تقدير موقف

من يملك حق تفسير الشرعية في العصر الأمريكي الجديد؟!

“مارينيرا” في أعالي البحار.. من يمنح الشرعية؟ القانون الدولي أم قضاء ترمب؟


  • 8 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: rnz.co.nz

كتبتُ صباح أمس، 7 يناير (كانون الثاني) 2026، تعليقًا مختصرًا على خبر قرأته في موقع “وول ستريت جورنال”، عن أن روسيا أرسلت غواصة وسفنًا بحرية لمرافقة ناقلة النفط “مارينيرا” قبالة سواحل فنزويلا.

هذه الناقلة كانت تحمل اسم “بيلا- 1” Bella- 1))، قبل أن تمنحها السلطات الروسية ترخيصًا مؤقتًا وهي في عرض البحر، وتسمح لها بالإبحار تحت العلم الروسي؛ على أمل أن يردع ذلك قوات ترمب عن مطاردتها.

في تعليقي قلت إننا لسنا بصدد الحديث عن مجرد حدث بحري، وذلك لعدة أسباب، أهمها -في رأيي- كان أولًا، منطق واشنطن في مطاردة واعتراض ناقلة في مياه دولية تحت ذريعة عقوبات أحادية. وقلت إن ذلك يعكس نية ترمب وواشنطن الجدية في التعامل بمنطق البلطجة عن طريق محاولة فرض واقع عملي، قبل أن تكون هناك قرارات قانونية دولية تسمح بهذا الفعل.

ما أقصده هو أن المطاردة الأمريكية للناقلة الروسية لم يكن تطبيقًا لعقوبات أقرها القانون الدولي من خلال منظمات الأمم المتحدة؛ بل لقرار قضائي أمريكي محلي.

لكن ما حدث مساء اليوم نفسه، أي أمس 7 يناير (كانون الثاني)، حيث أقدمت القوات الأمريكية على اختطاف السفينة بعد مطاردة استمرت أسبوعين، لا يمكن اعتباره إلا سابقة تضع النظام الدولي كله أمام سؤال مهم: هل يمكن إنفاذ عقوبات أحادية باستخدام القوة البحرية في أعالي البحار؟ وهل حرية الملاحة والولاية القضائية، ومن ثم السيادية للدول، تظل سابقة على أوامر القضاء الداخلي، أي المحلي؟

وهذا سؤال مهم؛ لأن الإجابة عنه تدلنا على الشكل الذي ستكون عليه القواعد التي ستحكم الفعل الدولي في البحار والمياه الدولية؛ لأنه إذا فُرِضَ هذا النموذج، أي تنفيذ الإجراء القهري أولًا، ثم التبرير القانوني له لاحقًا، وقبلته الدول، بسبب قوة الدولة التي تفرضه، أو الخوف منها، فإن نطاقه -في رأيي- لن يتوقف عند الأطلسي، ولا عند فنزويلا.

الخطاب الرسمي الروسي -حتى لحظة كتابة هذه السطور، 8 يناير (كانون الثاني) 2026- تعامل مع الواقعة من خلال ثلاث أدوات؛ بداية، وعن طريق بيان رسمي شديد اللهجة لوزارة النقل، ذكرت بأن “مارينيرا” حصلت على تصريح مؤقت للإبحار تحت العلم الروسي في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2025، وهي بذلك تستدعي نصوص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، التي تنص –بوضوح- على حرية الملاحة في أعالي البحار، ثم عبر بيان مقتضب لوزارة الخارجية الروسية، وبلغة خجولة -في رأيي- نقلت النقاش إلى مساحة حقوق المواطنين الروس على متن السفينة، وضرورة معاملتهم معاملة إنسانية، وهو ما بدا لي رد فعل بعيدًا تمامًا عن الحدة المطلوبة في ظل حادثة مثل التي نحن بصددها.

رد الفعل الحاد مطلوب في مثل هذه الحالات، لكن قد يكون ليس لدى موسكو أدوات الردع الكافية التي تستطيع بها الانتقال سريعًا من خطاب الشرعية والقانون إلى خطاب القوة بالسرعة نفسها التي تتحرك بها واشنطن وترمب.

بالطبع موسكو لا تعجز ولم تعجز عن الإدانة، لكنها تعجز عن تفعيل الرد المباشر دون كلفة ما؛ ولذلك يبدو أنها اختارت -حتى الآن على الأقل- شرعية بلا احتكاك مباشر، فضلًا عن احتكاك عنيف، وخصوصًا بلا تفويض أممي.

لكن الخطر لروسيا في هذا الموقف ليس في مسألة احتجاز ناقلة واحدة، ولكن في إمكانية أن تتحول هذه الحادثة إلى سابقة قانونية وأمنية قابلة للتعميم؛ لأن وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغسيث”، خلال تصريحاته أمس بعد اجتماع الكونغرس، وكذلك قيادة القوات الأمريكية في المنطقة الأوروبية، التي اختطفت عناصرها السفينة، برّرا العملية بالاستناد إلى أمر قضائي داخلي، وبتنسيق قضائي وأمني ودفاعي أمريكي، وليس استنادًا إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي.

وهذا الوضع يخلق نموذجًا جديدًا؛ بمعنى أن محكمة أمريكية، أي القضاء الأمريكي المحلي، يمنح الشرعية، والمياه الدولية تصبح ساحة التنفيذ، والتحالف بين السلطات الأمريكية يمنح الغطاء القانوني لهذا الفعل.

أما المعيار الأممي الذي تنص عليه اتفاقية الأمم المتحدة التي أشرت إليها أعلاه، فيفترض أن القوة لا تستخدم في أعالي البحار ضد سفن تحمل تسجيلًا سياديًّا أصوليًّا دون قرار أممي مناسب، وذي صلة.

وهنا تكمن نقطة التماس: مَن يملك تعريف الشرعية؟ وليس مَن يملك السفينة؟

فإذا أمكن احتجاز ناقلة روسية في مياه دولية محايدة بناء على حكم محكمة فيدرالية أمريكية، فما الذي يمنع احتجاز ناقلات أخرى تحمل النفط الروسي وتبحر في بحر البلطيق تحت ذريعة خرق العقوبات الغربية المفروضة على روسيا نفسها قياسًا على هذه الحالة، حيث ينفذ الأمريكان -كما يقولون- عقوبات أحادية فرضوها هم على النفط الفنزويلي.

لدى روسيا -حسب آخر المعلومات التي اطلعت عليها- أكثر من 500 ناقلة نفط مدرجة فعليًّا على قوائم عقوبات أمريكية وغربية، ليس بسبب النفط الفنزويلي؛ بل بسبب النفط الروسي نفسه.

إذن التكييف القانوني الذي استخدمه ترمب ورجاله لا يستهدف “مارينيرا”، أو “بيلا-1” سابقًا؛ بل يفتح الباب واسعًا لتطبيق عقوبات بحرية بالقوة على أي ناقلة تراها واشنطن جزءًا من منطقة رمادية تخترق القيود.

المفارقة أن موسكو -حتى هذه اللحظة- لم تذهب إلى لغة متماثلة؛ فوزارتا النقل والخارجية الروسيتان تصران على معادلة مغايرة، وهي أن حرية الملاحة الدولية لا يمكن إلغاؤها بعقوبات أحادية، ولا تقاس السيادة بأمر محكمة داخلية، ولو كانت أمريكية، بل يجب أن يكون هناك تفويض دولي أممي واضح.

الصحف الروسية الكبرى، مثل كوميرسانت، وفيدوموستي، وآر بي كا، التي اطلعت على ما كتبته من تحليلات وما ذكرته من تعليقات على هذه الحادثة، كلها تقول -في سياقات متقاربة- إن موسكو تفضل تثبيت مبدأ أن الشرعية لا تُستخرج من فوهة المدفع؛ ولكن من نصوص الاتفاقيات الأممية، وإن امتلكت الدولة قوة الرد.

لكن هذه الحيادية القانونية الروسية -في رأيي- لا تقدم موسكو في أفضل صورة؛ فهذا معناه أن موسكو والكرملين وبوتين يمكنهم أن يعترضوا كما يشاءون، أما واشنطن وترمب فبيدهما قوة التنفيذ، وتنفيذ ما يريانه في مصلحتهما، في حين لا توجد حتى الآن آلية محايدة يمكن من خلالها التحقق هل هناك فعلًا خرق للعقوبات، أو شرعية الاعتراض عليها في مياه محايدة؟

وختامًا أقول إن عام 2026 يبدأ بصراع على مَن يملك تعريف الشرعية قبل تعريف التسوية والاتفاق.

وإذا قُبِلَ هذا النموذج اليوم على الطريقة الترمبية، بمعنى التنفيذ أولًا ثم الشرعية لاحقًا، فقد لا يبقى غدًا للبحر معيار محايد.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع