تاريخ

عرض كتاب

“غولينيشيف.. رائد علم المصريات” (2- 3)


  • 29 مايو 2024

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: sarabic.ae

في الجزء الثاني من كتاب “غولينيشيف.. رائد علم المصريات”، الذي يحمل عنوان “مقالات ف. س. غولينيشيف عن رحلاته في مصر”، والذي ينقسم إلى مقالين، يحمل المقال الأول عنوان “النتائج الأثرية لرحلتي في مصر شتاء 1888- 1889“، وقد نُشِرَ جزء مهم من تلك المقالات في المجلات العلمية المتخصصة في علم المصريات، الصادرة في ليبزج، وبرلين، والقاهرة (باللغتين الفرنسية والألمانية). كما نُشِرَ جزء من مقالات غولينيشيف وتقاريره في روسيا؛ في دوريات مذكرات قسم الشرق في جمعية علم الآثار الروسية، وفي أنباء جمعية الآثار الروسية (مجلد 4، فصل 5، 1880، مجلد 1، فصل 3-6، 1884)، وفي إصدارات أخرى.

يتحدث غولينيشيف في المقال عن مشاركته الخاصة في اجتماع قسم الشرق في جمعية علم الآثار الروسية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1889، حيث طرح عددًا من الآثار القديمة للبحث ضمن تلك المجموعة التي اقتناتها خلال إقامته في مصر سبعة أشهر في الشتاء. كما قدم شرحًا قصيرًا عن رحلته الأخيرة عبر النيل من القاهرة إلى الشلال الأول بالقرب من أسوان، وعن رحلته إلى الصحراء الغربية وصولًا إلى شواطئ البحر الأحمر، وقدم كذلك شرحًا للحفائر التي أجراها بنجاح في الدلتا بالقرب من المكان المسمى “تل المسخوطة”.

بدأ غولينيشيف في إطلاع الحاضرين المهتمين بعلم الآثار المصرية، على أكثر المقتنيات أهمية التي اشتراها من الإسكندرية والفيوم، وشاركهم كذلك الانطباعات والنتائج العلمية التي توصل إليها خلال رحلته على مدار الأيام السابقة بشكل موجز. ينتقل غولينيشيف إلى الحديث عن الحفائر التي قام بها هنريش  شليمان المعروف في مدينة الإسكندرية للبحث عن مقبرة الإسكندر. كما أشار إلى سفره برفقة صديقه فلاديمير غيورغيفيتش بوك إلى هناك للتنقيب عن بقايا المصلى الذي اكتُشف منذ عشرة أعوام، بناء على طلب من البروفيسور نيكوديم بافلوفيتش كونداكوف لاهتمامه بهذا الكشف بعد سماعه عن حتمية وجود جدارية فريسك مهمة فيه، وقد نجحا في العثور على آثار المصلى، تحديدًا في المنطقة الواقعة بين ما يسمى بعمود بومباي وترعة المحمودية، ولكن مع الأسف تحولت الصخرة التي نُحت فيها هذا المصلى إلى محجر، ولم يتبق منه شيء تقريبًا. ولحسن الحظ، علم غولينيشيف بظهور مقال للأثري السكندري نيروتوس بيه، واصفًا جدارية الفريسك الموجودة فيها، وأعرب جولينيشيف عن حزنه فيما يتعلق بالتماثيل المنسية الأخرى للإسكندرية القديمة. كما وصف الإسكندرية الجميلة المطلة بشموخ على ساحل البحر، فحيثما تُجرى أي أعمال للتنقيب، يُعثَر على كثير من اللقى المهمة.

زار غولينيشيف متحف بولاق فور عودته إلى القاهرة، وكان المتحف قد ضم مجموعة جديدة مهمة، كالتالي:

1- بورتريهات الفيوم القديمة.

2- لوحات مكتوبة باللغة المسمارية من تل العمارنة، حيث المقر القديم لإقامة الفرعون أمنحوتب الرابع.

3- عدد من التماثيل الملكية تعود إلى عصر الدولة القديمة.

أوضح المقال الذي كتبه عالم المصريات الشهير جورج إبيرس أهمية البورتريهات التي عثر عليها في الفيوم من الناحية الفنية والأثرية. وأشير في مقال قصير آخر للبروفيسور أودلف إرمان عن اقتناء متحف برلين أجزاء من الكنز المسماري. وأقر المقال بالأهمية التاريخية الفريدة للوحات التي عُثر عليها. يؤكد غولينيشيف أن أعداد بورتريهات الفيوم في متحف بولاق كانت قليلة، حيث بلغ عددها عشر قطع. ثم ينتقل غولينيشيف إلى وصف حالة مجموعة بورتريهات الفيوم القديمة التي اقتناها خلال إقامته في القاهرة، والتي تشبه البورتريهات المحفوظة في متحف بولاق، وكان بينها مجموعة محطمة، وجزء آخر كان عبارة عن عمل غير دقيق، وتأكد لديه أن الغرض من هذه البورتريهات، والبورتريهات الأخرى الموجودة في متحفي بولاق ولندن، وكذلك ضمن المقتنيات الخاصة بالأشخاص (مقتنياته، ومقتنيات جراف التاجر السويسري) أن يحل هذا القناع المنقوش محل الرؤوس البديلة التي كانت تُثبت على المومياء أعلى وجه المتوفى في المومياء المصرية القديمة المصنوعة من الكرتوناج، وكان يستخدم في العصر المتأخر غالبًا. كما قارن غولينيشيف بين الكتابة المسمارية الموجودة على المراسلات التي عثر عليها في صعيد مصر، ونوع الكتابة المسمارية “الكابادوكية” عند شرائه ثلاثين لوحة “كابادوكية” في رحلته الأخيرة إلى القسطنطينية، وكان نصيب غولنيشيف لوحتين مسماريتين صغيرتين كانتا ضمن تلك اللوحات التي عُثر عليها في تل العمارنة، وكانت الترجمة الخاصة بإحدى اللوحات صعبة جدًّا، ولكن وفقًا لتوضيح سايس، فإن النص كان يحتوي على خطاب إلى الفرعون من الموظف المصري ريب- آد في فينيقيا. واللوحة الأخرى عبارة عن خطاب أيضًا لموظف مصري آخر في فينيقيا يُدعى آزير إلى الفرعون، يتحدث فيه عن تنفيذه إحدى المهمات التي كلفه بها الفرعون.

يواصل غولينيشيف حديثه عن مقتنيات متحف بولاق واللقى التي عثر عليها، والأماكن التي زارها في القاهرة والأماكن القريبة منها بالتفصيل، حيث ذهب إلى منطقة منف القديمة، وهناك تمتع بمشاهدة التمثال العملاق للملك رمسيس الثاني. بعد ذلك توجه إلى صعيد مصر عبر نهر النيل، وكانت محطة توقفه الأولى هي مدينة تل العمارنة الصغيرة، ونوه أنه كثيرًا ما كان يسمع شكاوى السكان الأصليين في صعيد مصر من التصرفات الغوغائية لإدارة متحف بولاق، حيث فتّش جريبو منازل السكان المحليين، وانتزع كل الآثار التي كانت بحوزتهم؛ بغرض البيع.

وكان مدير متحف بولاق يأمل إثراء المتحف بالمقتنيات دون نفقات خاصة، وفي الوقت نفسه، اتخذ مدير الحفائر إجراءات فعالة، تمثلت في الحد من الاتجار في الآثار. غير أن مشروع جريبو لم يكتب له النجاح، لكنه نجح في إثارة ذعر تجار الآثار مؤقتًا، وهو ما أدى إلى ارتفاع قيمة الأشياء المبيعة.

كانت المحطة الثانية لغولينيشيف في صعيد مصر هي مدينة أسيوط، حيث قارن هناك الكتابة المهمة الموجودة في القبر العتيق الأصلي لضريح المتوفي حب- جفا لإصدار مارييت، التي ترجمها إرمان، والتي تعد النموذج القديم للاتفاقية المبرمة بين المالك القديم للمقبرة والكهنة. وكانت الترجمة التي نشرها مارييت غير دقيقة في كل المواضع، وبعد مراجعة تحليل الكتابة الذي قام به إرمان، ومكان تلك الكتابة الأصلية، أظهر شكوك إرمان في إصدار مارييت.

كانت مدينة أخميم هي المحطة التالية بعد أسيوط في رحلته إلى صعيد مصر، حيث مكث فيها ثلاثة أيام، وأورد بعض الكلمات عن المنسوجات التي اقتنى جزءًا منها من أخميم، والجزء الآخر اشتراه من القاهرة، وبالطبع استُخرج من جبانة أخميم، ووصف الأشكال والرسوم والزخارف الموجودة على الأقمشة التي كانت مستمدة من العقيدة الوثنية، والتي يرجع فترة صناعتها إلى فترة التزامن بين المسيحية والوثنية، في حين أن رسوم الأقمشة المستمدة من العقيدة المسيحية يُرجح أنها ترجع إلى الفترة التي تلت مرسوم الإمبراطور ثيودوسيوس الأكبر مباشرة، أي نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس لميلاد المسيح. ولا يتفق هنا غولينيشيف مع آراء ماسبيرو، الذي أرجع صناعة تلك الأقمشة الأخميمية إلى حقبة الفتح الإسلامي لمصر والقرن العاشر الميلادي. ثم أشار غولينيشيف إلى المقتنيات التي جمعها من مدينة أخميم، وكانت عددًا من الألواح الخشبية التي تخص التوابيت المستطيلة من العصر القديم للأسرة الحادية عشرة، بالإضافة إلى مجموعة ألواح خشبية منقوشة صغيرة، ومجموعة ألواح صغيرة من الحجر الجيري غير المتقنة.

تعد المقتنيات الأكثر أهمية ضمن مجموعة غولينيشيف هي أجزاء البردي التي عُثر عليها في أخميم، وقد كتبت بالحروف الهيروغليفية، وتمثل أحد النصوص المقدسة. ومع ذلك، كانت هذه النصوص لا تشبه تلك النصوص التي تضمنها “كتاب الموتى”، بالإضافة إلى عدد من المخطوطات الأخرى، كانت عبارة عن رقائق بها نصوص قبطية، تضم مقتطفات من إنجيل مرقس، ورسائل بولس الرسول، بالإضافة إلى الرأس الكبير المصنوع من الألباستر، الذي يرجع إلى العصر الروماني. ثم توجه إلى قرية السلاموني، وهناك اشترى “جَرّة كبيرة” مقابل زوج من القروش وحطام أحد التوابيت. وتعود المقابر في هذه القرية إلى عصر الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة على أقل تقدير. ثم غادر بعد ذلك إلى مدينة الأقصر التي تعد المركز الرئيس لتجارة الآثار القديمة في صعيد مصر، وهناك التقط صور النقوش الرائعة لإحدى حجرات المعبد الضخم، وبالتحديد الحجرة التي تضم جدرانها أسطورة التكوين والولادة الإلهية للفرعون أمنحوتب الثالث.

يعد الخنجر المصنوع من البرونز من أكثر المقتنيات أهمية من الناحية التاريخية، حيث تشير الكتابة والخدوش القليلة الموجودة على الخنجر إلى أن الملك أحمس الأول (الأسرة الثامنة عشرة) أحضره من انتصاراته التي حققها في الشرق. ضمت المقتنيات التي اشتراها غولينيشيف من الأقصر أيضًا القوس المصرية القديمة المصنوعة من خشب السودان الأسود، وسهمين تابعين للقوس، وكذلك البردية الهيروغليفية الطويلة نوعًا ما رغم ضيقها، التي استحقت اهتمامًا خاصًا؛ لاحتوائها على سلسلة كاملة من المسائل الهندسية المصحوبة بالحلول المرفق بها رسوم صغيرة. والبردية الثانية من هذا النوع موجودة في المتحف البريطاني. ومن المرجح أن تعود البردية الهندسية التي في حوزة غولينيشيف إلى عصر الأسرة الثانية عشرة، أو فترة قريبة تالية لهذه الأسرة، بالإضافة إلى عدد من المقتنيات الأخرى، أبرزها إحدى أدوات التجميل البهية المصنوعة من العاج.

المحطة التالية للأقصر كانت مدينة إدفو، وأقام فيها عدة أيام قبل السفر إلى الصحراء العربية. وقد خطط غولينيشيف لبرنامج هذه الرحلة ونفذه بنجاح لزيارة كل من:

1- أطلال المدينة القديمة برنيس الواقعة على ساحل البحر الأحمر.

 2- المعبد الصغير الخاص بالملك سيتي الأول.

3- تحديد الموقع الدقيق للمحطات القديمة على طريق القوافل القديم الذي يربط بين قفط وبرنيس.

نلاحظ أن رحلة غولينيشيف استغرقت تسعة عشر يومًا، واستخدم فيها بوصلته الخاصة، آملا أن يتاح له إعداد خريطة تفصيلية بناء على ملاحظاته بمرور الوقت. كما سجل في خلال رحلته كثيرًا من أسماء الأماكن، منها أبو “غصن” شعرة، ووادي البزاخ، والمحطة القديمة التي تسمى سموت، ووادي الملاحة الأخضر، والدويح، ووادي الجمال، ووادي العشير، ومر في طريقه إلى مدينة أسوان بوادي شعيث، ووادي لحمي.

وكانت المقتنيات التي جمعها غولينيشيف خلال إقامته في جزيرة إلفنتين عبارة عن شقفتين من الفخار عليهما كتابة باللغة الآرمية، وسلمهما للعالم الفرنسي تشارلز سايمون كليرمون بهدف الدراسة. وتوقف في طريق عودته إلى القاهرة عند مدينة طهطا، واطلع على أحدث الاكتشافات التي عثروا عليها، وكانت عبارة عن بعض الأحجار المنقوش عليها بعض النصوص التي تبين فيما بعد أنها مكتوبة باللغة اليونانية.

بعد عودته من صعيد مصر، زار غولينيشيف- بصحبة رفيقه فلاديمير غيورغييفيتش بوك- مدينة الفيوم، وهناك زار هرم هوراة، وبعد عودته من الفيوم زار مدينة الزقازيق، حيث شاهد هناك حفائر المعبد الرئيس لمدينة بوباستيس القديمة التي قام بها عالم المصريات السويسري إدوارد نافيل.

حصل غولينيشيف على التصاريح الرسمية اللازمة للتنقيب في المنطقة الواقعة إلى الجنوب الشرقي من تل المسخوطة على حافة الهضبة الصحراوية الممتدة من هنا إلى الجنوب من جبل عتاقة. يشير الجزء الأخير من هذا المقال أيضًا إلى عدد آخر من المقتنيات التي اشتراها غولينيشيف من القاهرة، موقعًا باسمه بتاريخ نوفمبر (تشرين الثاني) 1889.

يحمل المقال الثاني في القسم الثاني من الكتاب عنوان “النتائج المهمة لرحلته في وادي الحمامات”، ويتناول نتائج مشاهدات غولينيشيف خلال زيارته القصيرة من مدينة قفط إلى الصحراء العربية، حيث زار منطقة وادي الحمامات المهمة؛ لمكانتها التاريخية المميزة، وموقعها في منتصف الطريق بين النيل والبحر الأحمر.

عثر غولينيشف على كتابات صغيرة يونانية وقبطية وعربية واضحة وسط الجرافيتي المتنوع المنقوش على الصخور والأحجار، وكذلك جدران المعابد والمقابر التي دونها المصريون القدماء. وترجع هذه الكتابات إلى جميع عصور التاريخ المصري، بداية من أقدم العصور حتى عصر الفرس والبطالمة. تضم هذه الكتابات اسم الفرعون الحاكم في تلك الفترة، والغرض من الرحلة، وعادة ما يُشار إلى تاريخ القيام بالرحلة بدقة. كما عثر على عدد من رموز مملكة حمير، وكتابة واحدة قصيرة تشبه تلك الكتابات التي قابلها في وديان شبه جزيرة سيناء. تحمل النقوش التي عثر عليها غولينيشيف أهمية خاصة؛ لأن العالم الألماني ليبسيوس لم ينشرها من قبل. كما نجح غولينيشيف في نسخ الكتابات التي لم يصادفها في إصدار ليبسيوس.

كما يقدم لنا غولينيشيف في هذا المقال ترجمة لعدد من النصوص التي عثر عليها في عدة مناطق في وادي الحمامات.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع