
في السنوات الأخيرة، عانى السوريون من الحرب والانقسام والتهجير وفقدان الثقة بمؤسسات الدولة وببعضهم بعضًا. ومع كل مرحلة جديدة من مراحل الأزمة، تظهر تحديات مختلفة تهدد فرص بناء مجتمع متماسك. ومن بين أخطر هذه التحديات اليوم تصاعد الخطاب الطائفي، وانتشار حملات التحريض والمقاطعة والتعميم على أسس دينية أو مذهبية، سواء في الفضاء الإلكتروني أو في النقاشات العامة.
قد يظن البعض أن هذه المظاهر مجرد انفعالات مؤقتة فرضتها سنوات الحرب الطويلة، إلا أن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تنتقل فجأة من التعايش إلى الانقسام، بل تمر بسلسلة من المراحل المتدرجة التي تبدأ غالبًا بالكلمات، ثم تتحول إلى مواقف، ثم إلى سياسات وممارسات قد يصعب التراجع عنها لاحقًا.
إن أحد أخطر أشكال الظلم الجماعي يتمثل في تحميل جماعة كاملة مسؤولية جرائم أو ممارسات ارتكبها أفراد أو مؤسسات سياسية أو عسكرية. فعندما يُنظر إلى الإنسان من خلال طائفته بدلًا من أفعاله، يصبح الانتماء معيارًا للحكم عليه. وعندما يحدث ذلك، يتحول المواطن من فرد مستقل مسؤول عن أفعاله إلى ممثل لجماعة يُحاسب على ما لم يفعله، ويُتهم بجرائم لم يرتكبها، ويُطلب منه أن يدفع ثمن أخطاء لم يكن طرفًا فيها.
هذا المنطق لا يحقق العدالة، بل يقوضها. فالعدالة تقوم على المسؤولية الفردية، أما العقاب الجماعي فيقوم على افتراض الذنب المسبق، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إنتاج مظالم جديدة بدلًا من معالجة المظالم القديمة.
وإذا نظرنا إلى ما يجري اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، سنجد أن جزءًا كبيرًا من الخطاب المتداول يعتمد على التعميم والتصنيف المسبق. فبدلًا من الحديث عن أفراد أو جماعات محددة مسؤولة عن أفعال معينة، يجري أحيانًا توسيع دائرة الاتهام لتشمل مكونات اجتماعية بأكملها. وتظهر عبارات تتحدث عن جماعات دينية أو مذهبية وكأنها كتلة واحدة متجانسة، تمتلك موقفًا واحدًا ومسؤولية واحدة ومصيرًا واحدًا.
تكمن خطورة هذا الخطاب في أنه لا يبقى حبيس الشاشات إلى الأبد. فالتاريخ يبين أن الإقصاء يبدأ غالبًا باللغة. تبدأ المسألة بكلمات ساخرة أو اتهامات عامة أو دعوات إلى المقاطعة، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى قناعات راسخة لدى قطاعات من المجتمع، قبل أن تنعكس على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين ثلاث مراحل مترابطة غالبًا ما تظهر في المجتمعات المنقسمة.
المرحلة الأولى هي الطائفية السياسية، حيث تصبح الطائفة أداة للتعبئة السياسية وكسب النفوذ والحشد. في هذه المرحلة لا يعود التنافس قائمًا على البرامج أو الأفكار بقدر ما يصبح قائمًا على الهويات والانتماءات.
أما المرحلة الثانية فهي التمييز الطائفي، حيث يبدأ الانتماء بالتأثير في فرص الأفراد ومكانتهم داخل المجتمع. وهنا تتراجع الكفاءة والمواطنة لصالح الاعتبارات المرتبطة بالهوية.
ثم تأتي المرحلة الثالثة والأخطر، وهي الإقصاء الطائفي، عندما يصبح الانتماء بحد ذاته سببًا للشك أو الحرمان أو الاستبعاد. عند هذه النقطة لا يعود الفرد يُعامل بوصفه مواطنًا متساوي الحقوق، بل باعتباره عضوًا في جماعة يُفترض أنها مسؤولة بصورة جماعية عن أحداث الماضي أو الحاضر.
ولعل ما يدعو إلى القلق هو أن هذه المراحل ليست مجرد نظريات سياسية، بل إن التاريخ قدم نماذج عديدة توضح نتائجها الكارثية.
ففي البوسنة والهرسك خلال تسعينيات القرن الماضي، لم تبدأ المأساة بالمجازر والحرب، بل سبقتها سنوات من تصاعد الخطاب القومي والديني وتآكل الثقة بين المكونات المختلفة. ومع الوقت أصبحت الهوية الجماعية معيارًا لتحديد من ينتمي ومن لا ينتمي، ومن يستحق الحماية ومن يستحق العقاب. وعندما تحولت الانتماءات الجماعية إلى أساس للولاء والخيانة، أصبح الانقسام أعمق من أن يُحتوى بالوسائل السياسية التقليدية.
وفي لبنان، لم تنفجر الحرب الأهلية فجأة من فراغ. فقد سبقها تزايد في قراءة الأحداث من منظور طائفي، وتراجع تدريجي في الشعور بالمواطنة المشتركة. ومع ازدياد الشكوك المتبادلة بين المكونات المختلفة، أصبحت كل جماعة تنظر إلى الأخرى بوصفها تهديدًا محتملًا، الأمر الذي ساهم في تحويل الخلافات السياسية إلى صراع أهلي واسع النطاق.
أما العراق بعد عام 2003، فيقدم مثالًا آخر على المخاطر الناتجة عن الانتقال من منطق المواطنة إلى منطق الهوية. فقد أدى شعور قطاعات مختلفة بالإقصاء والتهميش إلى تعميق الانقسامات، بينما ساهمت أعمال الانتقام المتبادل في خلق دائرة مستمرة من العنف وعدم الاستقرار. وأثبتت التجربة العراقية أن معالجة الظلم لا تكون بخلق ظلم جديد، وأن إقصاء جماعة كاملة بحجة تحقيق العدالة قد يؤدي إلى إنتاج أزمات أكثر تعقيدًا مما كان موجودًا في الأصل.
لا يعني استحضار هذه التجارب أن سوريا محكومة بتكرارها، ولا أن التاريخ يعيد نفسه بصورة حرفية. فلكل مجتمع ظروفه الخاصة ومساره المختلف. لكن التاريخ يقدم دروسًا مهمة حول الآليات التي تدفع المجتمعات نحو التفكك أو تساعدها على تجنب ذلك.
وأبرز هذه الدروس أن التنوع بحد ذاته ليس مشكلة. فالدول لا تنهار بسبب تعدد الطوائف أو الأديان أو القوميات، وإنما تنهار عندما تصبح هذه الانتماءات أساسًا للحقوق والفرص والأمن والعدالة. والخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الاختلاف، بل في تحويل الاختلاف إلى معيار للتفاضل بين المواطنين.
إن مستقبل سوريا لن يتحدد بانتماءات أبنائها الدينية أو المذهبية، بل بقدرتهم على بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون أمام القانون. دولة لا يُحاسب فيها الإنسان على اسمه أو طائفته أو خلفيته الاجتماعية، بل على أفعاله وحدها. فالمواطنة ليست مجرد شعار سياسي، بل هي الضمانة الوحيدة التي أثبت التاريخ قدرتها على حماية المجتمعات المتنوعة من الانقسام والإقصاء والصراع.
ولهذا فإن مواجهة الطائفية لا تبدأ بالقوانين وحدها، بل تبدأ برفض التعميم، ورفض الانتقام الجماعي، ورفض تحميل الأفراد مسؤولية أفعال لم يرتكبوها. فكل تجربة تاريخية كبرى تؤكد الحقيقة نفسها: عندما تصبح الهوية تهمة، يخسر الجميع، وعندما تصبح المواطنة هي الأساس، يصبح المستقبل ممكنًا للجميع.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير