
لم يكن مفاجئًا أن يفتح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بابًا للحوار ومساحة للدبلوماسية مع طهران بعد أربعة أسابيع من الحرب في إيران، لأن تفاصيل المشهد السياسي والميداني كانت تشير إلى أن الرئيس ترمب سيعمل على فتح المسار السياسي في ظل عدم قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على توجيه “ضربة قاضية” لإيران. فالحرس الثوري الإيراني ما يزال يطلق الصواريخ البالستية والكروز والمجنحة، ولا يمر يوم دون إطلاق طهران عشرات الطائرات المسيّرة الانتحارية “كاميكازي” من طراز شاهد. بل زاد الأمر تعقيدًا مع استخدام الصواريخ الإيرانية التي تحمل “رؤوسًا عنقودية”، إذ إن اعتراضها بات يسبب خسائر لا تقل عن وصولها إلى أهدافها.
وكان القضاء على البرنامج الصاروخي الإيراني يمثل “السقف الأدنى” في مستويات الأهداف الأمريكية التي أعلنها سيد البيت الأبيض في بداية الحرب، والتي بدأت بالقضاء على البرنامج الصاروخي وصولًا إلى إسقاط النظام وتفكيك الدولة الإيرانية.
كما لم يعد أمام البيت الأبيض خيار آخر في ظل العجز عن القضاء على البرنامج النووي الإيراني، إذ يوجد نحو 440 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ولا تستطيع فرقة “دلتا” الأمريكية الحصول عليه أو حتى إتلافه رغم كل ما يُقال عنها. وتملك إيران نحو 9800 كيلوجرام أخرى من اليورانيوم المخصب بنسب متفاوتة، موزعة على عشرات المواقع داخل مساحة إيران التي تزيد على 1.6 مليون كيلومتر مربع، فضلًا عن عشرات المواقع التي تنتشر فيها أجهزة الطرد المركزي الحديثة من طراز “IR-9”.
ولهذا، اشترطت مبادرة الرئيس ترمب، التي تتكون من 15 بندًا، سحب جميع اليورانيوم المخصب بكل درجاته إلى خارج إيران، وتفكيك المفاعلات الثلاثة الكبرى في نطنز وأصفهان وفوردو. وهذا يعني أن الحرب لم تقضِ على البرنامج النووي الإيراني، وأن “المسار الدبلوماسي” بات “الممر الإجباري” لواشنطن وتل أبيب للتخلص من البرنامج النووي لطهران. وكل ذلك يشير إلى أن رغبة الرئيس ترمب في العودة إلى مائدة المفاوضات مع إيران تمثل نهاية للسيناريوهات التي تحدثت عن إسقاط النظام أو تغيير سلوكه، ولم يعد هناك حديث عن تفكيك الجمهورية الإيرانية.
المؤكد أن عدم تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية عبر القوة دفع واشنطن للحديث مجددًا عن “الخيار التفاوضي”، لكن هناك أسبابًا أخرى وراء توجه إدارة ترمب نحو عقد صفقة سياسية تنهي الحرب وتفتح صفحة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، وهي:
الأول: الإطار الزمني
وفق الدستور الأمريكي، فإن ما يجري من حرب بين إيران والولايات المتحدة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي يُعد “عملية عسكرية” وليس “إعلان حرب”. ويملك الرئيس الأمريكي صلاحية القيام بعملية عسكرية يتراوح مداها الزمني بين أربعة وثمانية أسابيع، وبعد ذلك يتعين عليه الحصول على موافقة الكونغرس بمجلسيه لإعلان الحرب.
وبعد أربعة أسابيع من الحرب، لا يضمن الرئيس الحصول على هذا التفويض في ظل الأغلبية الضئيلة للجمهوريين. ومع اقتراب نهاية المهلة، يبدو أن الذهاب إلى طاولة المفاوضات يتوافق مع الإطار الزمني الذي أراده ترمب لحرب “سريعة وخاطفة”، خاصة أن استمرار الحرب لأكثر من أربعة أسابيع لم يكن متوقعًا.
ففي 28 فبراير (شباط)، قال ترمب إن العملية ستستغرق من أسبوع إلى عشرة أيام، بينما قال بنيامين نتنياهو إنها لن تتجاوز أربعة أيام. لذلك يسعى ترمب إلى تحقيق مكاسب سياسية عبر التفاوض بعد عجزه عن تحقيقها عسكريًا. ويرى داعموه أن الضربات قد تدفع إيران لتقديم تنازلات تتعلق ببرنامجها الصاروخي، والاكتفاء ببرنامج نووي سلمي دون حق التخصيب، وهو ما ترفضه طهران.
كما يُطرح سيناريو “كارثي” لتجاوز قيود الإطار الزمني، يتمثل في اتهام إيران بقتل عدد كبير من الجنود الأمريكيين أو إغراق سفينة عسكرية، بما يتيح لواشنطن إعلان الحرب رسميًا.
الثاني: حزب الكنبة
تشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 66% من المستقلين، أو ما يُعرف في العالم العربي بـ”حزب الكنبة”، يرفضون استمرار الحرب. وهؤلاء كانوا عاملًا حاسمًا في انتخابات 2024، ولا يمكن لترمب تجاهلهم مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
فعلى سبيل المثال، يعارض نحو 70% في ولاية بنسلفانيا استمرار الحرب، كما أن 7% فقط من الأمريكيين يؤيدون تدخلًا بريًا. ويرى معظم الأمريكيين أن ذلك سيكون تكرارًا لتجارب أفغانستان والعراق وفيتنام، خاصة أن احتلال إيران يتطلب نحو 500 ألف جندي.
كل ذلك يضع ضغوطًا كبيرة على ترمب للاتجاه نحو التفاوض، خاصة بعد استهداف أكثر من 9000 هدف وفق القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
الثالث: تعلم الدروس
تقوم إحدى نظريات السياسة الخارجية الأمريكية على أن الخطأ ليس في الفشل، بل في تكراره. ويحذر أنصار ترمب من تحول إيران إلى “مستنقع” جديد، كما حدث في أفغانستان والعراق.
وقد أنفقت الولايات المتحدة نحو تريليون دولار خلال حرب استمرت 20 عامًا على ما يسمى “الإرهاب”، وسقط آلاف الجنود دون نتائج حاسمة، وفق جامعة براون. هذا السيناريو يدفع ترمب للبحث عن مخرج تفاوضي، مستعينًا بفريقه، ومنهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ونائبه جي دي فانس.
الرابع: الثمار السياسية
لم تنجح الولايات المتحدة ولا إسرائيل في تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية، كما حدث في غزة. ويحذر فريق ترمب من تكرار الخطأ ذاته في إيران، حيث إن استمرار القصف دون تدخل بري يمنع تحقيق نتائج سياسية.
لذلك، يُنظر إلى المسار التفاوضي كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية، من خلال المطالب التي طرحتها واشنطن في إطار مبادرة الـ15 بندًا، والتي نُقلت عبر وسطاء مثل مصر وباكستان.
الخامس: التضخم
أدى ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين إلى زيادة التضخم بشكل سريع خلال أسابيع الحرب، مع تراجع الثقة في الملاحة عبر مضيق هرمز.
وفي عام انتخابي، لا يستطيع ترمب تجاهل هذا العامل، خاصة أن قاعدته الانتخابية “ماجا” ترفض استمرار الحرب، وهو ما يدفع فريقه، وعلى رأسه جي دي فانس وسوزي وايلز، نحو إنهاء الحرب.
السادس: الحلفاء
خاض ترمب الحرب إلى جانب إسرائيل دون تنسيق كافٍ مع الحلفاء الخليجيين أو الأوروبيين أو حلف “الناتو”، وجميعهم يدفعون ثمنها.
فدول الخليج والعراق والأردن تتعرض لهجمات، بينما تواجه أوروبا أزمة طاقة حادة، وارتفعت أسعار الغاز في هولندا بشكل كبير، ما يهدد الاقتصاد الأوروبي. كما تعاني دول آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند من اضطراب إمدادات الطاقة.
لذلك، يضغط الحلفاء على واشنطن لوقف الحرب سريعًا.
السابع: استحالة العمل البري
تشكل العمليات البرية في إيران مخاطرة كبيرة، نظرًا لطبيعة الجغرافيا والقدرات الدفاعية الإيرانية. وحتى العمليات المحدودة، مثل السيطرة على جزيرة خرج، تمثل تحديًا عسكريًا كبيرًا.
في المقابل، يتيح المسار التفاوضي ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز واستعادة استقرار أسواق الطاقة.
يتضح أن واشنطن عادت إلى المسار التفاوضي، وهو مسار كانت إيران تنتظره منذ بداية الحرب. لكن يبقى السؤال حول “المساحة المشتركة” التي يمكن أن يلتقي فيها الطرفان، وحجم التنازلات التي قد تحفظ ماء الوجه لكل من ترمب والقيادة الإيرانية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير