
أنهى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أسبوعه في نيويورك، بعد المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، باتهام الدول الغربية، بصريح العبارة، بأنها لم تكتف بتسليح أوكرانيا بمختلف أنواع الأسلحة، بل تساعدها أيضا بصورة مباشرة في توجيه المسيرات والصواريخ نحو أهداف حيوية داخل روسيا.
وجاءت اتهامات لافروف من على منبر الأمم المتحدة في كلمته أمام الجمعية العامة يوم السبت 26 سبتمبر (أيلول) 2026، قبل أن يعقد في اليوم نفسه مؤتمرا صحفيا كبيرا تناول فيه بصورة أوسع المواجهة مع الغرب والحرب في أوكرانيا. ورغم حدة خطابه، أكد أن موسكو لن تكون البادئة بحرب مع أوروبا.
وحذر لافروف الأوروبيين من أن استعدادهم المتزايد لمواجهة عسكرية مع روسيا قد يتحول إلى “نبوءة ذاتية التحقق”.
وبين هذين الموقفين للدبلوماسي الروسي المخضرم، أي اتهام الغرب بالمشاركة المباشرة في توجيه الصواريخ والمسيرات الأوكرانية لضرب العمق الروسي، ونفي أن تكون روسيا تنوي البدء بحرب مع أوروبا، تتحدد أمامنا واحدة من أخطر مناطق الحرب الأوكرانية منذ اندلاعها في فبراير (شباط) 2022. وأقصد بذلك الحد الفاصل شديد الدقة بين دعم أوكرانيا بالسلاح والمعلومات والإحداثيات وغيرها، والمشاركة الغربية المباشرة في العمليات العسكرية.
لم يعد هذا الأمر نظريا كما كان قبل ثلاثة أعوام أو حتى عامين. ففي 20 سبتمبر (أيلول) الجاري، وصلت إلى أعماق روسيا، وباتساع جغرافي غير مسبوق داخل إقليم الدولة الروسية مترامية الأطراف، موجة من المسيرات والصواريخ الأوكرانية ضربت موسكو ومقاطعات روسية عدة، واستهدفت مجددا منشآت مهمة للطاقة في العاصمة وضواحيها، من بينها مصفاة كابوتنايا. وأفادت وكالة رويترز لاحقا، نقلا عن مصادر في قطاع الطاقة الروسي، بأن المصفاة أوقفت معالجة النفط الخام بعد تضرر وحدتي التقطير الرئيسيتين، وأن الإصلاحات اللازمة قد تستغرق أسابيع.
وقبل ذلك، دفعت الضربات الأوكرانية عددا من المصافي الروسية الكبرى إلى خفض الإنتاج أو وقفه. وبالتالي، لم يعد بإمكاننا وصف “حرب العمق” هذه بأنها مجرد استعراض أوكراني للقدرة على إيصال المسيرات إلى مئات الكيلومترات وراء خطوط الجبهة، كما كان الحال في الفترات الأولى من دخول المسيرات على خط الحرب. فقد أصبحنا نرى بصورة متكررة أن هذه المسيرات توجه ضربات مؤلمة إلى منظومة الطاقة والنقل والإمدادات، فضلا عن تأثير ذلك في ارتفاع أسعار كثير من السلع داخل روسيا.
وفي هذا المناخ الملبد بغيوم الغضب الروسي الداخلي، عادت إلى التداول الإعلامي عبارة قديمة لبوتين، قالها في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 خلال مشاركته في منتدى فالداي الدولي للحوار، حين كان يشرح الأسباب التي أدت إلى التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا.
قال بوتين حينها: “إذا أدركت أن العراك حتمي، فلتكن أنت البادئ بالضربة الأولى”، ووصفها بأنها قاعدة تعلمها في مراهقته وشبابه المبكر في شوارع وحواري لينينغراد، بطرسبورغ حاليا ومسقط رأسه، ورسخت في ذهنه إلى الأبد.
وكان للعبارة، عندما قالها بوتين آنذاك، غرض واضح؛ فقد ارتبطت بمنطق مواجهة الجماعات المسلحة المتطرفة داخل سوريا قبل وصول خطرها إلى الداخل الروسي. وكان يقاتل في صفوف تلك الجماعات عدة آلاف من أبناء شمال القوقاز وآسيا الوسطى، ورأت موسكو أنهم قد يستخدمون، عاجلا أو آجلا، في زعزعة الاستقرار داخل روسيا واستهدافها.
وبالطبع، لا ينبغي التعامل مع هذه العبارة باعتبارها إعلانا عن عقيدة عسكرية جديدة، أو تفويضا مفتوحا للضربات الاستباقية. لكن أهميتها، في رأيي، تكمن في شيء آخر؛ فقد كشفت عن الطريقة التي ينظر بها بوتين إلى اللحظة التي ينتقل فيها الخطر من مرحلة يمكن احتواؤها إلى مواجهة يعتبرها حتمية، وعندها قد يصبح الانتظار أكثر خطورة من المبادرة بالعراك.
بعد أحد عشر عاما على هذه العبارة، من المفهوم أن الجغرافيا والخصم وحجم المخاطر أصبحت مختلفة جذريا. روسيا الآن ليست أمام مواجهة مع جماعات مسلحة في سوريا، بل أمام أوكرانيا، الدولة التي تتلقى دعما عسكريا واستخباراتيا وتقنيا هائلا ومستمرا من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فضلا عن دول أخرى في المعسكر الغربي.
لذلك، أرى أن استدعاء الإعلام الروسي لقاعدة “عراك لينينغراد” حرفيا هذه الأيام يمثل تبسيطا مخلا للمشهد الحالي. لكن الأهم بالنسبة إلي هو ما وراء هذا الاستدعاء في هذا التوقيت: هل يقترب الكرملين وبوتين بالفعل من إعادة تعريف طبيعة الحرب في مرحلتها الحالية وحدود الأطراف المنخرطة فيها؟
وقد رأيت في تعابير وجه الرئيس الروسي، خلال حديثه مع الصحفيين الروس مساء الجمعة 25 سبتمبر (أيلول) الجاري في مدينة بطرسبورغ، بعد إلقائه كلمة مقتضبة في منتدى حوار الثقافات المتحدة، غضبا وحنقا شديدين تجاه أوكرانيا وما قامت به من استهدافات خلال أيام الانتخابات البرلمانية.
وبرر بوتين الرد العسكري الروسي الشديد على الضربات الأوكرانية بالقول، بمعنى كلامه: هل نمارس هنا ألعاب أطفال؟ ماذا كانوا ينتظرون منا؟ وذهب أبعد من ذلك بالتشكيك في مسار التفاوض الذي جاء ويتكوف وكوشنر أخيرا من أجل استئنافه.
واسمح لي أن أهمس في أذنك، عزيزي القارئ، وأقول لك، كمراقب من على بعد خطوات من الكرملين أحاول تحري الموضوعية قدر الإمكان وفهم التصور والموقف الروسي، إن الكرملين حافظ حتى الآن على خط فاصل في خطابه الرسمي. فهو يتهم الولايات المتحدة والدول الأوروبية بتسليح أوكرانيا وتزويدها بالمعلومات الاستخباراتية وإحداثيات المواقع والأهداف الحيوية والمعدات والتقنيات والآليات العسكرية، لكنه، مع ذلك، لم يعلن أن حالة حرب قائمة بين روسيا وحلف الناتو.
بل إن لافروف، الذي يبدو أن صبره قد نفد تماما مقارنة ببوتين، قال في واحد من أكثر تصريحاته حدة خلال وجوده في نيويورك إن أوروبا هي التي تستعد للحرب، وإن روسيا لن تكون الطرف الذي يبدأ الهجوم.
وهذه العبارة في حد ذاتها، ومن جانب الدبلوماسي الروسي المخضرم، تضع قيدا على القراءة المباشرة لمقولة “اضرب أولا” المستدعاة من شوارع لينينغراد. وبوتين نفسه أكد، خلال تصريحاته الصحفية المشار إليها يوم 25 سبتمبر (أيلول) الجاري، أن روسيا لا تستعد ولا ترغب في الحرب مع أوروبا، ولا ترى أن ما يفعله الأوروبيون حتى الآن وصل إلى النقطة الحرجة التي تستدعي توجيه ضربة.
إذن، ترفع موسكو مستوى التهديد بغرض الردع، لكنها لم تعلن حتى الآن الانتقال إلى منطق الحرب الوقائية ضد أوروبا.
لكن هل يعني ذلك أن الحرب غير ممكنة أو بعيدة؟ لا أعتقد ذلك. فطبيعة الحرب الحديثة، من واقع ما نتابعه يوميا، بل وكل ساعة تقريبا، في الحربين الأوكرانية والإيرانية، تظهر أن الحفاظ على هذا الخط الفاصل بالغ الصعوبة. فالمسيرة التي تنطلق من الأراضي الأوكرانية قد تكون أوكرانية الصنع، لكن تشغيلها بكفاءة يعتمد على منظومات اتصال واستطلاع ومعلومات غربية واسعة.
والتعاون الاستخباراتي الأمريكي–الأوكراني، رغم كل الضوضاء السياسية المحيطة بعلاقة ترامب وكييف، مستمر. وتشير تقديرات متداولة إلى أن نسبة كبيرة من المعلومات الاستخباراتية والإحداثيات التي يستخدمها الجيش الأوكراني في استهداف القوات والمنشآت الروسية تأتي من دعم استخباراتي أمريكي.
وقد التقى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف مع زيلينسكي في مطار صغير بأيرلندا أثناء توجه الأخير إلى نيويورك يوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري، ولم يكشف حتى الآن عن مضمون اللقاء. ومن ثم، فإن وجود التعاون الاستخباراتي ثابت، لكنه لا يكفي في حد ذاته للقول إن الولايات المتحدة تختار أهداف الهجمات الأوكرانية داخل روسيا أو تدير تنفيذها، ما لم تظهر أدلة موثقة على ذلك.
وتظل المسافة بين الأمرين كبيرة، وهي بالضبط المسافة التي يمكن أن تحدد مستقبلا، وربما قريبا، مستوى الرد الروسي.
وقد بدأت موسكو في تضييق هذه المسافة في خطابها السياسي. فالكرملين صرح يوم الأحد 27 سبتمبر (أيلول) 2026، على لسان متحدثه الرسمي دميتري بيسكوف، بأن العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة ليست في أفضل حالاتها. وسبق ذلك اتهام لافروف، من على منبر الأمم المتحدة في اليوم السابق، الغرب بتسليح أوكرانيا ومساعدتها في توجيه المسيرات والصواريخ نحو أهداف وبنى داخل روسيا.
ويمثل هذا الوصف خطوة أبعد من مجرد القول إن الغرب يسلح أوكرانيا.
وهذا التغير في المفردات التي يستخدمها الروس لتوصيف أفعال الغرب يستحق المتابعة؛ لأنه ينطوي على تحديد للمسؤولية، وتعريف المسؤولية عادة ما يسبق تحديد طبيعة الرد.
ومع ذلك، ومن واقع التصريحات الأمريكية، يمكن القول إن واشنطن ليست مرتاحة تماما إلى نتائج استراتيجية ضرب العمق الروسي التي أعلنها زيلينسكي في مطلع يوليو (تموز). فمنذ أسبوع أو أكثر بقليل، طلب ترامب من زيلينسكي وقف ضرب منشآت الديزل الروسية، بعدما ساهم تراجع الإمدادات الروسية، بالتزامن مع حرب إيران واضطرابات إمدادات الشرق الأوسط، في زيادة الضغوط على أسواق الوقود.
ومع ذلك، أقول إن موسكو، إذا خلصت إلى أن دولة غربية لم تعد توفر السلاح أو المعلومات الاستخباراتية فقط، وإنما تشارك بصورة مباشرة في اختيار أهداف داخل روسيا أو في تشغيل السلاح المستخدم ضدها، فعندها قد يجد بوتين نفسه مضطرا إلى تغيير توصيف الخصم نفسه، وسيصبح النقاش الروسي حول حق الرد خارج الأراضي الأوكرانية أكثر جدية من مجرد تهديد هدفه الردع.
وتقول الوقائع المتاحة حتى لحظة كتابة هذه السطور إنه لا توجد أدلة دامغة وعلنية على اتخاذ قرار روسي من هذا النوع. كما يشير استمرار الاتصالات مع واشنطن، رغم التصريحات شديدة اللهجة والاتهامات المتبادلة، إلى أن هناك محاولة روسية لا تزال تسعى إلى منع الوصول إلى هذه المرحلة.
وقد يكون مرد ذلك إلى خصوصية التعامل الروسي الحالي مع الولايات المتحدة مقارنة بأوروبا. ففي الوقت الذي رفع فيه لافروف سقف خطابه تجاه الحكومات الأوروبية، أكد أن روسيا لا تزال مستعدة للعودة إلى ما تسميه تفاهمات أنكوريج بين بوتين وترامب في ألاسكا العام الماضي. واتهم الأوروبيين، في الوقت نفسه، بمحاولة تعطيل المسار الأمريكي للتسوية، بينما لا تزال موسكو تبقي قنوات الاتصال مع مبعوثي ترامب، ويتكوف وكوشنر، مفتوحة.
وبهذا، يمكن القول إن السياسة الروسية تتحرك في مسارين متوازيين: أولهما رفع سقف التهديد والتحذير، ومن ثم الردع، تجاه الأوروبيين؛ والثاني محاولة الإبقاء على إمكانية التفاهم مع الولايات المتحدة، بحيث إذا وصلت الأمور إلى نقطة اللاعودة في التعامل مع الأوروبيين، تظل هناك إمكانية لتحييد التدخل الأمريكي المباشر إلى جانبهم.
موسكو اليوم لا تتعامل مع الغرب باعتباره كتلة سياسية واحدة متجانسة تماما. فهي تحاول الفصل بين واشنطن، التي ترى إمكانية الوصول معها إلى تفاهم، وعواصم أوروبية تتهمها بالسعي إلى إفشال أي تسوية روسية–أمريكية، وإطالة الحرب وإنهاك روسيا عسكريا واقتصاديا وإضعافها اجتماعيا، وصولا إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بها.
لهذا كله أقول إن “قاعدة عراك شوارع لينينغراد” لا تعود اليوم في صورتها البسيطة: إذا كان العراك حتميا، فوجه أنت اللكمة الأولى. فالمسألة التي تتحرك تحت سطح الأحداث الآن هي اللحظة التي قد يتغير عندها تقدير بوتين لطبيعة العراك نفسه.
حتى الآن، أرى أن الخطاب الروسي الرسمي لا يزال دون هذه العتبة، لكن هذا الحساب قد يتغير إذا رأت القيادة الروسية ما تعتبره دليلا قاطعا على مشاركة دولة في حلف الناتو بصورة مباشرة في اختيار أهداف داخل روسيا وتنفيذ الهجمات عليها. وقد يحدث ذلك، في رأيي، إذا أنتجت ضربات العمق أضرارا استراتيجية يصعب على الكرملين استيعابها اقتصاديا وسياسيا، أو إذا فقد بوتين الثقة تماما في قدرة القنوات المفتوحة مع ترامب وواشنطن على التحكم في التصعيد.
وعند هذه النقطة، أيها السادة القراء، ستكتسب عبارة بوتين القديمة عن عراك شوارع لينينغراد معنى مختلفا. فلن تكون مجرد حكاية من حواري لينينغراد استعادها رئيس روسيا قبل أحد عشر عاما ليفسر تدخله العسكري في سوريا، بل قد تتحول إلى ترجمة عملية لطريقة تفكير تصبح ذات صلة بقرار سياسي وعسكري بالغ الخطورة على العالم بأسره.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير