القضايا الاقتصاديةوحدة الدراسات الصينية

سلاح الطاقة في العلاقات الأمريكية – الصينية وعبثية فخ ثيوسيديدس


  • 24 مايو 2026

شارك الموضوع

في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، أوقفت منظمة الدول العربية المصدّرة للنفط “أوابك” (OAPEC)، بدعم من مصر وسوريا، بيع النفط للدول التي ساندت إسرائيل في حرب أكتوبر ضد مصر وسوريا. وشملت هذه الدول كندا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وترافق الحظر مع تخفيضات شهرية تدريجية في الإنتاج، حتى وصل إنتاج “أوابك” بحلول ديسمبر (كانون الأول) 1973 إلى ربع مستويات سبتمبر (أيلول) 1973. وفي ذلك الوقت، لم تتجاوز نسبة إنتاج النفط الأمريكي (16.5%) من الإنتاج العالمي، وكانت الولايات المتحدة مستوردًا رئيسيًا للنفط. ورغم أن الولايات المتحدة وغيرها من الدول المستهدفة بقرارات “أوابك” كانت من كبار المستوردين، فإن انخفاض تكاليف الاستخراج بالنسبة لدول المنظمة مكّنها من الحفاظ على ميزان مدفوعاتها حتى من دون بيع النفط للولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرهما.

وقد أدى قرار المنظمة عام 1973 إلى ركود عالمي وأزمة اقتصادية واسعة. وبحلول نهاية الحظر في عام 1974، ارتفع سعر النفط من 3 دولارات للبرميل إلى 12 دولارًا، بل تجاوز ذلك في الولايات المتحدة. وفي غضون ذلك، تضاعفت معدلات البطالة في الولايات المتحدة، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة (6%). لكن الولايات المتحدة كانت تُعدّ لرد فعل مضاد عبر إقناع الدول العربية المنتجة بالتصرف بما يخدم مصالحها. وكان لأزمة عام 1973 تداعيات طويلة الأمد؛ إذ تصدّرت السيارات اليابانية القادرة على قطع ضعف المسافة بخزان وقود واحد الأسواق العالمية، بينما بدأت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى البحث عن منتجين جدد للنفط وتطوير تقنيات الاستخراج. وفي الوقت نفسه، كان الاتحاد السوفيتي لا يزال يحقق أرباحًا طائلة من بيع نفطه. لكن واشنطن تعلمت درسًا بالغ الأهمية حول كيفية استخدام النفط كسلاح اقتصادي استراتيجي لإضعاف الخصوم.

النفط كسلاح استراتيجي أمريكي في الحرب الباردة

في عام 1979، تسببت الثورة الإسلامية في إيران في انخفاض حاد بإنتاج النفط الإيراني، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية. وفاقمت الحرب العراقية – الإيرانية، التي اندلعت في سبتمبر (أيلول) 1980، هذا الوضع. لكن مع بداية ثمانينيات القرن العشرين، أثمرت الجهود المشتركة للولايات المتحدة ودول العالم المتقدم، وبدأت أسعار النفط بالانخفاض نتيجة زيادة الإنتاج. وفي عام 1981، ألغت الإدارة الأمريكية الرقابة الحكومية على أسعار النفط ومشتقاته، وخفضت الضرائب في الوقت نفسه، واستمرت الأسعار في التراجع المتواصل منذ عام 1980.

وخلال الحرب الباردة، ركزت إدارة الرئيس رونالد ريغان على استغلال الاعتماد السوفيتي الشديد على إيرادات النفط، التي شكلت نحو (60%) من العملة الصعبة للاتحاد السوفيتي. وفي عام 1985، توسط مدير وكالة الاستخبارات المركزية وليام كيسي مع الملك فهد بن عبد العزيز في صفقة أدت إلى زيادة الإنتاج النفطي السعودي بشكل هائل، من نحو 2 – 3 ملايين برميل يوميًا إلى أكثر من 5 – 6 ملايين برميل. وأسفر ذلك عن انهيار أسعار النفط العالمية من نحو 30 دولارًا للبرميل في نوفمبر (تشرين الثاني) 1985 إلى أقل من 10 دولارات في مارس (آذار) 1986، ما تسبب في خسائر سوفيتية تجاوزت 20 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو (7.5%) من الدخل الوطني. وأدى هذا الانهيار إلى عجز هائل في الميزانية، وعدم قدرة موسكو على تمويل واردات الغذاء أو دفع رواتب الجيش، مما سرّع عملية “البيريسترويكا” التي قادها ميخائيل غورباتشوف وأسهم مباشرة في انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وكان هذا النهج جزءًا من استراتيجية “NSDD-75” التي ركزت على إضعاف مصادر الدخل السوفيتية من دون مواجهة عسكرية مباشرة.

وتُعد هذه “الصدمة النفطية العكسية” (Reverse Oil Shock) نموذجًا كلاسيكيًا لاستخدام السيطرة على إمدادات الطاقة كأداة جيوسياسية. فلم يكن الأمر مجرد مصادفة اقتصادية بحتة، بل تنسيقًا مدروسًا بين واشنطن والرياض مقابل دعم أمريكي في مجالات أخرى، مثل الأسلحة والأمن. وقد أكدت الدراسات اللاحقة، بما في ذلك تحليلات ييغور غايدار، رئيس الوزراء الروسي الأول بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أن انهيار الأسعار كان عاملًا حاسمًا في تفكك الاقتصاد السوفيتي، الذي اعتمد على النفط بوصفه “دعامة” رئيسية للاستقرار.

الصين والتعرض لسلاح صدمة الطاقة

تتكرر اليوم آليات مشابهة لكن بصيغة معكوسة؛ فبدلًا من خفض الأسعار لإضعاف مصدر الطاقة، كما حدث مع الاتحاد السوفيتي، تركز الولايات المتحدة على تعطيل الإمدادات ورفع الأسعار للضغط على مستورد كبير هو الصين. وقد بدأت الأزمة في فبراير (شباط) 2026 بضربات أمريكية – إسرائيلية على إيران، أعقبتها طهران بإعلان إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو (20%) من النفط العالمي. وأدت الهجمات على السفن وزرع الألغام إلى انخفاض حاد في حركة الملاحة، بالتوازي مع فرض حصار بحري أمريكي على الموانئ الإيرانية وإعلان الرئيس دونالد ترمب السيطرة على المضيق.

أما في فنزويلا، فقد أدت عملية عسكرية أمريكية في 3 يناير (كانون الثاني) 2026 إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وتولي نائبته دلسي رودريغيز رئاسة مؤقتة تحت إشراف واشنطن. وتسيطر الولايات المتحدة الآن على مبيعات النفط الفنزويلي، حيث تُودع العوائد في حسابات أمريكية محكومة، بالتزامن مع عودة شركات أمريكية، مثل “شيفرون”، وتخفيف انتقائي للعقوبات بما يخدم المصالح الأمريكية.

ولا يمكن فصل هذين الحدثين عن استراتيجية “سلاح النفط” التاريخية أو سياسة “الاحتواء” من دون مواجهة عسكرية مباشرة، إذ يستهدفان نقاط الاختناق (Chokepoints) الرئيسية لإمدادات الطاقة إلى الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم. فحوالي (45 – 50%) من واردات النفط الصينية تمر عبر مضيق هرمز، خصوصًا من السعودية والعراق والإمارات وإيران، بينما كانت فنزويلا تمثل مصدرًا رخيصًا ومهمًا لبكين، بخصومات تصل إلى 20 دولارًا للبرميل، إلى جانب كونها وسيلة لسداد الديون الصينية. كما تمثل إيران نحو (12 – 13%) من الواردات النفطية الصينية. ومن ثم، فإن السيطرة الأمريكية على النفط الفنزويلي تحرم الصين من الخام الرخيص، بينما يؤدي تعطيل مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، ما يرفع تكاليف التصنيع والنقل داخل الاقتصاد الصيني.

لكن لا يمكن اعتبار هذا الاستخدام الأمريكي لسلاح الطاقة “كارثيًا” بالنسبة إلى الصين على المدى القصير، في ضوء قدرات بكين على التحمل. فالصين تمتلك احتياطيات نفطية استراتيجية تكفي من 4 إلى 7 أشهر أو أكثر، فضلًا عن تنويع مصادر الطاقة، سواء عبر روسيا برًا أو عبر كندا والبرازيل، إضافة إلى مخزون نفطي إيراني سابق في المياه العائمة. كما تسرّع بكين تحولها نحو الطاقة المتجددة. ومع ذلك، فإن إغلاقًا طويلًا لمضيق هرمز، يتجاوز ثلاثة أشهر، سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، والضغط على الاقتصاد الصيني في ظل تعافٍ غير مستقر، فضلًا عن تعزيز الاعتماد على روسيا. ويعكس هذا النمط تحولًا في الاستراتيجية الأمريكية؛ من خفض الأسعار ضد مصدر للطاقة، كما حدث مع الاتحاد السوفيتي، إلى تعطيل الإمدادات ورفع الأسعار ضد مستورد للطاقة، أي الصين، ضمن إطار المنافسة الاستراتيجية الأوسع مع محور الصين – روسيا – إيران.

عبثية فرضية “فخ ثيوسيديدس” في فهم العلاقات الأمريكية – الصينية

تحيلنا المواجهة الأمريكية – الصينية في سوق الطاقة إلى فرضية “فخ ثيوسيديدس” (Thucydides Trap)، التي صاغها غراهام أليسون استنادًا إلى المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس. وتفترض هذه النظرية أن صعود قوة ناشئة (Rising Power) يهدد هيمنة قوة قائمة (Ruling Power) يؤدي عادة إلى الحرب، نتيجة ما يولده ذلك من “ضغط هيكلي” (Structural Stress) يجعل الصدام “القاعدة لا الاستثناء”، وفقًا لتوصيف أليسون الذي استند إلى 12 حالة من أصل 16 حالة تاريخية.

ويمكن اعتبار الاتحاد السوفيتي قوة “صاعدة”، أو على الأقل منافسًا استراتيجيًا هدد الهيمنة الأمريكية خلال الحرب الباردة، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى سبعينيات القرن العشرين، بالنظر إلى امتلاكه ترسانة نووية ضخمة، ونفوذًا أيديولوجيًا عالميًا، وإنجازات في مجالات الفضاء والتسليح، ما جعله يُقارن بـ”أثينا الصاعدة” في مواجهة “إسبرطة الأمريكية” المهيمنة. وقد حذر الكاتب الأمريكي هيرمان ووك عام 1980 من “فخ ثيوسيديدس” في سياق التنافس الأمريكي – السوفيتي، ورأى فيه إعادة إنتاج للصراع بين أثينا وإسبرطة. ومع ذلك، لم يؤد هذا الصعود إلى حرب ساخنة مباشرة كما تفترض النظرية، بل انتهى بانهيار الاتحاد السوفيتي داخليًا عام 1991 من دون مواجهة عسكرية مباشرة.

وكان غراهام أليسون، العميد السابق لكلية كينيدي بجامعة هارفارد، أول من ربط “فخ ثيوسيديدس” بالعلاقات الأمريكية – الصينية، مشيرًا إلى أن الحرب تصبح شبه حتمية عندما تُثير قوة صاعدة الخوف داخل قوة مهيمنة. وقد أثار طرح أليسون جدلًا واسعًا، سواء في الولايات المتحدة أو في الصين، لكنه تحول لاحقًا إلى إطار شائع لتحليل العلاقة بين البلدين، رغم الاعتراضات الأكاديمية الجدية عليه، لا سيما أن تبنيه يوحي بأن الحرب بين الصين والولايات المتحدة أصبحت مسألة وشيكة.

غير أن هذه ليست المرة الأولى التي يُستدعى فيها “فخ ثيوسيديدس” لتفسير علاقة بين قوتين عظميين، إذ سبق استخدامه لتحليل التنافس الأمريكي – السوفيتي خلال الحرب الباردة. وفي ذلك الوقت، رفض كثير من المحللين الأمريكيين فكرة حتمية الحرب، وميزوا بين “الأسباب العميقة”، المتمثلة في الخوف من صعود المنافس، و”الأسباب المباشرة”، أي الأزمات المحددة التي تدفع القوى الكبرى نحو الحرب، معتبرين أن هذه الأسباب المباشرة قابلة للإدارة والاحتواء. وبعبارة أخرى، فإن الإدارة الدقيقة للأزمات قد تمنع تحولها إلى مواجهة عسكرية شاملة، وهو ما ينفي حتمية الحرب بوصفها نتيجة تلقائية للصعود الجيوسياسي.

ومن المفارقات أن أليسون نفسه كان أحد أبرز الباحثين في مدرسة “إدارة الأزمات” قبل أن يعيد صياغة مفهوم “فخ ثيوسيديدس” في سياق العلاقات الأمريكية – الصينية.

وهنا يبرز سؤال صيني جوهري طرحه غان يانغ، المولود عام 1953، وأحد أبرز المفكرين الصينيين منذ ثمانينيات القرن العشرين، والذي قاد أحد أوائل مشاريع الترجمة الكبرى في مرحلة ما بعد الثورة الثقافية: ماذا حدث؟ وأين ذهبت “إدارة الأزمات”؟

قد تكون إحدى الإجابات أن الولايات المتحدة، التي كانت تمثل “أثينا” خلال الحرب الباردة، باتت ترى نفسها اليوم بوصفها “إسبرطة”. فبالنسبة إلى أثينا، تبدو الحرب حتمية والخسارة ممكنة، أما بالنسبة إلى إسبرطة، فقد تكون الحرب حتمية أيضًا، لكن النصر يظل حليفها في النهاية، وإن كان بثمن باهظ.

وهنا تحديدًا تظهر محدودية نظرية “فخ ثيوسيديدس”، لأنها تفترض أن الحرب نتيجة حتمية للصعود الهيكلي، بينما تتجاهل قدرة القوة المهيمنة على استخدام أدوات غير عسكرية، مثل السيطرة على أسواق الطاقة، لإضعاف المنافس من دون إطلاق رصاصة واحدة. ففي حالة الاتحاد السوفيتي، لم يكن “الفخ” مصيرًا محتومًا، بل جرى تجاوزه عبر “حرب باردة اقتصادية” أدت إلى انهيار داخلي. بل إن أليسون نفسه يقر بأن الاستراتيجية الأمريكية خلال الحرب الباردة، القائمة على الاحتواء والضغط الاقتصادي والدبلوماسية، نجحت في تجنب الحرب الساخنة، بما يؤكد أن “الفخ” ليس حتميًا إذا فضّلت القوى الكبرى الذكاء الاستراتيجي على الاستجابة للخوف الهيكلي.

وفي ضوء ما سبق، فإن “حرب الطاقة” الحالية لا تعني بالضرورة تكرار سيناريو الاتحاد السوفيتي. فالصين ليست نموذجًا سوفيتيًا؛ إذ يمتلك اقتصادها تنوعًا كبيرًا بوصفها قوة صناعية وتصديرية عالمية، ولا تعتمد على الريع النفطي كما كان حال الاتحاد السوفيتي، فضلًا عن امتلاكها احتياطيات استراتيجية ضخمة، وتنويع مصادر الطاقة، وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة.

كما أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية، القائمة على تعطيل مضيق هرمز والسيطرة على النفط الفنزويلي في عام 2026، وإن كانت تشبه “سلاح النفط” التاريخي، فإنها تواجه هذه المرة دولة أكثر مرونة وقدرة على الصمود طويل الأمد. لذلك، فإن اعتبار “فخ ثيوسيديدس” مسارًا حتميًا يؤدي إلى سقوط قوة وصعود أخرى بشكل سريع أو لحظي، هو افتراض يستحق المراجعة، خاصة في ضوء طبيعة العلاقات المختلفة بين واشنطن وبكين، التي تبدو أقرب إلى التنافس منها إلى الصراع، وأقرب إلى الخلاف منها إلى العداء الوجودي. وهو ما يجعل احتمالات الوصول إلى تسويات اقتصادية وسياسية وتجارية أكثر جدية وعقلانية من الانزلاق إلى حرب شاملة لا توجد لها أسباب حقيقية أو منطقية، إذ إن التنافس على المؤشرات الصناعية أو التفوق الاقتصادي لا يعني بالضرورة التحول إلى مواجهة عسكرية نووية بين قوتين عظميين.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع