
النقاش العربي حول المسيرات ينشغل بسؤال المنشأ، وهو أقل الأسئلة قيمة تحليلية. التحول الذي غير طبيعة الحرب في السنوات الأربع الماضية ليس ظهور سلاح جديد، بل انقلاب معادلة الكلفة بين الهجوم والدفاع. صار ممكنا تهديد منشأة قيمتها مليارات بذخيرة تكلف عشرات الآلاف، وصار الرد عليها بصاروخ اعتراضي يكلف ملايين. من يخسر هذه المعادلة الحسابية يخسر الحرب، حتى لو لم يعبر أحد حدوده.
وهذا الدرس لم يعد ملكا لأحد. صار معرفة عامة تنتقل بالمشاهدة والمحاكاة، لا بخطوط التوريد. كل من تابع أربع سنوات من البث المفتوح لهذه الحرب حصل على الدورة التدريبية كاملة ومجانا.
في 26 أغسطس (آب) 2026، أعلن المتحدث باسم الجيش الإيراني، العميد محمد أكرمي نيا، مبادئ عقيدة معدلة تقوم على الرد السريع، والانتقام غير المتناسب، والعمل الاستباقي، وتوسيع النطاق الجغرافي للأهداف، مع تسمية مراكز الطاقة ومضيق باب المندب وكابلات الإنترنت البحرية صراحة. هذه ليست عقيدة جديدة. إنها العقيدة نفسها التي شكلت الحرب في أوكرانيا منذ عام 2024، منقولة إلى مسرح آخر.
من يريد أن يفهم ما سيحدث لبنيته التحتية في عام 2027، فليقرأ ما حدث لشبكة الكهرباء الأوكرانية بين عامي 2022 و2026. انخفضت القدرة التوليدية المتاحة في أوكرانيا من نحو 55 غيغاواط إلى نحو 11.5 غيغاواط. هذا ليس خبرا من أوروبا الشرقية. هذا سيناريو.
في أواخر مارس (آذار) 2026، قام الرئيس الأوكراني بجولة شملت جدة وأبوظبي والدوحة وعمان، ووقع اتفاقات تعاون دفاعي مع السعودية والإمارات وقطر والأردن. وأعلنت كييف نشر أكثر من 200 خبير في مكافحة المسيرات في خمس دول بالمنطقة. المنطق الاقتصادي الذي قدمته كييف بسيط وقاطع: اعتراض مسيرة تكلفتها نحو 130 ألف دولار بصاروخ تكلفته ملايين هو معادلة خاسرة بنيويا، والبديل مسيرة اعتراضية بنحو عشرة آلاف دولار.
هذه أهم نقطة في الملف كله، وهي تمر في الإعلام العربي بلا تحليل كاف. المعرفة التي تبيعها كييف اليوم للخليج اكتسبتها في مواجهة روسيا. والخليج يدفع مقابلها بصواريخ دفاع جوي عالية المستوى وتمويل، أي بالمورد الذي تحتاج إليه أوكرانيا لمواجهة روسيا. من زاوية موسكو، هذا ليس حيادا. ومن زاوية الخليج، هذا دفاع مشروع عن النفس أمام تهديد مباشر.
أقول بصراحة إن هذه المعادلة ستولد احتكاكا مع موسكو عاجلا أو آجلا، وإن إدارتها تحتاج إلى وضوح مسبق لا إلى مفاجآت. الخيار المتاح ليس الامتناع، بل الفصل الصريح: التعاون التقني في الدفاع عن المدنيين والبنية المدنية ملف قائم بذاته، ولا يفسر بوصفه اصطفافا في الحرب الأوروبية.
هبط إنتاج النفط الخام الروسي في يوليو (تموز) 2026 إلى 8.89 مليون برميل يوميا، أي أقل بنحو مليون برميل يوميا من السقف المسموح به لها ضمن اتفاق أوبك بلس. وتراجع التكرير إلى أدنى مستوى منذ عام 2002. وفي ذروة الضربات في مارس (آذار) 2026، كان نحو 40% من طاقة التصدير الروسية خارج الخدمة.
المعنى بالنسبة إلى الرياض وأبوظبي والكويت والدوحة أن الشريك الذي كان يوازن السوق أصبح هو نفسه مصدرا لعدم اليقين. وأي حسابات لإدارة الأسعار في عام 2027 لا يمكن أن تفترض أن روسيا قادرة على الالتزام بحصتها. وفي المقابل، فإن أي تسوية في أوكرانيا ستعيد إلى السوق قدرة تصديرية معطلة، بما يعني ضغطا نزوليا على الأسعار في لحظة قد يكون الخليج فيها بأمس الحاجة إلى العائد لإعادة بناء ما تضرر. من الحكمة أن يبنى سيناريو التسوية في نماذج الموازنة الخليجية منذ الآن، لا بعد وقوعها.
بلغت الوساطة الإماراتية جولتها السادسة والعشرين في 19 أغسطس (آب) 2026، بإجمالي 7,997 شخصا شملتهم عمليات التبادل. واستضافت السعودية جولات بين المفاوضين الأمريكيين والروس والأوكرانيين. وركزت قطر على ملف الأطفال. وحافظت تركيا على اتفاقية مونترو، واستقبل وزير خارجيتها موسكو في يونيو (حزيران)، وكييف في يوليو (تموز)، والتقى الرئيسان الروسي والتركي في بيشكيك في الأول من سبتمبر (أيلول).
هذه ليست أدوارا إنسانية فحسب. إنها البنية التحتية الوحيدة العاملة لأي تسوية. المطلوب تحويل هذه الجهود المتفرقة من مبادرات ظرفية إلى آلية دائمة: تنسيق خليجي-تركي ثابت، بأمانة فنية صغيرة، يراكم الملفات ولا يبدأ من الصفر في كل جولة. من يملك الأرشيف يملك الوساطة.
هناك مساحة تفاوضية واحدة أثبتت أنها قابلة للتحقق حتى في ذروة العداء: تقييد استهداف منشآت الطاقة. جرى التوصل إلى ترتيبات محدودة من هذا النوع بوساطة أمريكية في عام 2025، ثم انهارت.
الخليج وتركيا هما الطرفان الوحيدان اللذان يتضرران من هذا النمط في المسرحين معا: من الضربات على المصافي الروسية والموانئ الأوكرانية، ومن الضربات على منشآت الغاز الإماراتية والموانئ الكويتية. مصلحتهما متطابقة. وطرح مبادرة لتثبيت “قاعدة عدم استهداف البنية المدنية للطاقة”، كقاعدة عابرة للمسرحين، هو أذكى ما يمكن أن تفعله دبلوماسية إقليمية اليوم، لأنه يخدم أمنها المباشر ويمنحها، في الوقت نفسه، موقعا تفاوضيا في الملف الأوروبي.
حين تتوقف الحرب، سيكون ملف إعادة الإعمار الأوكراني والملف الروسي لإعادة الاندماج الاقتصادي مفتوحين في وقت واحد. وسيكون رأس المال الخليجي من الأطراف القليلة القادرة على العمل في المسارين دون قيود سياسية مانعة. الاستعداد لهذا يبدأ قبل التسوية لا بعدها: كوادر قانونية تفهم نظام العقوبات، وشراكات لوجستية، ودراسات جدوى جاهزة.
توقفت الحرب في أوكرانيا منذ وقت طويل عن كونها حربا أوروبية، وما زالت تصنف في الإعلام العربي ضمن الأخبار البعيدة. الأدق أنها صارت المرجع العملي الذي تتعلم منه الدول كيف تضرب اقتصاد خصمها من دون أن تعبر حدوده بجندي واحد. والدرس الجوهري ليس في نوع السلاح ولا في مصدره، بل في انقلاب معادلة الكلفة. حين تصبح ذخيرة ثمنها عشرات الآلاف قادرة على تعطيل منشأة قيمتها مليارات، ويصبح الرد عليها بصاروخ يكلف ملايين، فإن الطرف الذي يخسر هذه الحسبة يخسر الحرب، حتى لو بقيت حدوده سليمة على الخريطة. هذه المعادلة لا تحتاج إلى ترخيص ولا إلى مورد. تنتقل بالمشاهدة.
وفي قلب المشهد مفارقة يتجنبها التحليل العربي. أوكرانيا تحولت في غضون أشهر من متلق للأمن إلى مصدر له، والخليج هو زبونها الأول. الخبرة التي تبيعها كييف اكتسبتها في مواجهة موسكو، والثمن الذي تتقاضاه هو الدفاع الجوي عالي المستوى والتمويل، أي المورد نفسه الذي تحتاج إليه في تلك المواجهة. من زاوية موسكو، هذا ليس حيادا. ومن زاوية الخليج، هذا دفاع مشروع عن النفس أمام تهديد مباشر يسقط فوق مدنه. الموقفان صحيحان، وهذا تحديدا ما يجعل الملف قابلا للانفجار إن ترك بلا تعريف. الصمت لن يديره. ما يديره هو الفصل المعلن مسبقا: التعاون التقني في حماية المدنيين والبنية المدنية ملف قائم بذاته، ولا يقرأ بوصفه انخراطا في الحرب الأوروبية.
في المقابل، يملك الخليج وتركيا ما لا تملكه أي عاصمة أخرى في هذا الملف، وهو قناة تعمل مع موسكو وكييف في الوقت نفسه، ولم تنقطع يوما رغم كل الانهيارات. ما ينقص هذه الجهود ليس النفوذ، بل الشكل. إنها تعمل بوصفها مبادرات ظرفية تبدأ من الصفر في كل جولة، بينما الوساطة الحقيقية مهنة تراكمية. من يملك الأرشيف هو من يملك القدرة على طرح الحل في اللحظة التي تنضج فيها الحاجة إليه.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير