
أجرى الرئيس الصيني شي جين بينغ زيارة رسمية إلى كوريا الشمالية خلال يومي الثامن والتاسع من يونيو (حزيران) 2026، وتُعد هذه الزيارة الأولى للرئيس الصيني خارجياً خلال عام 2026، كما أنها أول زيارة له إلى بيونغ يانغ منذ سبع سنوات. وجاءت هذه الزيارة في لحظة تتسم بتحولات دولية معقدة، وتزايد الأزمات الاقتصادية، وتهديد أمن الطاقة بسبب الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وذلك بعد أن استقبلت بكين كلاً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما أكسب هذه الزيارة طابعاً استثنائياً. وقد أكد الزعيمان شي جين بينغ وكيم جونغ أون على “الصداقة غير القابلة للكسر” بين البلدين، وتعهد كل منهما بتعزيز التعاون الاستراتيجي في مجالات التجارة والزراعة والتكنولوجيا والسياحة والصحة.
كما تُعد هذه الزيارة محاولة صينية لإعادة تأكيد نفوذ بكين التقليدي على بيونغ يانغ في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة، تشمل تقارباً متزايداً بين كوريا الشمالية وروسيا، وتوترات مستمرة مع الولايات المتحدة وحلفائها في شبه الجزيرة الكورية. وقد تُشكل الزيارة نقطة تحول استراتيجية في ديناميكيات الأمن الإقليمي، حيث تتداخل مصالح الاستقرار مع حسابات القوى الكبرى، وتسعى بكين إلى لعب دور الضامن للتوازن في مواجهة التحديات النووية والعسكرية في محيطها القريب، ولا سيما في شبه الجزيرة الكورية.
تطرقت الزيارة إلى ملفات الأمن الرئيسية في شبه الجزيرة الكورية، والتي تتمحور حول البرنامج النووي الكوري الشمالي، والتوترات المرتبطة بالصواريخ الباليستية، والوجود العسكري الأمريكي. ولطالما اعتبرت بكين كوريا الشمالية مساحة أمان ضرورية تفصل أراضيها عن قوات الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية، حيث ينتشر نحو 28 ألف جندي أمريكي. ومع ذلك، أدى تطوير بيونغ يانغ لأسلحتها النووية، بما في ذلك إنتاج مواد نووية كافية لصنع ما بين 10 و20 قنبلة سنوياً، إلى جانب اختبارات الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، إلى تعقيد الوضع الأمني.
وخلال الزيارة، تجنب الجانبان الحديث العلني عن الملف النووي، بما يعكس تحولاً في موقف بكين من الضغط باتجاه نزع السلاح النووي إلى التركيز على الاستقرار والتنسيق الاستراتيجي. ويُذكر أن معاهدة الدفاع المتبادل الموقعة عام 1961 بين الصين وكوريا الشمالية، والتي تحتفل هذا العام بالذكرى الخامسة والستين لتوقيعها، شكلت أساساً للمناقشات، حيث أكد شي جين بينغ على “الدفاع المشترك عن السيادة والأمن والمصالح التنموية”.
وتمثل معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة أحد أبرز الأعمدة القانونية والاستراتيجية في العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ. وقد وُقعت المعاهدة في 11 يوليو (تموز) 1961 في بكين من قبل رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي ورئيس وزراء كوريا الشمالية كيم إيل سونغ، ودخلت حيز التنفيذ في 10 سبتمبر (أيلول) من العام نفسه. وتُعد هذه المعاهدة الوحيدة من نوعها التي تربط الصين بأي دولة أخرى في إطار تحالف دفاعي رسمي، كما أنها تُجدد تلقائياً كل عشرين عاماً ما لم يُعلن أحد الطرفين إنهاءها، وقد جُددت آخر مرة عام 2021 لتظل سارية حتى عام 2041 على الأقل.
وتتكون المعاهدة من سبع مواد رئيسية تركز على تعهدات سياسية واقتصادية وعسكرية. وتنص المادة الأولى على أن الطرفين سيبذلان جهوداً مشتركة لحماية السلام في آسيا والعالم وأمن الشعوب. أما المادة الثانية، وهي جوهر المعاهدة، فتلزم الطرفين بـ”اتخاذ جميع التدابير المشتركة لمنع العدوان”، وفي حال تعرض أحدهما لهجوم مسلح من دولة أو مجموعة دول، يقدم الطرف الآخر “المساعدة العسكرية وغيرها فوراً بكل الوسائل المتاحة”. ويُفسر هذا النص على أنه التزام بالدفاع الجماعي. أما المادة الثالثة فتحظر على أي طرف الانضمام إلى تحالف أو اتخاذ إجراء موجه ضد الطرف الآخر، في حين تشجع المواد اللاحقة على التشاور في القضايا المهمة والتعاون الاقتصادي والثقافي. كما تنص المادة السادسة على التجديد التلقائي كل عشرين عاماً، ما يمنحها طابعاً دائماً.
ومن الناحية التاريخية، جاءت المعاهدة في سياق التوتر الصيني – السوفييتي. فقد وقعت كوريا الشمالية معاهدة مماثلة مع الاتحاد السوفييتي في 6 يوليو (تموز) 1961، واستغلت بيونغ يانغ التنافس بين بكين وموسكو لتعزيز استقلاليتها. واعتبرت الصين المعاهدة أداة سياسية وعسكرية لكسب نفوذ في شبه الجزيرة الكورية بعد تدخلها في الحرب الكورية (1950-1953)، حيث أرادت بكين ضمان وجود حاجز وقائي في مواجهة الوجود الأمريكي في الجنوب. ولم تتضمن المعاهدة بنوداً صريحة للإلغاء كما هو الحال في بعض التحالفات الأخرى، بما يعكس التزاماً قوياً من جانب الصين رغم مخاطر التورط في صراع غير مرغوب فيه، لكنه يوضح في الوقت نفسه الخطوط الحمراء الصينية فيما يتعلق بأمنها القريب.
وبالنسبة لكوريا الشمالية، توفر المعاهدة ضمانة صينية ضد أي هجوم أمريكي – كوري جنوبي محتمل، أما بالنسبة للصين، فهي تحافظ على منطقة عازلة تحول دون وصول قوات أجنبية إلى حدودها الشمالية الشرقية، وتمنع تدفق اللاجئين أو حدوث فوضى إقليمية قد تعرقل نموها الاقتصادي. ومع ذلك، أبدت بكين مراراً تحفظات ضمنية، إذ ألمح مسؤولون صينيون خلال السنوات الأخيرة إلى أن الالتزام لا ينطبق إذا كانت بيونغ يانغ هي الطرف المعتدي أولاً، كما حدث في الحرب الكورية. ويمنح هذا التفسير الدفاعي الضيق الصين قدراً من المرونة الدبلوماسية، خاصة في ظل البرنامج النووي الكوري الشمالي الذي يعقد حسابات بكين.
واكتسبت المعاهدة أهمية متجددة خلال زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى بيونغ يانغ، والتي تزامنت مع الذكرى الخامسة والستين لتوقيعها. وأكد الزعيمان على “الدفاع المشترك عن السيادة والأمن”، دون الإعلان عن أي تعديلات جوهرية عليها. وجاءت هذه الزيارة أيضاً كرد صيني على التقارب الروسي – الكوري الشمالي، الذي بلغ ذروته بتوقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة في يونيو (حزيران) 2024، والتي دخلت حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وتتضمن التزاماً دفاعياً متبادلاً مماثلاً. وقد منح هذا التحالف الجديد كيم جونغ أون خيارات أوسع لتنويع شراكاته، ما قلل من الاعتماد الحصري على بكين وأثار مخاوفها من تراجع نفوذها التقليدي. ومع ذلك، لم تلغِ هذه التطورات أهمية المعاهدة الصينية – الكورية الشمالية، بل حولتها إلى أداة لإعادة توازن النفوذ، حيث تستفيد بيونغ يانغ من التنافس بين بكين وموسكو للحصول على دعم اقتصادي وعسكري أكبر.
وفي هذا السياق، تسعى الصين إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، بينما تستفيد كوريا الشمالية من الدعم الاقتصادي الصيني الذي يشكل نحو 90% من تجارتها الخارجية. ومع ذلك، يشير الصمت الصيني حيال الملف النووي إلى قبول ضمني بالوضع النووي لكوريا الشمالية باعتباره أمراً واقعاً، بما يعزز دور بكين كوسيط محتمل في أي حوار مستقبلي مع واشنطن، خاصة بعد قمة شي جين بينغ مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
من ناحية أخرى، يبرز تأثير العلاقات الكورية الشمالية – الروسية بوصفه عاملاً حاسماً في تشكيل ديناميكيات العلاقات مع بكين. فمنذ عام 2024، تطورت الشراكة بين بيونغ يانغ وموسكو بشكل ملحوظ، بدءاً من زيارة فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية وتوقيع معاهدة دفاع مشترك، مروراً بإرسال كوريا الشمالية آلاف الجنود والأسلحة لدعم روسيا في أوكرانيا مقابل مساعدات اقتصادية وعسكرية. وقد منح هذا التقارب كيم جونغ أون نفوذاً إضافياً وخيارات أوسع لتنويع الشركاء، ما قلل من الاعتماد الحصري على الصين وأثار مخاوف بكين من فقدان نفوذها التقليدي. إذ أصبحت روسيا مصدراً بديلاً للدعم العسكري والتكنولوجي، خاصة في مجالي الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما يسمح لكوريا الشمالية بتعزيز قدراتها النووية دون الخضوع الكامل لضغوط بكين.
ومع ذلك، لم تكن العلاقات الصينية – الكورية الشمالية علاقة صفرية، فالصين لا تزال الشريك التجاري الرئيسي لبيونغ يانغ، وقد استؤنفت الرحلات الجوية والقطارات المباشرة بين البلدين، ما ساهم في تعافي التجارة إلى مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19. ولهذا جاءت زيارة شي جين بينغ بوصفها استجابة استراتيجية لإعادة توازن النفوذ، حيث يسعى إلى إعادة دمج كوريا الشمالية ضمن حسابات السياسة الصينية، دون السماح لموسكو بالهيمنة الكاملة على علاقاتها الخارجية. كما أن التقارب الروسي – الكوري الشمالي يعزز من قوة كوريا الشمالية في مفاوضاتها مع الصين، لكنه يدفع بكين في المقابل إلى تقديم حوافز اقتصادية، مثل شحنات الأرز والأسمدة والسياحة الجماعية، لاستعادة التوازن. وبالتالي، تحولت العلاقات الصينية – الكورية الشمالية من نموذج التبعية التقليدي إلى شراكة أكثر توازناً.
يمتد تأثير هذه الزيارة والديناميكيات المرتبطة بها إلى العلاقات الصينية – الكورية الجنوبية، حيث يشكل التقارب الصيني – الكوري الشمالي مصدر قلق لسيول في ظل تعاظم الدور الصيني كلاعب مركزي في شبه الجزيرة الكورية. ولطالما سعت كوريا الجنوبية إلى تحسين علاقاتها مع الصين لأسباب اقتصادية، إذ تُعد بكين أكبر شريك تجاري لها، إلا أن الزيارة أثارت مخاوف من أن يؤدي تعزيز الدعم الصيني لبيونغ يانغ إلى تشجيع تصعيد نووي أو عسكري يهدد الاستقرار الإقليمي.
وأعربت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية عن أملها في أن تلعب الزيارة “دوراً بنّاءً” في معالجة قضايا شبه الجزيرة الكورية، بما في ذلك إمكانية الوساطة الصينية في حوار محتمل بين كيم جونغ أون ودونالد ترامب. ومع ذلك، إذا جرى تفسير الزيارة باعتبارها محاولة صينية لاستخدام نفوذها على كوريا الشمالية لتعزيز موقعها في مواجهة التحالف الأمريكي – الياباني – الكوري الجنوبي، فقد يؤدي ذلك إلى توترات إضافية، مع شعور سيول بأن بكين تتغاضى عن التهديدات النووية مقابل مصالحها الاستراتيجية.
كما أن التقارب الروسي – الكوري الشمالي يدفع كوريا الجنوبية نحو تعزيز تحالفاتها مع الولايات المتحدة، ما يعقد جهود الصين الرامية إلى كسر هذا التحالف أو إضعافه. وفي المقابل، يمكن للزيارة أن تفتح آفاقاً لتعاون ثلاثي صيني – كوري جنوبي – ياباني في قضايا إقليمية أخرى، كما حدث في قمم سابقة، لكنها تعزز في الوقت نفسه الشكوك بشأن مصداقية بكين كوسيط محايد. ويظل التأثير الرئيسي لهذه التطورات هو تعزيز الدور الصيني كقوة توازن، بما يجبر سيول على التوفيق بين مصالحها الأمنية مع واشنطن ومصالحها الاقتصادية مع بكين، في سياق يزداد تعقيداً بفعل التنافس الدولي المتصاعد.
أخيراً، تبرز الزيارة تحول السياسة الصينية نحو البراغماتية الاستراتيجية في لحظة تتسم بتصاعد التنافس والصدام في النظام الدولي القائم. وفي الوقت نفسه، تعلن أن بكين لم تعد تتعامل مع كوريا الشمالية بوصفها تابعاً تقليدياً، بل شريكاً يتطلب إدارة دقيقة للتناقضات. ولهذا جاء الصمت الرسمي من الجانبين حول معظم القضايا الخلافية، ولا سيما الملف النووي والتجارب الصاروخية وتوسيع الدعم العسكري المباشر لروسيا. وتؤكد هذه المؤشرات أن الصين بدأت تتعامل مع السياسات الكورية الشمالية باعتبارها أمراً واقعاً، وتسعى حالياً إلى الحفاظ على مكانتها كلاعب مركزي في أي ترتيبات أمنية مستقبلية تخص شبه الجزيرة الكورية. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر متمثلاً في قدرة بكين على إدارة اندفاع بيونغ يانغ في ظل تنافس روسي – أمريكي – ياباني – كوري جنوبي محتدم في محيطها القريب.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير