
شارك ديميتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، والباحث في الشؤون الدولية والاقتصادية، في أعمال المنتدى الدولي «آفاق بريكس»، الذي استضافته غرفة التجارة والصناعة في الاتحاد الروسي بموسكو، بمشاركة ممثلين عن المؤسسات الحكومية والمالية، وقطاعات الأعمال والاستثمار، والبعثات الدبلوماسية، والمنظمات الاقتصادية من دول بريكس.
وقدم بريجع، ضمن البرنامج الاقتصادي للمنتدى، مداخلة بعنوان «الدول العربية وبريكس.. بنية مالية وتجارية جديدة للأعمال الروسية»، تناول فيها التحولات المتسارعة في العلاقات الاقتصادية بين روسيا والعالم العربي، والفرص التي يتيحها توسع بريكس أمام الشركات الروسية الراغبة في دخول أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأكد في مستهل مداخلته أن العلاقات الروسية العربية تستند إلى تاريخ طويل من التواصل الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي، إلا أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من العلاقات السياسية التقليدية إلى بناء آليات عملية ومستدامة في مجالات التجارة والاستثمار والصناعة والتمويل.
وأشار إلى أن التقارب السياسي، على الرغم من أهميته، لا يؤدي بصورة تلقائية إلى توقيع العقود أو دخول الشركات إلى الأسواق، موضحًا أن الصفقات لا تُبرم بين الشعارات أو التكتلات الدولية، وإنما بين مؤسسات تمتلك رؤية واضحة، ومنتجًا تنافسيًا، وشريكًا موثوقًا، ومنظومة مالية ولوجستية وقانونية قابلة للتنفيذ.
شدد بريجع على ضرورة التخلي عن النظرة التقليدية التي تتعامل مع الدول العربية باعتبارها سوقًا واحدة، مؤكدًا أن كل دولة عربية تمتلك نموذجها الاقتصادي والتشريعي والمالي الخاص، إضافة إلى اختلاف أولوياتها التنموية، وقدرتها الشرائية، وبيئتها الاستثمارية، وآليات اتخاذ القرار فيها.
وأوضح أن دولة الإمارات العربية المتحدة تمثل مركزًا ماليًا ولوجستيًا دوليًا، ومنصة مهمة لإعادة التصدير، وتأسيس المكاتب الإقليمية، وتنظيم المفاوضات، والوصول إلى الشركاء والمستثمرين في المنطقة. إلا أن العمل في السوق الإماراتية يتطلب الاستعداد لمستويات عالية من المنافسة، وارتفاع كلفة الوجود التجاري، ومتطلبات التدقيق المصرفي والامتثال المالي.
أما المملكة العربية السعودية، فأشار بريجع إلى أنها تمثل سوقًا داخلية كبيرة تستند إلى برامج تحول اقتصادي واستثمارات حكومية واسعة في إطار رؤية 2030. ولفت إلى أن السوق السعودية لم تعد تبحث فقط عن المورد الأجنبي، بل عن شريك قادر على توطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات المحلية، والمشاركة طويلة الأمد في الاقتصاد السعودي.
وفيما يتعلق بمصر، أوضح أنها تمثل قاعدة صناعية ولوجستية مهمة، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، وقناة السويس، وحجم سوقها الداخلية، وإمكان استخدامها بوابة للوصول إلى الأسواق الأفريقية. إلا أن دخول السوق المصرية يتطلب دراسة دقيقة للقيود النقدية، والإجراءات الإدارية، وحساسية الأسعار، واختيار شريك محلي يمتلك الخبرة العملية والقدرة على التعامل مع المؤسسات والجهات المنظمة.
خصص بريجع جانبًا مهمًا من مداخلته لسوريا، مؤكدًا أن السوق السورية تحمل فرصًا مستقبلية كبيرة أمام الشركات الروسية، ولا سيما في قطاعات الصناعة، والطاقة، والزراعة، والنقل، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية.
وأشار إلى أن سوريا تحتاج في المرحلة المقبلة إلى استثمارات ومشروعات لا تقتصر على توريد المنتجات الجاهزة، بل تشمل إعادة تأهيل المصانع، وتطوير شبكات الطاقة، واستعادة سلاسل الإنتاج، وتحديث الموانئ والطرق، ودعم الصناعات الزراعية والغذائية.
وأوضح أن نجاح الشركات الروسية في السوق السورية يتطلب فهمًا واقعيًا للظروف الاقتصادية والمالية، ودراسة القدرة الشرائية، ووضع آليات دفع قابلة للتنفيذ، والاستفادة من العلاقات السورية الروسية في تأسيس شراكات إنتاجية حقيقية.
وأكد أن سوريا يمكن أن تتحول إلى مجال مهم للتعاون الصناعي الروسي العربي، لكن ذلك يحتاج إلى الانتقال من الخطاب العام حول إعادة الإعمار إلى إعداد مشروعات محددة، ودراسات جدوى واضحة، وتحديد مصادر التمويل، وضمان وجود شريك محلي قادر على التنفيذ.
تناول بريجع في مداخلته دور بريكس في إعادة تشكيل البنية المالية الدولية، موضحًا أن الحديث عن بنية مالية جديدة لا يعني بالضرورة إنشاء عملة موحدة في المدى القريب، وإنما بناء شبكة متوازية من الأدوات والقنوات المالية.
وأوضح أن هذه الأدوات تشمل توسيع استخدام العملات الوطنية في التجارة والاستثمار، وتطوير العلاقات بين المصارف، والاستفادة من أنظمة التحويل المالي البديلة، والتمويل التصديري، والتأمين على المخاطر، والضمانات المصرفية، والتمويل الإسلامي، والاستثمارات المباشرة للصناديق السيادية والخاصة.
وأشار إلى أن المبادرات المرتبطة بأنظمة الدفع والتسوية التابعة لبريكس ما زالت في مراحل مختلفة من التطوير، ولذلك يتعين على الشركات عدم انتظار ظهور نظام مالي موحد يحل جميع العقبات، بل استخدام الأدوات المتاحة حاليًا وبناء مسارات دفع واقعية لكل صفقة.
وأكد بريجع أن الدفع ليس مسألة تقنية تأتي بعد توقيع العقد، وإنما جزء أساسي من نموذج الأعمال نفسه. فقبل توقيع أي اتفاق، يجب على الشركة معرفة عملة العقد، والبنك الذي سينفذ التحويل، وآليات التحويل والتسوية، والجهة التي ستتحمل مخاطر تقلبات سعر الصرف، وإمكانية استخدام الضمانات أو الاعتمادات المستندية، ومدى توافق العملية مع قوانين الدول المشاركة.
وأضاف أن كثيرًا من الصفقات الواعدة تفشل ليس بسبب ضعف المنتج، وإنما بسبب عدم دراسة المسار المصرفي، أو ارتفاع تكاليف التحويل، أو صعوبة إعادة الأموال، أو عدم اكتمال وثائق الامتثال المالي.
استعرض بريجع مجموعة من القطاعات التي يمكن للشركات الروسية من خلالها تعزيز وجودها في الأسواق العربية، وفي مقدمتها الأمن الغذائي، والمنتجات الزراعية، والأسمدة، والصناعات الغذائية، والمعدات الصناعية، والطاقة، والنفط والغاز، والبتروكيماويات، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا الرقمية، والأمن السيبراني، والتعليم، والطب، والهندسة.
وأوضح أنه لا يكفي امتلاك منتج جيد وحده لتحقيق النجاح، إذ يجب على الشركة تقديم حل متكامل يتضمن خدمة ما بعد البيع، وتوفير قطع الغيار، وتدريب الكوادر، والحصول على الشهادات المحلية المطلوبة، وتكييف المنتج مع التشريعات واحتياجات السوق.
وأشار إلى أن الشركات العربية لم تعد تبحث فقط عن منتجات مستوردة، وإنما أصبحت أكثر اهتمامًا بالتوطين الصناعي، والمشروعات المشتركة، ونقل التكنولوجيا، وتطوير القدرات المحلية.
تطرق بريجع إلى مجموعة من الأخطاء التي تؤدي إلى فشل الشركات عند محاولتها دخول الأسواق العربية، ومن أبرزها غياب الدراسة المحلية، واختيار الدولة غير المناسبة، والاعتماد على وسيط غير موثوق، وعدم إعداد مسار الدفع، وإهمال الشهادات والمواصفات، وطرح سعر لا يتناسب مع طبيعة السوق، وغياب التواصل المستمر مع الشركاء.
وأكد أن ثقافة الأعمال في المنطقة العربية تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة، والعلاقات الشخصية، والاستمرارية في التواصل، ولذلك لا يمكن للشركة أن تتوقع توقيع عقد كبير بعد اجتماع واحد أو مشاركة واحدة في معرض.
وأضاف أن الشريك المحلي عنصر مهم في نجاح الشركة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن امتلاكها معرفة مستقلة بالسوق. فالشريك الحقيقي يُكمل خبرة الشركة، ولا يحتكر المعلومات أو يسيطر بمفرده على جميع مراحل المشروع.
وفي ختام مداخلته، أكد بريجع أن توسع بريكس يمنح روسيا والدول العربية فرصة تاريخية لبناء علاقات اقتصادية أكثر توازنًا واستقلالًا، إلا أن تحويل هذه الفرصة إلى واقع يتطلب عملًا مؤسسيًا ومهنيًا من القطاعين العام والخاص.
وشدد على أن المنافسة في الأسواق العربية قوية، في ظل الحضور النشط لشركات من الصين، والهند، وتركيا، وأوروبا، والولايات المتحدة، ودول شرق آسيا. ولذلك يجب ألا تعتمد الشركات الروسية فقط على قوة العلاقات السياسية، بل على جودة منتجاتها، وسرعة استجابتها، ومرونتها، وقدرتها على تقديم التمويل والخدمات والحلول المتكاملة.
وخلص بريجع إلى أن نجاح أي مشروع روسي في العالم العربي يبدأ بالإجابة عن أربعة أسئلة أساسية: أين يوجد الطلب الحقيقي؟ ومن يتخذ القرار؟ وكيف سيتم تمويل الصفقة وتنفيذها؟ ولماذا يجب على الشريك العربي اختيار العرض الروسي تحديدًا؟
وأكد أن بريكس تفتح نافذة جديدة للتعاون، لكن مسؤولية تحويلها إلى ممرات تجارية واستثمارية وصناعية مستدامة تقع على عاتق المؤسسات والشركات القادرة على الجمع بين التحليل الدقيق، والخبرة المحلية، والتخطيط المالي، وبناء الثقة طويلة الأمد.
وتندرج مشاركة ديميتري بريجع في المنتدى ضمن جهود مركز الدراسات العربية الأوراسية لتعميق فهم التحولات في العلاقات الروسية العربية، وتقديم رؤى عملية تسهم في تطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري والمؤسسي بين روسيا والدول العربية.