
صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بأن موسكو ودمشق تناقشان مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا في سياق احتمال إعادة هيكلة مهام القواعد والمنشآت العسكرية الروسية داخل الجمهورية العربية السورية، مؤكدة أن التعاون بين موسكو ودمشق يشهد تطوراً واضحاً في مختلف المجالات.
وقالت زاخاروفا، خلال الإحاطة الإعلامية الأسبوعية لوزارة الخارجية الروسية، اليوم الأربعاء 10 يونيو (حزيران) 2026، إن ملف القواعد العسكرية يندرج ضمن اختصاص المؤسسات الأمنية ووزارة الدفاع الروسية، وإنه يُناقش بين الطرفين خلف الأبواب المغلقة.
وخلال الأشهر الماضية، تجنبت موسكو الخوض العلني في تفاصيل المفاوضات الجارية مع السلطات السورية الجديدة بشأن مستقبل قاعدتي حميميم وطرطوس. لكن زاخاروفا خرجت هذه المرة لتؤكد رسمياً أن ملف الوجود العسكري الروسي مطروح على طاولة الحوار، وأن النقاش لا يتعلق فقط ببقاء القواعد أو رحيلها، وإنما بـ”إعادة صياغة وظائف المنشآت العسكرية الروسية”، بحسب تعبيرها.
وجاء هذا التصريح بعد سلسلة من التقارير والتحليلات والتسريبات التي نشرتها الصحافة الروسية الكبرى حول مستقبل الوجود الروسي في سوريا، وبعد أسابيع من تنامي التكهنات الغربية بشأن احتمال فقدان موسكو مواقعها العسكرية في شرق البحر المتوسط.
لذلك، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن عند الاستماع إلى هذا التصريح خلال الإحاطة الأسبوعية، التي تتناول فيها المتحدثة باسم الخارجية الروسية عادةً أبرز قضايا السياسة الخارجية بالنسبة لموسكو، ولا سيما في ظل ملفات مشتعلة مثل أوكرانيا وإيران، هو أن الهدف الأول من تصريحات زاخاروفا كان سياسياً وإعلامياً. فقد أرادت موسكو التأكيد أنها ما زالت جزءاً من المعادلة السورية، وأن الحوار مع دمشق مستمر، وأن مستقبل القواعد لا تحدده التكهنات الغربية أو التسريبات الإعلامية، بل المفاوضات المباشرة بين الطرفين.
دخلت روسيا إلى سوريا عام 2015 لإنقاذ الدولة السورية، وفق الرواية الروسية الرسمية، ومنع سقوط نظام بشار الأسد، وفق رواية معارضي النظام الذي حكم الجمهورية العربية السورية لما يقارب نصف قرن، في ظل حكم الأب والابن.
غير أن سوريا التي تتعامل معها موسكو في عام 2026 لم تعد هي سوريا التي نسجت علاقات متقلبة مع الاتحاد السوفيتي أولاً، ثم مع وريثه الشرعي، الاتحاد الروسي، لاحقاً.
وهذا هو جوهر الموقف الذي يتكرر اليوم في مختلف الأوساط الروسية، والتي تحاول، بعد أن أفاقت من صدمة السقوط السريع والمدوي للحليف في دمشق، فهم الاتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه العلاقات الروسية ـ السورية مستقبلاً، حتى يتمكن صانع القرار في موسكو من تبني القرار الصحيح هذه المرة، وألا يقع في أخطاء التقدير الناتجة عن قراءات لا تستوعب الواقع السوري الموضوعي، بأبعاده الإثنية والعرقية والطائفية والسياسية والاقتصادية، ووزن كل هذه العوامل داخل موزاييك الدولة السورية الجديدة.
فالقضية بالنسبة للكرملين اليوم باتت مرتبطة بالحفاظ على المكاسب الجيوسياسية التي حققتها موسكو خلال العقد الماضي من وجودها في سوريا، وما أنفقته لتحقيق ذلك من أموال وسمعة وسلاح وتسهيلات ومنح وإكراميات، ولم تعد مرتبطة بالدفاع عن نظام سياسي بعينه، سواء كان حليفاً أم شريكاً.
ولهذا السبب، فإن معظم النقاشات السياسية والتحليلية الروسية المتعلقة بالملف السوري تدور اليوم حول سؤال محوري واحد: كيف يمكن لروسيا أن تحافظ على نفوذها في سوريا في ظل البيئة السياسية الجديدة في هذا البلد العربي المعقد من حيث التركيبة الديموغرافية والطائفية والعرقية، والواقع في موقع جغرافي بالغ الأهمية بالنسبة لمصالح القوى الكبرى في هذا الإقليم المضطرب من العالم؟
وإذا اقتربنا من دوائر السياسة الخارجية الروسية لفهم الصورة بصورة أفضل، فسنجد أن معظم ما طُرح خلال الأشهر الأخيرة كان يجمع على نقطة واحدة، وهي أن المفاوضات مع دمشق لا تتعلق بمبدأ الوجود الروسي في سوريا، إذ يبدو أن هذا الأمر قد حُسم بالفعل، وإنما تتعلق بطبيعة هذا الوجود وصيغته في ظل المتغيرات الجديدة.
ومن الواضح أيضاً، على الأقل من وجهة نظري كمراقب مهتم بهذا الملف، أن السلطات السورية الجديدة لا تبدو راغبة في قطع العلاقات مع موسكو، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في استمرار الصيغة التي كانت قائمة خلال عهد الأسد.
ومن هنا ظهرت فكرة إعادة الهيكلة أو إعادة صياغة الوظائف، وهي صيغة تبدو أقرب إلى حل وسط يرضي مختلف الأطراف، في إطار المصالح المتبادلة والفهم البراغماتي والواقعي لمدى حاجة كل طرف إلى استمرار هذه العلاقات، حتى وإن تغيرت الصيغة والشكل والتركيبة.
ومن هنا، في رأيي، ظهرت فكرة إعادة الهيكلة أو إعادة صياغة الوظائف، أي وظائف القواعد العسكرية، وهي صيغة تبدو أقرب إلى حل وسط يرضي مختلف الأطراف في إطار المصالح المتبادلة والفهم البراغماتي والواقعي لمدى حاجة كل طرف إلى استمرار هذه العلاقات، حتى وإن تغيرت الصيغة والشكل والتركيبة.
وحسب فهمي لما يتبناه الكرملين من مفاهيم ومصطلحات في هذا السياق، فإن موسكو لا تنظر إلى تعبير “إعادة الهيكلة” أو “إعادة صياغة الوظائف” باعتباره مقدمة لانسحاب روسي من سوريا، فهذا الاحتمال يبدو مستبعداً للغاية.
وما يسعى إليه الرئيس فلاديمير بوتين هو التكيف مع واقع جديد يفرض نفسه، ويتطلب الاعتراف به والانطلاق من هذا الاعتراف نحو اتخاذ الإجراءات المناسبة. فالقواعد الروسية أُنشئت أساساً لخدمة عملية عسكرية واسعة النطاق بدأت عام 2015.
أما واقع اليوم، فيشير إلى أن الحرب السورية بصيغتها السابقة انتهت عملياً، ولذلك فإن المنطق يقتضي أن الوظائف العسكرية التي أُنشئت من أجلها هذه المنشآت لم تعد قائمة بالشكل نفسه، وهو ما يستدعي مراجعة دورها ووظائفها. وهذا، في تقديري، هو ما قصده سيرغي فيرشينين، نائب وزير الخارجية الروسي وسفير روسيا الجديد لدى تركيا والمشرف على ملفات الوجود الروسي في المنطقة، ولا سيما في سوريا.
وأعتقد أن هذا هو المقصود أيضاً من حديث فيرشينين خلال الأشهر الماضية عن مراجعة الاتفاقيات والآليات القانونية المنظمة لعمل القواعد الروسية في سوريا.
ومن خلال متابعة النقاشات الروسية، لا يبدو أن هناك خلافاً داخل الأوساط السياسية والاستراتيجية بشأن أهمية طرطوس وحميميم بالنسبة للمصالح الجيوسياسية والأمنية الروسية في المنطقة، بل وفي روسيا نفسها إذا أخذنا في الاعتبار الامتداد الجغرافي شمالاً نحو القوقاز وآسيا الوسطى.
لكن، في المقابل، هناك نقاش واسع، بل ونقدي أحياناً، حول الدور الذي ينبغي أن تؤديه هاتان القاعدتان خلال المرحلة المقبلة. فحميميم كانت خلال السنوات الماضية مركز العمليات الجوية الروسية في الشرق الأوسط.
أما اليوم، فتتحدث بعض التقديرات الروسية عن إمكانية تحويلها تدريجياً إلى مركز للتدريب والتأهيل والدعم اللوجستي والمساعدات الإنسانية، مع الحفاظ بطبيعة الحال على الحد الأدنى من القدرة العسكرية اللازمة عند الحاجة. ويُطرح هذا التصور، على الأقل خلال السنوات الأولى من مرحلة بناء الثقة مع السلطات السورية الجديدة، ومراعاةً للمتغيرات الجديدة والخبرة التاريخية التي تحمل جوانب سلبية في نظر شريحة واسعة من الشارع السوري.
أما بالنسبة إلى قاعدة طرطوس البحرية، فيبدو الوضع أكثر تعقيداً. وحسب ما يمكن استخلاصه من مجمل التحليلات الروسية المتعلقة بهذه القاعدة تحديداً، فهناك شبه إجماع على أن طرطوس تمثل بالنسبة لروسيا ولمصالحها العسكرية والجيوسياسية الأصل الاستراتيجي الأهم، بل إنها، من وجهة نظر كثيرين، أكثر أهمية للقوات المسلحة الروسية من القاعدة الجوية في حميميم.
فعندما نتحدث عن طرطوس، فإن الحديث لا يقتصر على سوريا وحدها، ولا يتعلق بالوجود الروسي في سوريا فحسب، بل يمتد إلى مكانة روسيا البحرية ووجودها في قلب مسرح البحر المتوسط الاستراتيجي.
ولهذا السبب، يبدو أن الكرملين مستعد لإعادة صياغة وظيفة حميميم بما يحافظ على استمرار وجودها، لكنه في الوقت نفسه حريص على ألا تمس أي ترتيبات جديدة بالدور الاستراتيجي الذي تمثله طرطوس بالنسبة لموسكو.
وفي هذا السياق تحديداً أفهم تصريحات زاخاروفا الأخيرة. فهي لم تتحدث عن خفض القوات الروسية، ولم تتحدث عن تقليص الوجود الروسي في حميميم أو طرطوس أو أي موقع آخر داخل الأراضي السورية، كما أنها لم تشر إلى أي انسحاب محتمل.
كل ما تحدثت عنه المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية هو إعادة صياغة الوظائف، دون الدخول في التفاصيل التي أحالتها إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية المختصة، مؤكدة أن هذه الملفات تُناقش خلف الأبواب المغلقة.
وتعكس هذه العبارات والصياغات المنتقاة بعناية، في تقديري، توجهاً روسياً بدأ يتبلور منذ أكثر من عام، حتى قبل زيارتي الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو واستقبال الرئيس بوتين له في الكرملين.
وما أقصده هنا أن روسيا تخوض اليوم حرباً طويلة ومكلفة في أوكرانيا، وتواجه بسببها نظام عقوبات غير مسبوق من الغرب، الذي بدأ بالفعل مناقشة الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات، وفق ما أعلنته أورسولا فون دير لاين يوم الثلاثاء 9 يونيو (حزيران) 2026.
وكل ذلك يدفع الكرملين، ويجبر بوتين عملياً، على إعادة ترتيب الأولويات العسكرية والاستراتيجية للدولة الروسية خلال المرحلة الراهنة.
وبطبيعة الحال، يصبح من المنطقي في مثل هذه الظروف أن تعيد موسكو تقييم مواقع انتشارها الخارجي كافة، وحجم هذا الانتشار، وشكله، وموقعه ضمن سلم الأولويات الجديد.
المهم بالنسبة لي كمراقب في هذا السياق أن معظم التحليلات الروسية لا تنظر إلى الملف السوري باعتباره نموذجاً للتراجع الروسي، بل نموذجاً لإعادة التموضع. وهنا تبرز فكرة أساسية تتكرر باستمرار في كتابات مجلس السياسة الخارجية والدفاع الروسي، ومناقشات نادي فالداي، وأوساط خبراء السياسة الخارجية في موسكو.
وتقوم هذه الفكرة، بحسب ما أفهمه، على أن النفوذ الروسي الجديد لا ينبغي أن يُقاس بعدد الجنود أو الطائرات أو السفن، في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها الاتحاد الروسي، وإنما بقدرة الدولة على الحفاظ على حضورها السياسي والاستراتيجي بأقل تكلفة ممكنة.
ومن هذه الزاوية، تبدو سوريا مثالاً مهماً، بل نموذج حالة يستحق الدراسة الأكاديمية. وربما تكون هذه الفكرة مدخلاً مناسباً لرسالة ماجستير أو دكتوراه، نظراً لما يوفره هذا الملف من كم كبير من المعلومات والوثائق والبيانات التي تسمح بدراسة عميقة لمسارات النفوذ الروسي وتحولاته.
فموسكو، في تقديري، لم تعد بحاجة إلى الوجود العسكري الكثيف الذي احتاجته خلال سنوات الحرب السورية، لكنها لا تزال بحاجة إلى البقاء لاعباً مؤثراً في شرق البحر المتوسط.
ولهذا فإن ما يجري اليوم بين موسكو ودمشق الجديدة لا يمثل إعادة نظر في مبدأ الوجود الروسي، وإنما إعادة نظر في أدوات هذا الوجود.
وهناك عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أن سوريا تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى نقاط الربط اللوجستي المهمة في الشبكة الروسية الممتدة نحو إفريقيا والشرق الأوسط، وأصبحت قاعدة حميميم تحديداً تؤدي دوراً يتجاوز الملف السوري نفسه.
ولهذا السبب، لا يبدو منطقياً، وفق الحسابات الروسية الحالية، أن تقبل موسكو بخسارة هذه القاعدة بالكامل تحت أي ظرف من الظروف.
والأمر نفسه، بل بدرجة أكبر، ينطبق على طرطوس، لأن هذه القاعدة البحرية تمثل، إلى جانب وظائفها المباشرة، جزءاً من المكانة الدولية للاتحاد الروسي باعتباره قوة بحرية عالمية. ومن دونها تصبح قدرة موسكو على الحفاظ على وجود دائم في شرق البحر المتوسط أكثر صعوبة، على الأقل في المدى المنظور.
ومع ذلك، فإن تغيراً جوهرياً قد حدث بالفعل. فما تغير ليس أهمية هذه المنشآت، وإنما الطريقة التي ينظر بها الكرملين إليها. لقد انتقلت الأولوية من إدارة الحرب، التي انتهت بخسارة الحليف السوري، إلى إدارة النفوذ في منطقة لا تزال تمثل أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لموسكو.
وهذا، في رأيي، هو السبب الحقيقي وراء تصريحات ماريا زاخاروفا اليوم الأربعاء 10 يونيو (حزيران) 2026. فقد أرادت وزارة الخارجية الروسية أن توجه رسالة واضحة إلى الشرق والغرب معاً، مفادها أن روسيا لا تتفاوض على الخروج من سوريا، وإنما تتفاوض على شكل بقائها فيها.
وبين الأمرين فارق كبير.
وانطلاقاً من مجمل المعطيات المتوافرة حالياً في موسكو، لا توجد مؤشرات جدية على انسحاب روسي من سوريا، سواء كان انسحاباً كاملاً أو حتى جزئياً.
كما لا توجد مؤشرات على العودة إلى نموذج التدخل العسكري الواسع الذي بدأ في أكتوبر (تشرين الأول) 2015. بل إن المؤشرات المتزايدة تدل على انتقال الكرملين إلى مرحلة جديدة عنوانها الحفاظ على المكاسب الجيوسياسية بأدوات أكثر مرونة وأقل تكلفة، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية.
ومن خلال ما سبق، أرى أن موسكو تتجه نحو تثبيت وجودها في سوريا بصيغة جديدة تجمع بين البعدين العسكري المحدود والسياسي والاقتصادي واللوجستي في آن واحد.
ولا يبدو، في الوقت الراهن، أن الكرملين مستعد للتخلي عن حميميم أو طرطوس، لكنه في الوقت نفسه، وانطلاقاً من البراغماتية التي تحكم السياسة الخارجية الروسية في عهد فلاديمير بوتين، يبدو مستعداً لإعادة صياغة وهيكلة دورهما بما يتناسب مع أولويات الاتحاد الروسي الجديدة بعد الحرب الأوكرانية، ومع التحولات التي شهدتها سوريا ومتطلبات القيادة الجديدة في دمشق.
فجوهر المسألة بالنسبة للكرملين وبوتين يتمثل في الحفاظ على نفوذ استراتيجي طويل الأمد في شرق البحر المتوسط، مهما كان الشكل الذي سيتخذه هذا الوجود، ومهما كانت الصيغة التي يفرضها الواقع الجديد، حتى لو استدعى ذلك إعادة تعريف الوظائف التي ستؤديها هذه القواعد خلال المرحلة المقبلة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير