
لم يكن التصعيد العسكري الذي اندلع في أواخر فبراير (شباط) 2026 بين إسرائيل وإيران مجرد مواجهة إقليمية جديدة، بل تحول بسرعة إلى اختبار حقيقي لطبيعة التحالفات الدولية في الشرق الأوسط. فبعد الضربات الجوية الواسعة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد مواقع عسكرية ونووية إيرانية، وردّ طهران بإطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة وإغلاق مضيق هرمز مؤقتًا، برز تساؤل جوهري حول الموقف الروسي: أين تقف روسيا في هذه الحرب؟
لقد أصبحت إيران أحد أقرب شركاء موسكو خارج الفضاء السوفيتي السابق خلال السنوات الأخيرة. كما تُوِّج هذا التقارب بتوقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين عام 2025، والتي تهدف إلى تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي والسياسي لمدة عشرين عامًا. لكن، مع اندلاع الصراع العسكري المباشر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، اكتفت موسكو بإصدار بيانات سياسية تدعو إلى خفض التصعيد دون تدخل عسكري مباشر. كما أن هذا التناقض الظاهري بين قوة الشراكة السياسية وحدود الدعم العسكري دفع العديد من مراكز الأبحاث الغربية إلى وصف العلاقة بين البلدين بأنها تحالف مصالح براغماتي أكثر من كونها تحالفًا دفاعيًا ملزمًا. فروسيا، على الرغم من تقاربها مع إيران، تسعى بالأساس إلى إدارة التوازنات الإقليمية والاستفادة من نتائج الصراع أكثر من الانخراط المباشر فيه.
تعود جذور العلاقات بين روسيا وإيران إلى مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل تسعينيات القرن العشرين. فبعد عقود طويلة من التنافس الجيوسياسي في منطقة القوقاز وبحر قزوين، وجدت موسكو وطهران مصلحة مشتركة في تطوير علاقات اقتصادية وعسكرية، وخاصة في ظل العقوبات الغربية المفروضة على إيران.
ففي التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبحت روسيا أحد أهم موردي الأسلحة لإيران، حيث زودتها بعدد من الأنظمة العسكرية المهمة، مثل مقاتلات ميغ-29 وطائرات الهجوم سو-24، إضافة إلى دبابات تي-72 وغواصات من فئة كيلو، وأنظمة دفاع جوي مثل إس-200 ولاحقًا إس-300. ولكن، رغم ذلك، لم تصل هذه العلاقة إلى مستوى التحالف العسكري الكامل، حيث حافظت موسكو في الوقت ذاته على العلاقات الأمنية والعسكرية مع خصوم إيران في المنطقة، مثل إسرائيل وبعض دول الخليج.
كما بقي التعاون الاقتصادي بين البلدين محدودًا نسبيًا لفترة طويلة، إذ تراوح حجم التجارة الثنائية بين مليار وثلاثة مليارات دولار سنويًا. وكانت الصادرات الروسية إلى إيران تتركز في الحبوب والوقود النووي، بينما صدّرت إيران أساسًا المنتجات الزراعية إلى روسيا.
شهدت العلاقات بين موسكو وطهران تحولًا ملحوظًا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. فقد سعت روسيا إلى تعزيز تعاونها مع دول قادرة على مساعدتها في مواجهة العقوبات الغربية، وكانت إيران واحدة من أبرز هذه الدول.
وخلال هذه المرحلة، أصبحت إيران موردًا مهمًا لبعض المعدات العسكرية لروسيا، خاصة الطائرات المسيّرة الانتحارية من طراز “شاهد”، التي استخدمتها القوات الروسية على نطاق واسع في الحرب الأوكرانية. وفي المقابل، قدمت روسيا لإيران دعمًا عسكريًا وتقنيًا في مجالات متعددة، شمل تدريبًا عسكريًا ومعدات دفاعية وبعض أنظمة الطيران. كما توسع التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين، وتضاعف حجم التجارة الثنائية تقريبًا خلال السنوات الأخيرة. كما ساهمت موسكو في دعم انضمام إيران إلى منظمات دولية مثل منظمة شنغهاي للتعاون، ودعمت مشاركتها في مجموعة بريكس الموسعة.
على الرغم من هذا التقارب المتزايد، أظهرت الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران في فبراير (شباط) 2026 حدود الشراكة بين البلدين. فروسيا لم تقدم دعمًا عسكريًا مباشرًا لطهران خلال الضربات الجوية الإسرائيلية – الأمريكية، واكتفت بإصدار بيانات دبلوماسية تدين التصعيد وتدعو إلى العودة إلى المسار السياسي.
ويرجع هذا الموقف إلى مجموعة من العوامل الاستراتيجية، منها انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا ومواجهتها تحديات عسكرية كبيرة، فهي تستهلك قدرًا كبيرًا من الموارد العسكرية والاقتصادية. كما أن العديد من الأنظمة العسكرية المتقدمة التي قد تحتاجها إيران، مثل أنظمة الدفاع الجوي المتطورة أو الطائرات المقاتلة الحديثة، تُعد ضرورية للقوات الروسية نفسها في ساحات القتال الأوروبية. ولذلك، فإن إرسال أنظمة دفاع جوي متطورة أو طائرات مقاتلة إلى إيران قد يضعف القدرات العسكرية الروسية في الجبهة الأوروبية.
كما تسعى موسكو للحفاظ على توازن علاقاتها في الشرق الأوسط، وخصوصًا مع دول الخليج التي أصبحت شريكًا اقتصاديًا مهمًا لها، مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية، اللتين تلعبان دورًا مهمًا في التعاون النفطي مع روسيا ضمن إطار تحالف أوبك+.
كما أن روسيا تحاول تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في وقت تسعى فيه إلى تقليل الضغوط الدولية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
على الرغم من امتناع موسكو عن التدخل العسكري المباشر، فإن استمرار الحرب بين إسرائيل وإيران قد يحقق بعض المكاسب غير المباشرة لروسيا.
فالتوتر في منطقة الخليج يؤدي غالبًا إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما قد يعزز إيرادات الاقتصاد الروسي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الطاقة. كما أن أي اضطراب في إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط قد يزيد اعتماد بعض الدول، وخاصة في آسيا، على النفط والغاز الروسيين.
ومن ناحية أخرى، يشكل الصراع في الشرق الأوسط عامل تشتيت للموارد العسكرية والسياسية للولايات المتحدة وحلفائها، الذين يضطرون إلى توزيع قدراتهم بين مختلف مناطق الصراع، بما في ذلك أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، وهو ما قد يخفف جزئيًا الضغط على روسيا ويمنحها مساحة استراتيجية أكبر للمناورة في الحرب الأوكرانية.
وأخيرًا، تكشف تطورات الحرب بين إسرائيل وإيران في عام 2026 عن حقيقة مهمة في العلاقات الدولية المعاصرة، وهي أن الشراكات الاستراتيجية لا تعني دائمًا التزامًا عسكريًا مباشرًا، وأن العلاقة بين روسيا وإيران، رغم قوتها الظاهرية، تقوم في الأساس على التقاطع المؤقت للمصالح، وليس على تحالف دفاعي ملزم يشبه التحالفات العسكرية التقليدية مثل حلف شمال الأطلسي. ولذلك، فإن موسكو تفضل دعم إيران سياسيًا وتقنيًا بدرجات محدودة، من دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة قد تجرها إلى صراع إقليمي واسع.
كما يرتبط هذا الموقف بمجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية، أبرزها انشغال روسيا بحرب أوكرانيا، ورغبتها في الحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج، بالإضافة إلى حرصها على تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
وتعكس هذه التطورات طبيعة السياسة الروسية في الشرق الأوسط، والتي يبدو أنها تقوم غالبًا على البراغماتية والاستفادة من التحولات الجيوسياسية، دون الالتزام بتحالفات عسكرية قد تقيد حركتها الاستراتيجية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير