مقالات المركز

ليبيا في مهب الريح.. بين صراع النفوذ واستهداف الشرايين الاقتصادية


  • 20 أغسطس 2026

شارك الموضوع

إن الصراع وغياب الاستقرار في ليبيا اليوم ناتجان عن الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2011 بهدف تغيير النظام، حيث تسبب الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون في تدمير البنى السياسية والأمنية في ليبيا، وساهما في حالة التفتت التي شهدتها البلاد لاحقا.

ومنذ مقتل القائد الليبي السابق معمر القذافي، ظلت ليبيا أسيرة دورة من الصراع الداخلي والانقسام السياسي والشرذمة المؤسسية. وتحولت البلاد بشكل متزايد إلى ساحة للتنافس الدولي والإقليمي، مدفوعة بموقعها الجغرافي الاستراتيجي القريب من أوروبا، وقبل كل شيء بمواردها الطبيعية الهائلة، ولا سيما النفط والغاز.

وسعت القوى الخارجية إلى بناء علاقات مع الفصائل الليبية المتنافسة في محاولة لتعزيز مصالحها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. ونتيجة لذلك، تشابكت الانقسامات المحلية في ليبيا مع المنافسات الإقليمية والدولية الأوسع نطاقا، ما جعل المسار نحو دولة موحدة أكثر تعقيدا.

تركيا ترى مؤشرات إيجابية في محادثات التوحيد

صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأنه تكون لديه انطباع إيجابي بشأن المفاوضات الهادفة إلى توحيد شرق ليبيا وغربها، مؤكدا أن أنقرة ستواصل أداء ما وصفه بالدور البناء كوسيط.

وفي حديثه إلى الصحفيين في 12 أغسطس (آب) بمدينتي طرابلس وبنغازي، قال فيدان: «للأسف، شهدنا فترة مضطربة للغاية في ليبيا منذ بداية الثورة على مدى السنوات الـ15 الماضية».

وأشار فيدان أيضا إلى النشاط العمراني المتزايد في كل من طرابلس وبنغازي، مبرزا دور شركات المقاولات التركية في المشروعات الكبرى، ومعربا عن أن هذا التطور يمثل دليلا على تعزيز التعاون الثنائي بين تركيا وليبيا.

ومع ذلك، وتحت سطح هذه التطورات الدبلوماسية والاقتصادية، لا تزال ليبيا منقسمة بعمق سياسيا وعسكريا ومؤسسيا.

مقتل اللواء فوزي المنصوري

كان مقتل اللواء فوزي المنصوري في 10 أغسطس (آب) أكبر بكثير من مجرد اغتيال مسؤول عسكري رفيع المستوى في شرق ليبيا.

فقد تولى المنصوري قيادة منطقة سبها لسنوات قبل أن يصير رئيسا للاستخبارات العسكرية. وقد قتل في بنغازي في وقت كانت تتزايد فيه التساؤلات حول شبكات نقل الأسلحة والوقود عبر الصحراء الكبرى باتجاه السودان وتشاد.

فهل كان المنصوري يمتلك معلومات حول هذه الشبكات، أم أن اغتياله كان مرتبطا بنزاع آخر على النفوذ الاستخباراتي والسيطرة؟

وظلت السلطات في شرق ليبيا صامتة إلى حد كبير بشأن دوافع القتل والمسؤولين عنه. ومع ذلك، يعتقد المراقبون والمحللون أن الاغتيال قد يكون مرتبطا بصراعات القوة الداخلية، والتنافسات السياسية والأمنية، والتقاطعات الإقليمية، أو شبكات تهريب الأسلحة وطرق الإمداد اللوجستي التي يزعم أنها تدعم قوات الدعم السريع في السودان.

ومن جانبه، قال الجيش الوطني الليبي إنه «لن يتوقف عن مكافحة الإرهاب»، وسيواصل جهوده لتحقيق الاستقرار والأمن وتوحيد المؤسسات الليبية.

هجمات الطائرات المسيرة تهدد قطاع النفط الليبي

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، يوم الثلاثاء، أن طائرة مسيرة استهدفت مجمع مصفاة الزاوية للنفط، وهي أكبر مصفاة عاملة في البلاد، ما يمثل الهجوم الخامس من نوعه.

وجاء الهجوم الأخير في أعقاب حادث سابق سقطت فيه طائرة مسيرة بالقرب من خزان نفط رئيسي وشبكة أنابيب في مرفق مزج وتعبئة النفط بالزاوية.

وحذرت المؤسسة من أنه إذا استمرت الهجمات، فقد تضطر إلى إعلان القوة القاهرة وتعليق العمليات بالكامل في المصفاة.

وتملك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في إفريقيا، ما يجعل بنيتها التحتية للطاقة ليس فقط مصدرا حيويا للإيرادات الوطنية، بل أيضا مكسبا استراتيجيا رئيسيا في الصراع الإقليمي الأوسع على النفوذ.

وتصاعد الوضع أكثر في 10 أغسطس (آب)، عندما أفيد بأن خزان وقود بسعة تصل إلى نحو 4.5 مليون لتر استهدف بشكل مباشر في مدينة الزاوية بغرب ليبيا، غرب طرابلس.

وقالت المؤسسة الوطنية للنفط إن الخزان المخصص لتخزين بنزين السيارات تعرض لضربة مباشرة، ما أدى إلى اندلاع حريق هائل قبل أن ينهار الخزان في النهاية.

وأثارت الهجمات المتكررة مخاوف جدية بشأن هشاشة البنية التحتية الحيوية في ليبيا واحتمال تحول المرافق الاقتصادية ومرافق الطاقة إلى أهداف في الصراعات السياسية والأمنية الأوسع.

وكان رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة قد عقد في وقت سابق اجتماعا عسكريا وأمنيا موسعا في طرابلس، داعيا إلى رد حازم على أي تحديات أو أعمال تهدد المرافق الحيوية.

هل يمكن للضغط الخارجي أن ينتج تسوية سياسية حقيقية؟

كثفت واشنطن وأنقرة وأطراف إقليمية أخرى اتصالاتها مع مختلف القوى السياسية والعسكرية الليبية في محاولة لدفع تسوية سياسية.

ويرى الكاتب السياسي والباحث في الشؤون الدولية أحمد عرابي أن ليبيا لا تزال تعاني من تدخل إقليمي واسع النطاق، حيث تسعى أطراف خارجية مختلفة إلى تعزيز مصالحها الخاصة من خلال دعم القوى الليبية المتنافسة.

ووفقا لعرابي، فإن هذا الصراع الخارجي على النفوذ يسهم في الاستقطاب الداخلي ويعيق الجهود المبذولة لإقامة دولة ليبية مستقلة والحفاظ عليها.

ويعتقد أن الضغط الخارجي بمفرده من غير المرجح أن ينتج تسوية سياسية حقيقية، وأن آفاق نجاح المبادرات الدولية الهادفة إلى حل الأزمة السياسية في ليبيا لا تزال ضعيفة.

ويشير عرابي إلى جهدي وساطة متوازيين: خارطة الطريق التي اقترحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في أغسطس (آب) من العام الماضي، ومبادرة قدمها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية مسعد بولس في أبريل (نيسان) من هذا العام.

وعلى الرغم من الزخم الدولي وراء هذه المبادرات، يحذر عرابي من أنه إذا لم ير الليبيون تقدما ملموسا نحو الانتخابات والمساءلة وبناء الدولة، بينما تستمر النخب السياسية في الاستفادة من جهود الوساطة الدولية، فإن الدعم الشعبي لتلك المبادرات سيتراجع.

وفي مثل هذه الظروف، قد تتحول الوساطة الدولية في النهاية إلى عامل يسهم في استمرار الأزمة بدلا من حلها بشكل حقيقي.

ارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء وغضب شعبي متزايد

شهدت ليبيا احتجاجات شعبية في طرابلس وعدة مدن في الجزء الغربي من البلاد، حيث طالب المتظاهرون بتحسين الخدمات الأساسية.

وأصبح انقطاع الكهرباء لفترات طويلة خلال فصل الصيف مصدرا رئيسيا للغضب الشعبي. وطالب المتظاهرون أيضا بإقالة حكومة الوحدة الوطنية، متهمين السلطات بالفشل في إنهاء الانقسام السياسي والشلل المؤسسي.

وأذكت أزمة الكهرباء المظاهرات مرة أخرى في غرب ليبيا، حيث أغلق المحتجون مؤخرا الطريق الساحلي عند مدخل مدينة صبراتة وسط توترات مع مدينة صرمان المجاورة.

وطالب المحتجون بإنهاء انقطاعات الكهرباء المطولة، وتوزيع أكثر عدالة للكهرباء بين المناطق المختلفة، وتحسين الخدمات العامة.

وهدد السكان أيضا بتصعيد تحركاتهم، بما في ذلك العصيان المدني وإغلاق منافذ ومداخل مدينتهم إذا لم تستجب السلطات لمطالبهم.

ودعوا إلى فتح تحقيقات في أسباب تدهور الخدمات ومحاسبة المسؤولين عن ذلك.

ويرى عرابي أن هذه التطورات قد تضع حكومة الوحدة الوطنية تحت ضغط سياسي واجتماعي متزامن، خاصة مع تقاطع المطالب المتعلقة بالخدمات بشكل متزايد مع التوترات الأمنية والانقسامات السياسية.

من يقف وراء هجمات الطائرات المسيرة؟

يثير التصعيد الأمني الأخير السؤال الأكثر صعوبة ربما: من يقف وراء هجمات الطائرات المسيرة التي تستهدف البنية التحتية للنفط والطاقة؟ وما الهدف السياسي أو الأمني الذي يسعى الجناة إلى تحقيقه؟

ويلفت عرابي إلى أنه بعد ساعات قليلة فقط من تحذير رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة من أن المتورطين في هجمات المسيرات ضد المنشآت النفطية سيحاسبون، استهدف هجوم آخر بطائرة مسيرة مرفقا للكهرباء جنوب الزاوية.

وجاء الهجوم الجديد في الوقت الذي تواجه فيه الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقرا لها ضغوطا متزايدة لاحتواء التوترات الأمنية في الزاوية، لا سيما في ظل علاقاتها وتفاهماتها السابقة مع العديد من التشكيلات المسلحة النافذة في غرب ليبيا.

ويؤكد عرابي أن السلطات السياسية في ليبيا تواجه بيئة أمنية معقدة تتداخل فيها الجماعات المسلحة والفصائل السياسية والمصالح الاقتصادية والجهات الفاعلة الخارجية.

ويرى كذلك أن بعض الليبيين باتوا ينظرون بشكل متزايد إلى التطورات في البلاد، وإلى الإطار السياسي المدعوم من الولايات المتحدة والمرتبط بها، على أنه يدعم نظاما سياسيا يوزع النفوذ من خلال الاعتراف الدولي والاتفاقيات التجارية والعلاقات الدولية، بدلا من الحكم الفعال وبناء الدولة الحقيقي.

مستقبل ليبيا يظل غير مؤكد

إن استمرار الانقسام بين سلطات الشرق والغرب، والهياكل العسكرية المتنافسة، والتدخل الأمريكي، والمظالم الاقتصادية، وضعف الخدمات العامة، والهجمات على البنية التحتية الحيوية، كلها أمور تؤكد أن الأسباب الأساسية للأزمة الليبية لا تزال دون حل.

فمن يملك النفوذ السياسي أو العسكري على البنية التحتية للطاقة في ليبيا يمتلك أوراق ضغط كبيرة على اقتصاد البلاد وعلاقاتها الدولية، في حين يجعل موقع ليبيا الاستراتيجي من المستحيل فصل أزمتها المحلية عن التنافس الجيوسياسي الأوسع الذي يشمل البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وتقدم تركيا نفسها كوسيط بناء وشريك اقتصادي، بينما تواصل واشنطن مبادراتها الدبلوماسية الخاصة. وفي الوقت نفسه، تستمر الفصائل الليبية في التنافس على الشرعية السياسية والسيطرة الأمنية والوصول إلى الموارد.

والسؤال المطروح هو ما إذا كان الليبيون أنفسهم قادرين في النهاية على إرساء إطار سياسي وأمني موحد، قادر على السيطرة على أراضي البلاد، وحماية مواردها، وإعادة بناء مؤسساتها، ومحاسبة الفاعلين السياسيين والعسكريين.

وإذا استمرت الهجمات على البنية التحتية الحيوية في ليبيا، في وقت تتفاقم فيه الضائقة الاقتصادية والإحباط السياسي، فقد تجد البلاد نفسها مرة أخرى قريبة بشكل خطير من دورة جديدة من عدم الاستقرار؛ دورة لن تهدد ليبيا فحسب، بل المنطقة الأوسع في شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع