أدب

قراءة في كتاب “مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي” (1- 3)


  • 9 يونيو 2024

شارك الموضوع

صدر هذا الكتاب عام 1991، عن سلسلة “عالم المعرفة” في الكويت، من تأليف الدكتورة مكارم الغمري، أستاذة الأدب الروسي بكلية الألسن، جامعة عين شمس.

يقع الكتاب في نحو 280 صفحة، ويتألف من سبعة فصول، بالإضافة إلى الجزء المخصص للخاتمة، والمراجع، والهوامش.

 تلقي الدكتورة مكارم الغمري في مقدمة الكتاب الضوء على حوارات منسية بين الثقافة الروسية والحضارة العربية الإسلامية، من خلال البحث في “المؤثرات” العربية والإسلامية في الأدب الروسي في القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، من خلال حوار الحضارات؛ أملًا في التطور الذاتي، والنمو الداخلي، حيث يعد الأدب نتاجًا حضاريًّا يعكس في تطوره الحوار البناء بين الحوارات.

تأثيرات متبادلة

اكتشفت المؤلفة وجود تأثير للأدب العربي، ولا سيما تأثير كتاب “ألف ليلة وليلة”، في إنتاج الكاتب الروسي مكسيم جوركي، وذلك في أثناء استعدادها لكتابة أطروحتها لدكتوراة الفلسفة في الآداب بجامعة موسكو الحكومية، وكان موضوعها متعلقًا بتأثير الأدب الروسي، وبخاصة إنتاج الكاتب الروسي مكسيم جوركي، في الأدب العربي الواقعي الحديث في الستينيات من القرن الماضي.

وشعرت المؤلفة أن العلاقة متبادلة بين الثقافتين، وتابعت البحث في هذا الموضوع خلال فترات السبعينيات والثمانينيات عبر مجموعة من الدراسات العلمية باللغتين الروسية والعربية، نُشرت في مصر وخارجها.

وكان من ضمن الكتَّاب الروس الذين ظهر في إبداعهم تأثير الأدب الإسلامي والعربي الكاتب “ميخائيل ليرمانتاف”، من خلال البحث الذي نشر في مجلة “فصول” عن “مؤثرات شرقية في الشعر الروسي- إيحاءات عربية إسلامية في إنتاج ميخائيل ليرمانتاف”.

 يدخل موضوع الكتاب ضمن دراسات “الأدب المقارن”، حيث تؤدي “التأثيرات” دورًا مهمًا، ليس من قبيل تسجيل الأمجاد التاريخية؛ وإنما لأهميتها في إزالة اللبس في طبيعة العلاقة المعقدة والمتشابكة للتفاعل بين الثقافات، وأهميتها في توضيح مصادر التيارات الفنية الفكرية للآداب القومية، والكشف عن النُسق الأساسية التي تمثل الجوهر البنائي للأعمال الأدبية.

واختارت المؤلفة عددًا من الأدباء لاستكشاف التأثير المتبادل بين الثقافتين العربية والإسلامية، ويرجع اختيار هؤلاء الكتاب بعينهم (ألكسندر بوشكين، وإيڨان بونين، وليف تلستوي، وليرمانتاف) بناء على المكانة العالية لهؤلاء الشعراء والأدباء في الأدب الروسي، وأيضًا بناء على الحجم الكبير الذي انطوى عليه تأثير الشرق العربي الإسلامي في إنتاجهم، وهذا لا يعني أن التأثير الإسلامي مقصور على إنتاج هؤلاء. كما أن موضوع الكتاب يعطي تصورًا عامًا عن انعكاسات الموضوع العربي والإسلامي في التيارين الأساسيين- الرومانتيكية والواقعية- في الأدب الروسي في القرن الماضي، ويساعد على فهم طريق تطور التأثير العربي والإسلامي من خلال الفترات الزمنية المختلفة في القرن الماضي حتى مطلع القرن العشرين. كما تؤكد المؤلفة أن الحصر الكمي للعناصر العربية والإسلامية عند الأدباء الروس في الفترة من القرن التاسع عشر حتى بداية القرن الحالي هو الهدف من الدراسة.

وتطمح الدراسة إلى الكشف عن هذه العناصر وتحليلها بالاقتراب من النماذج الأدبية المعبرة عن “آليات” التأثير، ومضمونه، و”ديناميكياته”.

وسائط الإرسال والاستقبال

بعد أن عرضت المؤلفة فصلًا أكاديميًّا عن الأدب المقارن، قدمت لنا الفصل الثاني تحت عنوان “روسيا والشرق العربي (وسائط الاستقبال)”. لم تكن روسيا بعيدة عن المسلمين؛ فلقد وصل التجار العرب المسلمون إلى قلب روسيا، وكان متوقعًا أن يؤدي ذلك إلى انتشار الإسلام في هذه البقاع مثلما حدث في الصين. وهناك مخطوطة يرجع تاريخيها إلى بداية القرن الثاني عشر الميلادي (نحو 1113 م)، وتعد من أقدم الأدبيات الروسية المكتوبة، وهي “قصة السنوات العابرة”، ونعرف من خلالها قصة الأمير ڨلاديمير الذي اعتلى الحكم في روسيا عام 980، واعتنق الإسلام ثم ارتد عنه إلى المسيحية، التي صارت فيما بعد ديانة رسمية لروسيا.

شكّل الإسلام وقرآنه ينبوعًا خصبًا للإلهام، وكان يعد النبع الذي استلهم منه الأدب الروسي كثيرًا من الصور الأدبية والرموز والأساليب. وكانت هناك مرحلة التلقي والاستيعاب التي بدأت في القرن التاسع الميلاد، وسبقت المرحلة التي انعكس فيه هذا التأثير جليًّا في القرن التاسع عشر.

تعد حلقة “التأثير والتأثر” هي العملية التي مهدت لحدوث أهم حلقة في حلقات التفاعل الحضاري، والتي ظهرت- على نحو خاص- في إنتاج الحركة الرومانتيكية الروسية، وهي التيار الأدبي الرائد في الأدب الروسي في الثلث الأول من القرن التاسع عشر.

وقد كانت حركة التجارة القديمة بين روسيا والشرق العربي- حسب إشارة كراتشكوڨسكي – هي أحد المنافذ التي عبرت خلالها كلمات عربية إلى اللغة الروسية، والتي ضمت بعض مصطلحات الطب العربي التي انتقلت- على نحو خاص -من الحكيم المعروف آنذاك في روسيا بطرس سيريانين، الذي “كان يمثل مدرسة الطب العربية السورية التي اكتسبت لنفسها شهرة عالمية، وكانت وسيلتها الرئيسة اللغة العربية”.

أثار كراتشوكوڨسكي الشكوك بشأن مصداقية المعلومات التي وردت في بعض المراجع التي استقى منها الروس معلوماتهم المبكرة عن الشرق العربي من خلال المصادر المكتوبة، وكان من أهمها كتب اللاهوت، والمراجع التاريخية اليونانية، وكانت تتناول الإسلام بالشرح، فهو يعتقد أن المعلومات التي جاءت فيها تعطي صورة مشوهة عن الإسلام، فهي ترسم الإسلام بصورة خيالية لا تطابق الواقع الحقيقي إلا قليلًا.

وأُنجزت في روسيا ترجمة تتناول وصف مدينتي مكة والمدينة المنورة، يتخللها مقتبسات من السيرة النبوية. وبدأت أعداد المؤلفات التي كانت تبحث في الفكر الإسلامي في القرون الخامس عشر إلى السابع عشر تزداد. وكانت هذه المؤلفات تتضمن شرحًا للإسلام، ووصفًا للأقطار الإسلامية، وبخاصة الواقعة على حدود روسيا الشرقية والجنوبية. وكان هناك اهتمام ملحوظ بالشرق في القرن الثامن عشر، وكان إشارة البدء ببداية مرحلة جديدة في العلاقة به، يمكن أن نصفها بالمرحلة الواعية، حيث اتسمت هذه المرحلة بالسعي لمعرفة الشرق، ومحاولة فهمه ودراسته. وكان السبب في ذلك يكمن في الصراع السياسي بين روسيا وتركيا حول منطقة النفوذ في الشرق، وسعي روسيا إلى الحصول على منفذ تجاري على البحر الأسود، وانتهى بضم روسيا شبه جزيرة القرم إلى مناطق نفوذ روسيا.

بدأت المحاولات الأولى لميلاد الاستشراق في روسيا في الربع الأول من القرن الثامن عشر، حين تأسست في سانت بطرسبورغ عام 1724 أكاديمية علمية لها الفضل في الإشراف على إصدار الدوريات التي تعرف بالشرق، وكان لكل من مدينة قازان وأسترخان دور مهم في تدريس اللغة العربية في المناطق الإسلامية، برعاية القيصرة يكاترينا الثانية (762-1796).

مدرسة الاستشراق الروسية

تحقق حلم فكرة إرساء مدرسة الاستشراق العلمية في القرن التاسع عشر، بعد أن ظلت مجرد حلم في القرن الثامن عشر، حيث صدر عام 1804 ميثاق الجامعات الذي افتتح عهدًا جديدًا في حركة الاستشراق في روسيا، إذ أُدرجت- لأول مرة، وعلى نحو منهجي- اللغات الشرقية في برنامج المدرسة العليا، وخُصص لها قسم خاص.

واستطاعت روسيا أن تسير بخطى متوازية في تأسيس قاعدة للمخطوطات العربية الشرقية التي يعمل على اقتنائها المتحف الآسيوي، وأن تتعادل مع الدول الغربية التي أعدت مجموعتها من تلك المخطوطات منذ القرن الثامن عشر.

وتعريف الاستشراق الجامعي الذي حدده إدوارد سعيد يعني “كل من يقوم بتدريس الشرق، أو الكتابة عنه، أو بحثه، سواء أكان المرء مختصًا بعلم الإنسان، أم بعلم الاجتماع، أم مؤرخًا، أم فقيهًا لغويًا في جوانبه المحددة والعامة على السواء، هو مستشرق، وما يقوم أو تقوم بفعله يعتبر استشراقًا”.

وأهم رواد حركة الاستشراق “الأكاديمي” في روسيا كل من باير Baier، وياكوف كير   Ker، اللذين ظهر نشاطهما في القرن الثامن عشر، حيث أسهما في الجهود المبكرة في تدريس العربية في روسيا، التي خصت إعداد الدبلوماسيين في وزارة الشؤون الخارجية.

ثم يأتي دور الشيخ المصري محمد عياد الطنطاوي، الذي تبوأ مكانة مهمة في حركة الاستشراق في روسيا في النصف الأول من القرن الماضي، وتتلمذ على يديه كثير من المستشرقين الأجانب، وبخاصة من الفرنسيين والألمان.

كما ينضم إلى هذه الأسماء مجموعة أخرى، منهم سينكوڨيسكي، الذي يعد من أهم المستشرقين الروس الذين أسهموا بنشاط كبير في نشر الثقافة العربية، حيث أمضى عامين في البلاد العربية درس خلالها العربية في أحد الأديرة القريبة من مدينة صور جنوب بيروت، في إحدى مدارس الإرساليات، وزار سوريا، والقاهرة، وصعيد مصر. وتنوع نشاطه بين الترجمة، والتدريس، والكتابة، والنشر. وكذلك بولديريف الذي ارتبط اسمه بمدرسة الاستشراق في موسكو، الذي كان أديبًا وعالمًا في اللغة الروسية إلى جانب كونه مستشرقًا متخصصًا في اللغة والأدب العربي، ومعلمًا للغة الإيرانية.

ومن رواد مدرسة الاستشراق الروسي “كراتشكوڨسكي”، الذي عاصر فترتين زمنيتين من تاريخ روسيا هما: فترة روسيا القيصرية ما قبل الثورة، وفترة روسيا السوڨيتية بعد الثورة، مع أن نشاط كراتشكوڨسكي وإسهاماته في مجال الاستشراق تنتمي تاريخيًّا إلى القرن العشرين، وانشغل بتدريس اللغة العربية في سانت بطرسبورغ في كلية اللغات الشرقية عام 1905، ثم سافر للدراسة في كل من مصر، ولبنان، وسوريا، وكان الهدف من زيارته للبلدان العربية هو إجادة لغة الحديث العربية.

الترحال والترجمة

لقد تنوعت أسفار الرحالة الروس بين زيارة الأماكن المقدسة، أو الرحلات الاستكشافية، أو السياحية، أو رحلات العمل الدبلوماسي. وتعد الرحلة التي قام بها ڨاسيلي بارسكي (1701- 1747) من أهم الرحلات الروسية إلى الشرق العربي في القرن الثامن عشر. واستمرت رحلاته قرابة ربع القرن، زار فيها القدس، وسيناء، وفلسطين. وقد أولع بارسكي بمدينة الإسكندرية، التي اهتم بوصف آثارها الرومانية، كما أورد وصفًا لبيروت، وبعلبك، وحمص، وحماة. وقد اتخذت كتاباته شكل المذكرات، ولاقت نجاحًا كبيرًا، وأعيد طبع الكتاب ست مرات.

كما اكتسبت المذكرات التي كتبها الرحالة كوكوڨتشوف (1745- 1793) شهرة كبيرة، وكان مغرمًا بوصف عالم البحار. وتعد مذكراته مصدرًا مهمًّا في وصف الجزائر وتونس في تلك الفترة. كما اشتهرت مذكرات الأديب فيودر إمين التي ظهرت في الفترة من (1766- 1776) بوصفها للأماكن المقدسة في القدس، وكان مهتمًا بمعرفة التراث الروحي والديني للشرق العربي.

كما شغلت الترجمة مكانة مهمة بين أنواع “الوسائط” التي استُقبِلَت من خلالها مفردات التراث الروحي والحضارة العربية في التربة الروسية. وتحتل ترجمة القرآن الكريم مكان الصدارة بين الترجمات الروسية عن العربية، وكانت في البداية تتم من خلال لغات أوروبية وسيطة، ثم أمكن بعد ذلك ترجمة القرآن إلى الروسية عن الأصل العربي، بعد تكوين كوادر المترجمين الروس الدارسين للعربية. وظهرت أول ترجمة للقرآن الكريم عام 1716 م، في عهد القيصر بطرس الأكبر، ونقلت عن اللغة الفرنسية.

ويثير كراتشكوڨسكي شكوكًا بشأن درجة الدقة في هذه الترجمة التي ظهرت بعنوان “القرآن عن محمد، أو القانون التركي”. وبحسب كراتشكوڨسكي، يوجد أخطاء كثيرة في الترجمة، ومع ذلك لا يجب التقليل منها؛ نظرًا إلى أهمية الحدث نفسه.

وقد بدأ تاريخ العناية بترجمة القرآن منذ نهاية القرن الثامن عشر بتشجيع من القيصرة يكاترينا الثانية، حين صدر في بطرسبورغ (ليننغراد) نص للقرآن الكريم بالعربية. وقد أشرف على إصدار الطبعة العربية للقرآن وعلق عليها الملا عثمان إبراهيم، وطُبِعَت بحروف عربية بحيث تحاكي خط أحد أشهر الخطاطين المسلمين آنذاك، وقد أعيد إصدار هذه الطبعة من المصحف أربع مرات.

وإلى جانب ظهور نص القرآن الكريم بحروف عربية، ظهرت في روسيا في نهاية القرن الثامن عشر ترجمتان جديدتان للقرآن الكريم بالروسية، وهما الترجمتان اللتان حازتا تقدير كراتشكوڨسكي، الذي رأى فيهما مستوى أعلى من الترجمة التي أنجزت في عهد بطرس الأكبر. وكانت للترجمة التي أنجزها فيريڨكين، الذي يعد أحد أبرز المترجمين آنذاك، هي الترجمة التي استعان بها بوشكين في قصيدته “قبسات من القرآن”.

ألف ليلة وليلة

عرف الروس كتاب “ألف ليلة وليلة” بعد ترجمته عن اللغة الفرنسية التي أنجزها غالان. وأكد كراتشكوڨسكي أن قصص “ألف ليلة وليلة” والقصص الشرقية كانت أكثر الضروب الأدبية المحببة في الأدب الروسي في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.

وقد اجتذبت أنظار القراء وجمهور المثقفين الروس الذين عرفوا  من خلالها العادات الاجتماعية في الشرق العربي، وأسلوب حياته. وقد حازت أسماء فاطمة وزليخة وليلى إعجاب الأدباء الروس، فنجد مثلا ليرمونتاف يقتبس الاسم العربي ليلى في مؤلفه “الحاج إبريك”.

كما استعان الأدباء والمؤلفون بالأسماء العربية المستعارة التي يذيلون بها مؤلفاتهم. وقد أصبحت التوقيعات المستعارة تقليدًا محببًا عند الأدباء الرومانتيكيين بخاصة، وكانوا يقصدون بهذه الأسماء المستعارة الإيحاء بالطابع الشرقي لمؤلفاتهم. وكان المستشرق سينكوڨسكي يوقع بالاسم المستعار “مصطفى”. كما كان يستبدل بعناوين المؤلفات العنوان المستعار “ترجمة عن العربية”. وقد كان العنوان المستعار يعطي فرصة للتمويه والتعتيم على المضمون الحقيقي الذي يقصده المؤلف، والذي كان يحمل اتجاهًا ناقدًا للواقع. كما امتد الاقتباس ليصل إلى اقتباس أسماء المدن العربية، وإلى اقتباس أبيات الشعر العربي.

الحركة الرومانتيكية وتأثير الشرق

اضطلع الشرق بدور مهم في تطور الشعر الأوروبي الرومانتيكي. وكتب الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين يقول: “هناك عاملان كان لهما تأثير حاسم في روح الشعر الأوروبي، هما: غزو العرب، والحروب الصليبية، فقد أوحى العرب إلى الشعر بالنشوة الروحية ورقة الحب، وأكسبه الفرسان الشهامة وبساطة الروح… هكذا كانت البداية الرقيقة للشعر الرومانتيكي”.

ويرى بعض النقاد الروس منابع الحركة الرومانتيكية في الشرق الغربي، ويؤكد أ. و. سوموف، وهو أحد أوائل منظري الرومانتيكية الروسية، أن “أول شعب لديه شعر رومانتيكي كان- بلا شك- العرب، أو المغاربة”. وقد فسر رواد الحركة الرومانتيكية على أنها شكل فلسفي وجمالي مناهض للاضطهاد الإقطاعي للشخصية، وعلى أنها اتجاه تشكل بفعل الموجة الثورية، وبتأثير من الثورة الفرنسية، التي رغم نتائجها المخيبة، استوعبت من جانب هؤلاء الرواد على أنها حدث تقدمي بحق، قوّض النظام الطبقي الهرمي، وحدّ من تسلط مفاهيم الأخلاق الإقطاعية، فبات الإنسان يستمد قيمته لا من أصوله الطبقية؛ ولكن من إمكاناته الداخلية.

من هنا جاء موقف الرومانتيكيين الناقد للحضارة والمدنية، فقد اعتبروا القرب من الطبيعة تحقيقًا لسكينة النفس وسعادتها؛ ولهذا السبب شد الرومانتيكيون الرحال إلى الشرق الذي اعتبروه تجسيدًا للعالم المثالي الطبيعي الذي يمكن للإنسان أن يتمتع بحياة متناغمة مع نفسه، ومع الطبيعة، وبرز الشعر العربي والفارسي ينبوعًا خصبًا أمام المجددين.

لقد نشأت الحركة الرومانتيكية الروسية في إطار من التفاعل مع الحركات الرومانتيكية الأوروبية، وبتأثير منها،  غير أن هذا التأثير لم يكن من الممكن استقباله ما لم تكن هناك تربة صالحة. وكما يقول أبولون جريجوروف، تعد فترة نهاية القرن الثامن عشر- في كثير من التواريخ الأدبية- فترة تحضيرية لظهور الرومانتيكية، ولقبت بفترة “ما قبل الرومانتيكية”.

 ويشير بعض الباحثين إلى فترة “ما قبل الرومانتيكية” على أنها فترة لتطور “العاطفية”. ويطابق بعضهم بين مفهومي العاطفية و”ما قبل الرومانتيكية”، في حين يجد آخرون اختلافًا بيّنًا بين هذين الاتجاهين. وقد توازت وتطورت في آن واحد مع الخط الرومانتيكي في العملية الأدبية لتلك الفترة أنظمة جمالية متعددة، مثل: العاطفية، والتنوير، والرومانتيكية، والواقعية؛ مما أضفى على العملية الأدبية جوًا من التعقد والاختلاط. وهناك تصنيفات شائعة للرومانتيكية الروسية في النقد السوڨيتي، منها تقسيم يرى في الرومانتيكية الروسية تيارين هما: رومانتيكية “سلبية”، ورومانتيكية “إيجابية”. وقد ارتبطت الرومانتيكية “الإيجابية” بشعراء الحركة الديسمبرية، وباسم الشاعر بوشكين؛ وذلك لميلهم إلى عالم المثل الوطنية العالية، والحلم والتفاؤل.

وتحت عنوان “الرومانتيكية الروسية والشرق”، يتناول الكتاب صورة الشرق “الطوباوي” في خيال كُتّاب تلك الفترة بوصفه بديلًا لعالم روسيا الإقطاعي، ونموذجًا لعالم الحرية المنشودة والمفتقدة في عالم روسيا الأقنان.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع