن الناتو، وتخفيف العقوبات، واستعادة العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الولايات المتحدة. لكن ما ستقدمه موسكو في المقابل لا يزال غير واضح: هل ستقبل وقف العمليات عند خط التماس الحالي، أم ستواصل المطالبة بأراضٍ لا تسيطر عليها؟ وهل ستقبل ترتيبات تمنح أوكرانيا ضمانات أمنية شبيهة بتلك المنصوص عليها في المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي؟ وهل ستوافق على رقابة خارجية على تنفيذ الاتفاق؟ وإذا وافقت، فأي دول ستشارك فيها؟

يبدأ تقييم المقترحات التي يعرضها تقرير إيكونوميست من تقديم إجابات واقعية عن هذه الأسئلة؛ فالمكاسب الاقتصادية وحدها لا تصنع اتفاقًا قابلًا للاستمرار من دون التزامات عسكرية وسياسية متبادلة.

وقبل ذلك كله، لا تغني الوعود الأمريكية عن موافقة الأوروبيين على المسائل التي تدخل ضمن صلاحياتهم. فحتى مع تفاوت قدرتهم على التأثير واعتمادهم الأمني على واشنطن، تظل لهم أدوار مباشرة في العقوبات، وسياسات الطاقة، وانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. كما تبقى قدرة الإدارة الأمريكية على تنفيذ تعهداتها مرتبطة بمواقف المؤسسات المعنية داخل الولايات المتحدة.

أما وقف القتال، على الرغم من احتمال التوصل إليه، فيحتاج إلى ضمانات تحد من خطر تجدده؛ وإلا فقد يتحول إلى هدنة مؤقتة تسبق جولة أشد من الحرب.

وعليه، تظل الأسئلة الحاسمة: ما الذي سيقدمه بوتين مقابل المكاسب المعروضة عليه؟ ومن يستطيع ضمان أمن أوكرانيا؟ وما الذي يستطيع ترامب تنفيذه فعلًا؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع