تقدير موقف

صمت مؤقت فوق عاصمتين.. من يضمن السلام بعد مغادرة المبعوثين؟


  • 8 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

توقف القصف على كييف وموسكو ثلاثة أيام، ولم يكن ذلك ثمرة اتفاق، بل ثمرة وجود مفاوضين اثنين على الأرض الروسية والأوكرانية. قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذلك بنفسه أمام ضيفيه: الطلب وصل عبر القنوات الرسمية، عبر الأجهزة الخاصة ووزارة الخارجية، فأصدر الأمر بوقف الضربات على كييف والأراضي الأوكرانية منذ منتصف ليل الخامس من سبتمبر (أيلول). أما دعوة الجانب الأوكراني إلى هدنة أوسع لثلاثة أيام، فلم يتفق الطرفان عليها قط. هذه الجملة تختصر المشكلة كلها. الهدوء استمر بمدة الزيارة، لا بمدة التزام.

السؤال بعد لقاء الكرملين ليس ما إذا كانت موسكو وواشنطن قادرتين على الكلام، فقد فعلتا ذلك ثماني مرات منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. السؤال هو ما إذا كان الاتصال السياسي قابلا للتحول إلى التزامات تجعل احترام الاتفاق أكثر أمنا وفائدة للأطراف من العودة إلى الحرب. كل ما جرى يوم السبت يقع قبل هذه العتبة لا بعدها. وهل تنتهي الحرب هذه السنة أم بعد عدة سنوات، وربما حتى عام 2030، وفق تنبؤات السياسي الراحل ونائب مجلس الدوما السابق فلاديمير جيرينوفسكي؟

لماذا الآن، وماذا يفعل الضغط العسكري فعلا؟

كان المسار التفاوضي مجمدا نحو ستة أشهر، وبعض التقديرات ترفع الرقم إلى ما يقارب ثمانية. السبب المباشر أن انتباه الإدارة الأمريكية انتقل إلى التصعيد مع إيران منذ أواخر فبراير (شباط)، ثم إلى أزمة مضيق هرمز التي لم تنته بعد. عاد الملف الأوكراني إلى الواجهة قبل شتاء يعرف الجميع أنه سيكون قاسيا على كييف، مع نقص حاد في صواريخ الاعتراض الأمريكية وحملة روسية متصاعدة على البنية الطاقية.

هنا يلزم التمييز. أبلغ الجانب الروسي ضيفيه بتقدم كبير لقواته وثقة في بلوغ الأهداف. لكن معطيات المصادر المفتوحة تروي شيئا آخر. يقدر معهد دراسات الحرب أن القوات الروسية سيطرت في أغسطس (آب) على نحو 90 كيلومترا مربعا، بمعدل ثلاثة كيلومترات يوميا تقريبا، مقابل 505 كيلومترات في الشهر نفسه من العام الماضي، وأن القوات الأوكرانية استعادت في المقابل نحو 130 كيلومترا مربعا، وأن كوستيانتينيفكا لم تسقط رغم وجود روسي في نحو 72% منها. الفجوة بين الرواية والخريطة ليست تفصيلا. المفاوضات على الاتفاق تبدأ دائما بمفاوضات على تعريف الواقع، ومن ينجح في فرض روايته للميدان يفرض معها سقف المطالب.

الضغط ليس أحادي الاتجاه أيضا. تواصل القوات الأوكرانية حملة ضربات بعيدة المدى على المصافي والمنشآت العسكرية داخل روسيا، وهي حملة تستهدف الإيرادات لا الأرض. أي حديث عن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل هذه الطبقة الثانية من الحرب، وإلا بقي ناقصا منذ اليوم الأول.

الضغط العسكري يحسن الشروط حين يغير تقدير الطرف الآخر لمستقبله، ويضيق مساحة التسوية حين يقنع أحد الطرفين بأن الوقت ما زال في صالحه، أو حين يرفع الكلفة السياسية الداخلية لأي تنازل إلى حد يجعله انتحارا. الوضع الحالي أقرب إلى الحالة الثانية. ومن الخطأ افتراض أن كل عملية عسكرية رسالة تفاوضية محسوبة. الحملة على منشآت الطاقة تجري وفق تقويمها الموسمي الخاص، وضرب مطار بوريسبيل ومقر جهاز الأمن الأوكراني قبل الزيارة قد يكون رسالة، وقد يكون مجرد استمرار لخطة سبقت الزيارة ولا تتوقف من أجلها.

ما تقوله تركيبة الاجتماع؟

استقبل بوتين المبعوث الخاص ستيف ويتكوف ورجل الأعمال جاريد كوشنر، الذي وصفه بيان الكرملين بمؤسس شركة أفينيتيبارتنرز. جلس إلى جانب الرئيس الروسي مساعده للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف، وممثله الخاص للاستثمار والتعاون الاقتصادي الخارجي ورئيس صندوق الاستثمار المباشر كيريلدميترييف. استمر اللقاء ثلاث ساعات وعشر دقائق، وتواصل النقاش على العشاء.

من الجانب الأمريكي، قال مسؤول في البيت الأبيض إن الوفد ضم مسؤولين من مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والخزانة. وأوردت “أكسيوس” أن المسؤول عن ملف العقوبات بالوكالة في الخزانة، جين لانغ، رافق المبعوثين وشارك في لقاء تحضيري مع دميترييف من دون أن يحضر اجتماع بوتين.

الاستنتاج المعقول هنا محدود ودقيق: القرار السياسي والدبلوماسية والاقتصاد تجري في غرفة واحدة. لكن حضور مسؤول عن العقوبات ليس دليلا على صفقة مالية أو تفاهم بشأن رفع العقوبات. قبل خمسة أيام فقط، في اجتماع مالية مجموعة العشرين بولاية كارولاينا الشمالية، أبلغ وزير الخزانة سكوت بيسنت نظيره الروسي أنطون سيلوانوف أن لا شيء ممكنا قبل انتهاء الحرب. وحين تحدث أوشاكوف عن مشاريع مشتركة كبرى بحثت بالتفصيل، فهو يصف جدول أعمال محتملا لا عقدا موقعا.

الأهم ربما هو من لم يكن حاضرا. أوكرانيا وأوروبا لم تكونا في غرفة موسكو. القناة الأوروبية عملت في اليوم التالي في كييف، حيث عقد الرئيس فولوديمير زيلينسكي جلسة مع المبعوثين الأمريكيين، وجلسة ثانية مع مستشاري الأمن القومي لفرنسا وبريطانيا وألمانيا. هذا الفصل في المكان والزمان ليس تنظيميا. إنه خريطة للقوة التفاوضية.

منطقان لا يلتقيان بسهولة!

يصر الموقف الروسي، كما صاغه أوشاكوف بعد اللقاء، على معالجة الأسباب الجذرية للنزاع. المضمون العملي لهذه العبارة هو رفض أن يكون وقف العمليات هو نهاية القصة. من زاوية موسكو، الهدنة التي تترك بنية التحالفات والانتشار العسكري والقدرات الأوكرانية كما هي تحول حرب اليوم إلى إعادة تسلح تحت حماية غربية، أي إلى تأجيل المواجهة لا إنهائها. هذا منطق متماسك داخليا حتى لمن يرفض مقدماته وسلوك صاحبه، ويفسر لماذا تقاوم موسكو أي تسلسل يبدأ بتجميد الخطوط.

في المقابل، هدف واشنطن المعلن أضيق: إعادة تشغيل التفاوض المباشر بين الطرفين. قال ترمب إن مبعوثيه يحملون مقترحا لإنهاء الحرب، بينما نفى المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف وجود أفكار جديدة، واكتفى البيت الأبيض بالحديث عن خطوات مقبلة ستعلن في الأسابيع القادمة.

القناة الشخصية القريبة من الرئيس الأمريكي قوية وهشة في آن. قوية لأنها تصل إلى صانع القرار الروسي مباشرة وتتجاوز البيروقراطية. هشة لأن ما تنتجه يعيش في العلاقة بين رجلين، لا في مؤسسات تعمر بعدهما. التفاهم القائم على الثقة الشخصية لا ينجو من انتخابات ولا من تغيير مبعوث. وهناك قيد ثان أهم: الوسيط لا يملك وحده أدوات الضغط والإغراء. واشنطن أدرجت “روسنفت” و”لوك أويل” على قوائم العقوبات في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ثم أصدرت منذ مارس (آذار) 2026 تراخيص عامة سمحت ببيع النفط الروسي المحمل على الناقلات لتهدئة الأسعار بعد اضطراب هرمز. أوروبا سارت في الاتجاه المعاكس، واعتمدت حزمتها الحادية والعشرين في يوليو (تموز). من يعرض تخفيفا لا يملكه، أو تشديدا لا يقرره، يفاوض برصيد أصغر مما يبدو.

قبول كييف وحسابات أوروبا

استقرار أي تسوية يمر عبر كييف لأن الالتزامات الحساسة تخصها مباشرة: حجم القوات، ووضع التحالفات، والترتيبات على الأرض، وشروط أي انتخابات. لا تستطيع موسكو وواشنطن تنفيذ هذه البنود نيابة عن أوكرانيا. قال زيلينسكي قبل جلسات كييف إن السلام مطلوب، وإن الضمانات الأمنية مطلوبة، وإن مقترحات بلاده جاهزة. المفردة المفتاح في كلامه ليست السلام، بل الضمانة، أي الخوف المشروع من اتفاق يوقف الحرب ويهيئ لعودتها بشروط أسوأ.

أوروبا تمسك بمفاتيح لا يملكها الوسيط الأمريكي: بنية العقوبات، وتمويل الدولة الأوكرانية عبر قرض التسعين مليار يورو المتفق عليه في ديسمبر (كانون الأول) 2025، مع فجوة تمويل دفاعي تقدر بنحو 23 مليار يورو لم تسد بعد، وقوة الطمأنةالمقترحة بعد أي وقف لإطلاق النار. لكن أوروبا ليست كتلة واحدة. الخلاف حول استخدام الأصول الروسية المجمدة ما زال مفتوحا، وتقدير الخطر يختلف بين دول الخط الأمامي وغيرها. أي تفاهم روسي أمريكي يتعهد بإجراءات تقع تحت سلطة أوروبية سيبقى وعدا بلا سند تنفيذي.

العقدة: من يتحرك أولا؟

المشكلة الجوهرية ليست في صياغة النص، بل في ترتيب الخطوات. كل طرف يقرأ الهدنة بوصفها نافذة إعادة تسليح للطرف الآخر. وحساب الزمن مختلف: الاقتصاد الروسي مضغوط، لكنه غير منهار، إذ تتوقع المفوضية الأوروبية نموا بنحو 1.3% هذا العام و1.1% في العام المقبل، وهو رقم يشتري وقتا ولا يفرض صفقة. أما ساعة كييف فتقاس بصواريخ الاعتراض وبمخزون الطاقة قبل الشتاء. وساعة واشنطن تقاس بتقويم سياسي داخلي.

تضاف إلى ذلك كلفة التنازل في الداخل. كل قيادة مطالبة بأن تبيع لجمهورها خسارة، وأن تسميها إنجازا، وأن تفعل ذلك أمام مؤسسة عسكرية دفعت ثمنا بشريا هائلا. هذا يفسر لماذا يفضل الطرفان صياغات فضفاضة تحتمل تفسيرين، وهي بالضبط الصياغات التي تنهار عند أول خرق.

لهذا لا تكفي عبارات مثل الضمانات الأمنية أو السلام الدائم. الالتزام يعني تحديد من يفعل ماذا، ومتى، ومن يتحقق، وما الذي يحدث تلقائيا عند الخرق. الهدنة القصيرة لهذا الأسبوع اختبرت هذا المعنى في أصغر نطاق ممكن. لم تشمل سوى العاصمتين، واستمر القتال في بقية الجبهات، ثم ظهرت خلالها اتهامات بخرقها. حين يصعب ضبط التزام مدته 72 ساعة ويغطي مدينتين، فإن السؤال عن آليات التحقق لا يعود تفصيلا فنيا.

عقد أمن متبادل: تسعون يوما لاختبار السلام

ما يلي اقتراح الكاتب، لا المبادرة الأمريكية ولا موقف أي طرف. فكرته أن تختبر الأطراف سلوك الامتثال قبل أن تتفاوض على السيادة.

يقوم العقد على خمسة عناصر متزامنة. أولا، رفع الخدمات المدنية من قوائم الأهداف عند الطرفين: الكهرباء والماء والتدفئة والمستشفيات والمنشآت النووية. ثانيا، تبادل شامل للأسرى وسجل موثق للمدنيين والأطفال المحتجزين. ثالثا، وقف إطلاق نار مراقب بطبقة تقنية حقيقية تشمل رصدا بالأقمار الاصطناعية، وخلية حوادث مشتركة بمهلة استجابة لا تتجاوز ست ساعات، وسجل خروقات منشور تنسب فيه الحادثة بدلا من أن يتجادل الطرفان حولها. رابعا، التزامات أمنية متزامنة تحدد سقوفا وإخطارات مسبقة لأي انتشار قرب خط التماس، مع إعلان مكتوب لما لن يفعله كل طرف خلال المدة. خامسا، حوافز اقتصادية متدرجة مرتبطة بامتثال مثبت، على شكل تراخيص ضيقة محددة المدة وقابلة للإلغاء تلقائيا، تراجع كل ثلاثين يوما. النموذج التقني موجود أصلا في آلية التراخيص العامة الأمريكية.

نقطة يجب ألا تلتبس: ترتيبات الفصل المؤقتة لا تحسم السيادة على الأراضي ولا تنشئ حقا قانونيا لأحد. الملف الإقليمي يحتاج إلى مسار سياسي مستقل بجدوله الخاص. والتسعون يوما ليست مهلة لإنهاء الحرب، بل فترة قياس لسلوك يمكن التحقق منه.

ينجح هذا الترتيب أو يسقط بحسب أمور محددة: فريق تنفيذ مسمى وذو صلاحية عند كل طرف، وقاعدة بيانات مراقبة واحدة متفق عليها بدلا من روايتين متنافستين، وعواقب مقررة سلفا تعمل من دون اجتماع جديد. أما العقبات فواضحة: رفض موسكو أن يسبق التجميد معالجة ما تسميه الأسباب الجذرية، وخشية كييف من تكريس الخطوط، وكون مفتاح العقوبات موزعا بين واشنطن وبروكسل، وغياب طرف مستعد لأن يتحرك أولا.

ثلاثة مسارات ومؤشراتها

المسار الأول: تقدم تدريجي نحو اتفاق قابل للتنفيذ. مؤشراته تشكيل فرق تنفيذ معلنة، ونشر وثيقة بالتزامات مؤرخة، وتمديد هدنة العاصمتين لتشمل البنية الطاقية، وتحديد موعد للقاء مباشر بين الطرفين.

المسار الثاني: استمرار الاتصالات بلا اختراق. مؤشراته تكرار الزيارات بلغة بناءة من دون التزام مؤرخ واحد، وتأجيل متواصل للخطوات المقبلة، وحديث اقتصادي غير مربوط بالامتثال.

المسار الثالث: تعثر يعقبه تصعيد. مؤشراته بقاء الخلاف حول الضمانات على حاله، واستئناف الضربات على العاصمتين فور مغادرة الوسطاء، وحملة شتوية واسعة على الطاقة، وحزم عقوبات جديدة تحل محل التفاوض.

الاستنتاجات

يخرج من هذه الزيارة ثلاث نتائج. الأولى أن الاتصال بين موسكو وواشنطن صار مؤسسا فعلا، بينما الامتثال لم يؤسس بعد: ثماني زيارات، وثلاث ساعات وعشر دقائق، وعشاء، وهدنة غطت مدينتين ثلاثة أيام. الثانية أن الملف الاقتصادي دخل الغرفة قبل أن يحسم الملف السياسي، وهو رافعة فقط إذا كان مشروطا وقابلا للعكس ومتفقا عليه مع أوروبا، وإلا صار دفعا مقدما مقابل لا شيء. الثالثة أن وسيطا لا يملك أدوات الإنفاذ لا يستطيع أن يضمن اتفاقا، مهما بلغت جودة علاقته الشخصية بالطرفين.

بعد مغادرة المبعوثين لن يكون الضامن شخصا ولا عاصمة. الضامن هو الترتيب الذي يجعل نقض الاتفاق أغلى من احترامه في اليوم التالي لتوقيعه. وما دام هذا الترتيب غائبا، فإن كل إعلان عن تقدم يبقى وصفا لاجتماع، لا وصفا لسلام.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع