مقالات المركز

حملة بغداد على الفساد.. إصلاح داخلي أم إعادة تشكيل للمشهد السياسي؟


  • 9 يوليو 2026

شارك الموضوع

أطلقت الحكومة العراقية الجديدة أوسع حملة لمكافحة الفساد تشهدها البلاد منذ أكثر من عقدين، بعدما اعتقلت عشرات السياسيين وأعضاء مجلس النواب والمسؤولين الحكوميين في عملية غير مسبوقة، تأتي في وقت تواجه فيه بغداد تراجعًا حادًا في عائدات النفط، وتشديدًا للرقابة المالية الأمريكية، وضغوطًا متزايدة للحد من نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران.

ويقود رئيس الوزراء علي الزيدي هذه الحملة بصورة مباشرة، في ما يمثل أكثر المحاولات جرأة التي تقوم بها أي حكومة عراقية منذ سقوط نظام صدام حسين لتفكيك شبكات الفساد المتجذرة، التي يؤكد مسؤولون عراقيون أنها ازدهرت منذ عام 2003.

كان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش قد أمر بغزو العراق واحتلاله عام 2003 بهدف الإطاحة بالرئيس صدام حسين، في بلد يشكل الشيعة غالبية سكانه. وكان بوش يرى أن الشيعة تعرضوا للاضطهاد خلال حكم حسين. وأسفرت الحرب، وفقًا للمقال، عن مقتل مئات الآلاف من المدنيين العراقيين، وإقامة حكومة يقودها الشيعة في بغداد.

ويرى الكاتب أن تغيير النظام الذي قادته الولايات المتحدة أدى إلى توثيق علاقة الشيعة في العراق بإيران، وأن بوش “سلّم العراق لإيران على طبق من فضة”. كما يشير إلى أن الجماعات المسلحة المدعومة من إيران أصبحت خصمًا لكل من إسرائيل والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبدو متفاجئًا من تحول المقاومة العراقية إلى عقبة أمام الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، رغم أن الكاتب يعزو ذلك إلى السياسات التي اتبعتها إدارة بوش.

ويؤكد مسؤولون عراقيون كبار أن الاعتقالات الحالية ليست سوى بداية لعملية واسعة النطاق ستشمل وزارات ومحافظات متعددة، إذ يواصل المحققون ملاحقة وزراء حاليين وسابقين، ووكلاء وزارات، وأعضاء في مجلس النواب، وكبار الموظفين المدنيين.

تزامن الحملة مع استئناف شحنات الدولار الأمريكية

تتزامن حملة مكافحة الفساد مع قرار واشنطن استئناف إرسال شحنات الدولار الأمريكي إلى العراق بعد تعليقها عدة أشهر، في وقت تتعرض فيه المالية العراقية لضغوط متزايدة نتيجة انخفاض صادرات النفط واتساع عجز الموازنة.

مزاعم بخسارة أكثر من تريليوني دولار منذ عام 2003

يقدّر المحققون أن الفساد كلّف العراق أكثر من تريليوني دولار منذ عام 2003.

ولا تزال التحقيقات الجارية تكشف عن مشتبه بهم جدد، يُقال إن العديد منهم حاولوا الفرار من العراق أو اللجوء إلى إقليم كردستان. وأفادت السلطات بأن حكومة الإقليم سلّمت بالفعل ثمانية مطلوبين إلى المحققين الاتحاديين.

كما أوضح المسؤولون أن التحقيقات تشمل قضايا الإثراء غير المشروع، وتضخم الثروات دون مبررات قانونية، وغسل الأموال، في إطار ما يصفه الادعاء العام بشبكات مالية معقدة تعمل داخل مؤسسات الدولة.

ثروات هائلة

يقول المحققون إنهم اكتشفوا ثروات شخصية ضخمة لدى عدد من كبار المسؤولين.

فقد تبين أن بعضهم يمتلك أكثر من خمسين عقارًا سكنيًا وتجاريًا مسجلًا بأسمائهم أو بأسماء أقاربهم، فيما يُزعم أن زوجة أحد المشتبه بهم اشترت عقارًا تبلغ قيمته خمسة ملايين دولار.

وألقت السلطات القبض بالفعل على أكثر من 28 مسؤولًا مرتبطين بمديرية كهرباء البصرة، مع توقع تنفيذ عمليات مماثلة في الناصرية والعمارة ومحافظات أخرى.

محاكمات علنية

أعلن المسؤولون أن محاكمات قضايا الفساد ستُجرى بصورة علنية، ومن المتوقع بث جلساتها للمواطنين العراقيين، كما أكدوا أن المدانين لن يكونوا مؤهلين للإفراج عنهم.

عملية “هجوم الفجر

شهدت أحدث مراحل الحملة الأمنية انطلاق عملياتها قبيل الفجر، عندما نفذت قوات جهاز مكافحة الإرهاب العراقي مداهمات منسقة في أنحاء بغداد.

وقال مسؤولون أمنيون وقضائيون إن قوات خاصة اقتحمت منازل تعود إلى سياسيين كبار ومسؤولين حكوميين، بما في ذلك مساكن داخل المنطقة الخضراء شديدة التحصين في العاصمة.

وأكد مسؤولون حكوميون أن 47 مشتبهًا بهم، من بينهم أعضاء في مجلس النواب ومسؤولون حكوميون كبار، اعتُقلوا خلال إحدى مراحل العملية.

وأُطلق على الحملة الاسم الرمزي “عملية هجوم الفجر”، ونُفذت بعد صدور أوامر قضائية في أعقاب تحقيقات استمرت عدة أشهر في قضايا فساد.

وأضاف المسؤولون أن العديد من الاعتقالات استند إلى إفادات عدنان الجميلي، نائب وزير النفط لشؤون التصفية، الذي يُزعم أن اعترافاته كشفت شبكة واسعة تضم شخصيات سياسية وكبار المسؤولين الإداريين.

كما شدد المسؤولون الحكوميون على أن العملية لا علاقة لها بالزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن.

رئيس الوزراء يراهن على سلطته

منذ توليه منصبه في وقت سابق من هذا العام، جعل علي الزيدي مكافحة الفساد أولوية رئيسية لحكومته.

وقد حظيت الحملة بدعم علني نادر من رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر، الذي وصف الاعتقالات بأنها “خطوة بطولية” يمكن أن تعيد ثقة المواطنين بالحكومة.

ودعا الصدر خطباء الجمعة في مختلف أنحاء العراق إلى التركيز على قضية الفساد، مؤكدًا أن الإسلام يحرّم الفساد والظلم معًا.

مصادرة ملايين الدولارات والذهب والعقارات

يقول مسؤولون أمنيون إن المداهمات أسفرت عن واحدة من أكبر عمليات مصادرة الأصول في تاريخ العراق الحديث.

وبحسب السلطات، تمت مصادرة:

  • نحو 11 مليون دولار أمريكي نقدًا.
  • ما يقارب 98 مليار دينار عراقي (نحو 63 مليون دولار).
  • حوالي 1.5 كيلوغرام من الذهب.
  • قرابة 40 عقارًا في بغداد وصلاح الدين وأربيل.
  • كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.

ولا تزال التحقيقات مستمرة، مع توقع تنفيذ المزيد من الاعتقالات خلال الفترة المقبلة.

واشنطن تستأنف إرسال شحنات الدولار

أكد مسؤولون عراقيون كبار أن الولايات المتحدة استأنفت إرسال شحنات الدولار الأمريكي جوًا إلى العراق، بعد تعليقها في وقت سابق من هذا العام.

وكان التعليق قد بدأ في أبريل، خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عندما منعت واشنطن مؤقتًا العراق من الوصول إلى جزء من عائداته النفطية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

وجاء هذا الإجراء نتيجة مخاوف أمريكية متزايدة بشأن النفوذ الإيراني داخل العراق، واتهامات بوصول الدولار الأمريكي إلى جهات خاضعة للعقوبات، ومنظمات إجرامية، وفصائل مسلحة مدعومة من إيران.

الفصائل المسلحة المدعومة من إيران

أصدر علي الزيدي توجيهات تقضي بإخضاع جميع الفصائل المسلحة العاملة داخل العراق لسلطة الدولة بصورة مباشرة.

غير أن عددًا من أقوى الفصائل الموالية لإيران، ومن بينها كتائب حزب الله، رفض جهود الحكومة.

وتبنت هذه الجماعة مسؤولية هجمات استهدفت أفرادًا أمريكيين داخل العراق، كما أقرت بتورطها في عدد من عمليات الاختطاف البارزة، من بينها اختطاف صحفي أمريكي في بغداد في وقت سابق من هذا العام.

أزمة عائدات النفط

يواجه العراق أحد أكبر الانخفاضات في إيرادات صادراته النفطية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة ما يصفه المقال بالحرب التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضد إيران، ابتداءً من شهر فبراير.

ووفقًا لوزارة النفط العراقية، بلغت صادرات النفط:

  • 107.6 ملايين برميل في يناير.
  • 4.6 ملايين برميل فقط في أبريل.

كما تراجعت الإيرادات النفطية من:

  • 6.8 مليارات دولار في فبراير.
  • 1.9 مليار دولار في مارس.
  • 1.1 مليار دولار في أبريل.

وجاء ذلك رغم ارتفاع سعر النفط القياسي إلى نحو 110 دولارات للبرميل.

اختبار حاسم

بالنسبة لرئيس الوزراء علي الزيدي، تمثل هذه الحملة أكثر من مجرد عملية لإنفاذ القانون.

فهي تشكل اختبارًا مبكرًا لقدرة القيادة العراقية الجديدة على مواجهة شبكات المحسوبية المتجذرة، وتحقيق الاستقرار في اقتصاد يزداد هشاشة، وإيجاد توازن بين الضغوط المتنافسة القادمة من واشنطن وطهران، مع إقناع العراقيين بأن المساءلة قد تصل أخيرًا إلى أعلى هرم السلطة.

بعد ذلك، أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة مع الدكتور محمود الهاشمي، مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية في العراق.

السؤال الأول

ستيفن صهيوني:
أطلقت الحكومة العراقية حملة واسعة لمكافحة الفساد، واعتقلت عشرات النواب والمسؤولين الحكوميين. برأيكم، هل الحكومة جادة فعلًا في هذه الحملة، أم أنها مجرد عملية تطهير سياسي ذات أبعاد إقليمية، كما يرى بعض المراقبين؟

الدكتور محمود الهاشمي:

إن الحكومة العراقية الحالية لم تكن نتيجة مباشرة للانتخابات البرلمانية التي جرت في نهاية عام 2025، بل شهدت عملية تشكيلها مستوى غير مسبوق من التدخل الأمريكي، لم تشهده الدورات الانتخابية السابقة.

وأسفرت الانتخابات عن فوز القوى المنضوية ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة بـ108 مقاعد برلمانية، وهو ما أثار، بحسب هذا الطرح، قلقًا كبيرًا لدى المسؤولين الأمريكيين.

وبناءً على ذلك، صرّح مارك سافايا، الذي يُوصف بأنه ممثل الرئيس الأمريكي في العراق، بأن المناصب الرئيسية في الحكومة العراقية الجديدة، بما فيها رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ورئاسة مجلس النواب، والوزارات السيادية، مثل الداخلية والدفاع والنفط، ينبغي أن تحددها الولايات المتحدة.

كما استخدمت الولايات المتحدة نفوذها عبر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، حيث تُودَع عائدات صادرات النفط العراقية تحت الحماية المالية الأمريكية.

ونشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقًا عدة تصريحات عارض فيها ترشيح الشخصية التي اتفقت عليها الكتلة البرلمانية الأكبر، وهي الإطار التنسيقي.

وبحسب هذا الطرح، دعمت واشنطن تعيين علي الزيدي، مالك مصرف الجنوب، وهو شخصية تُعد من خارج المؤسسات السياسية والأمنية التقليدية في العراق، رئيسًا للوزراء. كما صرّح ترامب بأنه كان مسؤولًا عن تعيين الزيدي.

ولا شك أن العراق يعاني فسادًا إداريًا وماليًا واسع النطاق، وقد أسهم هذا الفساد بصورة كبيرة في تدهور الاقتصاد العراقي، وانعكس سلبًا على حياة المواطنين، بينما تتحمل الطبقة السياسية الحاكمة مسؤولية جانب كبير منه.

غير أن السؤال الأهم يبقى: هل يستطيع شخص وصل إلى السلطة في ظل ضغوط أمريكية كبيرة، ويفتقر إلى الخبرة السياسية الواسعة، وما يزال في سن صغيرة نسبيًا، أن ينجح في تنفيذ مهمة بهذه الصعوبة؟

السؤال الثاني

ستيفن صهيوني:

رحبت الحكومة الأمريكية بإجراءات مكافحة الفساد التي تنفذها حكومة علي الزيدي، لا سيما أن العديد من المعتقلين مدرجون، بحسب التقارير، على قوائم العقوبات الأمريكية. برأيكم، هل للولايات المتحدة دور في كل ما يجري في العراق اليوم؟

الدكتور محمود الهاشمي:

هل تسعى الولايات المتحدة حقًا إلى القضاء على الفساد في العراق، وهي – وفق هذا الرأي – التي أرست أسسه بعد غزو عام 2003، عندما قامت بحل الجيش العراقي وقوات الشرطة، وسمحت بنهب مؤسسات الدولة؟

ومن هذا المنظور، فإن الإجراءات الحالية التي تتخذها الحكومة تستهدف إنهاء نفوذ الطبقة السياسية التقليدية في العراق، عبر وضع معظم الشخصيات السياسية البارزة تحت طائلة شبهات الفساد.

وبذلك، ستبرز نخبة سياسية جديدة برعاية أمريكية، تتولى تنفيذ مجموعة من الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة، من أبرزها:

  1. توسيع دور المؤسسة العسكرية، في ظل افتقار رئيس الوزراء إلى قاعدة سياسية قوية.
  2. تحويل الاقتصاد العراقي من الاقتصاد المركزي إلى اقتصاد السوق.
  3. دمج العراق في المنظومة الأمنية والسياسية والاقتصادية الإقليمية التي تقودها الولايات المتحدة.
  4. إبعاد العراق عن إيران والاتحاد الروسي والصين.
  5. تعزيز مشاركة الشركات الأمريكية في الاقتصاد العراقي.
  6. نزع سلاح فصائل المقاومة، وحل هيئة الحشد الشعبي، ودمج عناصرها في المؤسسات الأمنية الرسمية، بما يؤدي إلى إنهاء هويتها واستقلالها التنظيمي.

ويبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى يستطيع رئيس الوزراء الجديد النجاح، ليس فقط في مكافحة الفساد والفاسدين، وإنما أيضًا في تنفيذ هذه الأهداف الاستراتيجية الأوسع؟

وبرأينا، ستكون هذه المهمة شديدة الصعوبة.

فالقوى السياسية التقليدية في العراق تمتلك خبرة طويلة، وإمكانات مالية كبيرة، وقواعد شعبية موالية، ومنصات إعلامية مؤثرة، ولذلك من المتوقع أن تقاوم هذا المشروع بكل قوة.

السؤال الثالث

ستيفن صهيوني:

يتزايد الحديث عن أن المواجهة الإقليمية بين طهران وواشنطن قد تدفع الشرق الأوسط نحو حرب أهلية، ولا سيما في العراق ولبنان، من خلال تأجيج الصراع السني-الشيعي، وهو سيناريو يرى بعض المراقبين أن إسرائيل تسعى إلى تشجيعه. برأيكم، إلى أي مدى تبدو هذه الادعاءات واقعية؟ وهل تعتقدون أن واشنطن وتل أبيب ستنجحان في جر المنطقة إلى مثل هذا الصراع؟

الدكتور محمود الهاشمي:

وفقًا لهذا الطرح، ستعمل إيران على مواجهة هذا المشروع بوسائل مختلفة لمنع الولايات المتحدة من ترسيخ نفوذها على حدودها. ويُعتقد أن طهران ما زالت تمتلك العديد من الأدوات السياسية والاستراتيجية، رغم أن الصراع الأخير ربما صرف اهتمامها مؤقتًا عن الشأن العراقي.

ويرى هذا التوجه أيضًا أن إيران خرجت منتصرة من الحرب الأخيرة، وأن إنهاء الوجود العسكري الأمريكي، والحد من الهيمنة الأمريكية في المنطقة، أصبحا من أبرز أولوياتها الاستراتيجية.

كما لا تزال إيران، بحسب هذا التحليل، تتمتع بدعم واسع داخل العراق.

ويضيف أن مراسم تشييع آية الله علي خامنئي، التي يُتوقع إقامتها في مدينتي النجف وكربلاء المقدستين في الثامن من الشهر الجاري، ستكون بمثابة استعراض لاستمرار النفوذ الإيراني وتجذره داخل العراق.

بعد ذلك، أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة مع ريما نعيسة، الصحفية والمذيعة السورية المتخصصة في الشأن العراقي، لاستطلاع رؤية أخرى بشأن التطورات الجارية في العراق.

السؤال الأول

ستيفن صهيوني:

هناك من يؤيد حملة الحكومة العراقية لمكافحة الفساد، بينما يشكك آخرون في مصداقيتها ويتهمون بغداد بتنفيذ أجندة أمريكية. من وجهة نظرك، أي الروايتين أقرب إلى الحقيقة؟ وكيف ينظر الشارع العراقي إلى هذه الحملة؟

ريما نعيسة:

إن حملات مكافحة الفساد التي أُطلقت في العراق، ولا سيما منذ عام 2003، استهدفت في كثير من الأحيان الخصوم السياسيين أكثر من استهدافها للفساد نفسه.

وقد أعلنت الحكومات العراقية المتعاقبة عن حملات مشابهة، لكنها تحولت في معظم الحالات إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية أو لتحسين الصورة أمام الرأي العام، بدلًا من أن تكون جهودًا حقيقية لمكافحة الفساد.

وربما تشكل حكومة علي الزيدي استثناءً، ليس بسبب الظروف الداخلية أو الإقليمية، وإنما نتيجة بيئة دولية استثنائية أفرزت واقعًا مختلفًا.

ولذلك، فمن المبكر الجزم أي الروايتين أقرب إلى الواقع، إذ إن الزمن وحده كفيل بكشف النوايا الحقيقية للحكومة.

وإذا كانت الحكومة الحالية جادة بالفعل في مكافحة الفساد، فعليها أن تبدأ من قمة الهرم السياسي، من خلال محاسبة كبار المسؤولين، قبل الانتقال إلى الموظفين في المستويات الأدنى.

أما حالة التشكيك التي يبديها المواطن العراقي، فهي أمر مفهوم، لأن الثقة بالحكومة وبالطبقة السياسية تعرضت لتآكل كبير نتيجة التجارب السابقة، ولأن مبالغ هائلة من المال العام تعرضت للنهب منذ عام 2003.

وفي نهاية المطاف، فإن الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت حكومة علي الزيدي جادة في مساعيها لمكافحة الفساد، أم أن هذه الحملة لن تختلف عن سابقاتها.

السؤال الثاني

ستيفن صهيوني:

منذ اليوم الأول للحرب الأمريكية ضد إيران، حاولت الحكومة العراقية أن تنأى بنفسها عن الصراع. ولكن هل تستطيع بغداد حقًا أن تلتزم الحياد، في ظل تحول العراق إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي؟

ريما نعيسة:

إن محاولات بغداد للنأي بنفسها عن الصراع لا تزال حذرة، وبرأيي لا ترقى إلى مستوى سياسة حياد حقيقية.

فالفصائل المسلحة في العراق أصبحت، عمليًا، دولة داخل الدولة، كما أن ارتباطها الوثيق بإيران يجعل تحقيق الحياد الكامل أمرًا بالغ الصعوبة.

وقد نفذت بعض هذه الفصائل هجمات ضد دول الخليج، في حين عجزت الحكومة العراقية عن كبحها أو فرض سيطرتها الكاملة عليها.

وبرأيي، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه حكومة علي الزيدي لا يتمثل في مكافحة الفساد، وإنما في حصر السلاح بيد الدولة.

ويبقى السؤال: هل ستوافق هذه الفصائل المسلحة على تسليم أسلحتها؟ وهل ستستجيب للضغوط الأمريكية؟

إنها أسئلة معقدة، لكنها تمثل جوهر الأزمة العراقية.

فاحتكار الدولة للسلاح هو الخطوة الأولى لاستعادة هيبتها وسلطتها، كما أنه المدخل الحقيقي لبناء مؤسسات دولة قادرة على مكافحة الفساد وإنفاذ القانون.

ونظرًا إلى الموقع الجيوسياسي للعراق، وإلى مكانته الدينية، فإنه لا يستطيع البقاء بمنأى عن الصراعات الإقليمية.

ولهذا ستواصل بغداد محاولة تحقيق التوازن وتجنب الانحياز الكامل لأي طرف، غير أن تحقيق هذا الهدف سيظل بالغ الصعوبة، ما دامت الفصائل المسلحة التي تتبنى أيديولوجية ولاية الفقيه تؤدي دورًا مؤثرًا في المشهدين السياسي والأمني العراقي.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع