التاريخ والثقافة

تقاليد الاحتفال برأس السنة في روسيا


  • 29 يناير 2026

شارك الموضوع

تُعَدُّ ليلة رأس السنة الميلادية في روسيا من أهم المناسبات الاحتفالية وأكثرها شعبية، إذ تحظى بمكانة خاصة تفوق في أحيان كثيرة مكانة عيد الميلاد الأرثوذكسي نفسه. يتميز الاحتفال برأس السنة في الثقافة الروسية بثراء طقوسه، وتنوع رموزه، التي تشكلت على مدى قرون طويلة من التفاعل بين الموروث الديني الأرثوذكسي والتطورات الاجتماعية والسياسية الحديثة، لا سيما خلال الحقبة السوفيتية. يجمع الروس بين القديم والجديد في احتفالاتهم؛ فهم يُزيّنون شجرة خاصة للسنة الجديدة، ويستقبلون “ديد موروز” (جدّ الصقيع) وحفيدته “سنيغوروتشكا” اللذين يوزعان الهدايا، ويتبادلون التهاني والأمنيات مع دقّات الساعة الأخيرة من العام. كما تُقام التجمعات العائلية الحافلة بالأطعمة التقليدية والأجواء المرحة، جنبًا إلى جنب مع الاحتفالات الرسمية والعامة التي تشمل عروض الألعاب النارية، وخطاب الرئيس السنوي، والمهرجانات الثقافية. سنتناول هنا بالتفصيل الخلفية التاريخية لتطور الاحتفال برأس السنة في روسيا، مع تسليط الضوء على تأثير الديانة الأرثوذكسية والفترة السوفيتية، ثم نستعرض الطقوس والممارسات الحديثة المرتبطة بهذه المناسبة، ونوضح الفروق بين احتفالات رأس السنة والميلاد الأرثوذكسي في التقويم الروسي، ونصف كيف تحتفل العائلات الروسية بهذه المناسبة من أطعمة وأنشطة وترفيه ومناسبات اجتماعية، ونعرّج على الاحتفالات الرسمية والعامة التي تُقام على مستوى الدولة، وصولًا إلى الرموز والطقوس الثقافية والدينية المرافقة لهذه الاحتفالات.

الخلفية التاريخية لتطور الاحتفال برأس السنة في روسيا

يعود أصل الاحتفال الحديث برأس السنة في روسيا إلى قرارات القيصر بطرس الأكبر في مطلع القرن الثامن عشر. قبل إصلاحاته، كانت روسيا القيصرية تتبع التقويم الشرقي البيزنطي، حيث كان العام الجديد يبدأ في شهر سبتمبر (أيلول) وفقًا للتقويم الكنسي الأرثوذكسي. في عام 1699 أصدر بطرس الأكبر مرسومًا يقضي بنقل رأس السنة إلى الأول من يناير (كانون الثاني) ابتداءً من العام 1700، تماشيًا مع التقويم الغربي السائد في أوروبا. وقام القيصر حينذاك بتشجيع مظاهر الاحتفال الجديدة؛ فقد شاهد في أثناء رحلاته إلى أوروبا أشجار عيد الميلاد المزينة في ألمانيا، وأمر بتزيين البيوت والشوارع في روسيا بأغصان الصنوبر والأنوار احتفالًا بالسنة الجديدة على النمط الأوروبي.

رغم اعتماد الأول من يناير (كانون الثاني) تاريخًا لبداية العام، بقيت روسيا متأخرة عن أوروبا في التقويم بنحو عشرة إلى ثلاثة عشر يومًا بسبب استمرار العمل بالتقويم اليولياني القديم، مما جعل موعد رأس السنة الروسي يختلف عن نظيره الغربي حتى أوائل القرن العشرين. ولم تنتقل روسيا رسميًّا إلى التقويم الغريغوري (الميلادي) إلا في عام 1918 إثر الثورة البلشفية، حيث عُدِّلت التواريخ بإسقاط 13 يومًا من التقويم، وبذلك توحّد موعد الاحتفال بالسنة الجديدة مع بقية العالم في 1 يناير (كانون الثاني) بحسب التقويم الحديث.

مع مطلع القرن العشرين، كان عيد الميلاد (الموافق 25 ديسمبر/ كانون الأول وفق التقويم الغربي، و7 يناير/ كانون الثاني وفق التقويم الشرقي) يُعدُّ أبرز الأعياد الدينية والاجتماعية في روسيا القيصرية. كانت تقاليد الميلاد تشمل الصلوات والطقوس الكنسية إلى جانب تجمع العائلات وتزيين أشجار الميلاد وتبادل الهدايا. بيد أن الفترة السوفيتية أحدثت تحولًا جذريًّا في المشهد الاحتفالي؛ فبعد ثورة 1917 وقيام السلطة البلشفية، رُفِع شعار الإلحاد كسياسة رسمية للدولة. ألغت الحكومة الجديدة عيد الميلاد المجيد كعيد رسمي، ومنعت المظاهر المرتبطة به. وفي عام 1929 حُظِرَت أشجار الميلاد والاحتفالات الدينية علنًا باعتبارها ممارسات “برجوازية” أو مرتبطة بالدين.

لكن بحلول منتصف عقد الثلاثينيات، بدأت السلطات السوفيتية بإعادة إحياء بعض المظاهر الاحتفالية على نحو علماني بحت لإدخال البهجة في نفوس المواطنين، خاصة الأطفال. في عام 1935 سُمح مجددًا بنصب شجرة مزينة للاحتفال، ولكن بوصفها “شجرة رأس السنة” (يولكا)، وليس كشجرة ميلاد دينية. عاد “ديد موروز” (جدّ الصقيع) إلى الواجهة كشخصية خيالية تُسعد الأطفال، وتوزع الهدايا ليلة رأس السنة، دون أي دلالة دينية. وهكذا رسّخ الاتحاد السوفيتي تقاليد جديدة لرأس السنة تجمع بين بعض الموروثات الشعبية والإجراءات الرسمية. أصبحت ليلة 31 ديسمبر (كانون الأول) مناسبة أساسية للاحتفال العام، وزُيّنت الساحات العامة بالأشجار والأضواء، ونُظِّمت حفلات للأطفال في المدارس ورياض الأطفال يحضرها “ديد موروز” وحفيدته.

خلال العقود السوفيتية التي امتدت إلى أكثر من سبعين عامًا، ترسخت تقاليد رأس السنة الجديدة كأهم احتفال سنوي في وجدان الروس، متجاوزةً الأعياد الدينية في شعبيتها. حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وعودة الكنيسة الأرثوذكسية للاحتفال بعيد الميلاد رسميًّا في 7 يناير (كانون الثاني)، بقي عيد رأس السنة يحتفظ بمكانته المركزية بوصفه عيدًا وطنيًّا وعائليًّا. استعادت روسيا الحديثة عيد الميلاد عطلة رسمية بدءًا من التسعينيات، لكن كثيرًا من مظاهر الاحتفال المرتبطة به تاريخيًّا ظلت مندمجة في تقاليد رأس السنة. على سبيل المثال، استمر الروس في تزيين الشجرة، وإقامة الولائم، وتبادل الهدايا في ليلة رأس السنة، في حين أصبح عيد الميلاد مناسبة دينية أكثر هدوءًا تُخصص للطقوس الكنسية والتأمل الروحي لدى المتديّنين. وإلى يومنا هذا، يواصل كثير من الروس أيضًا إحياء تقليد “رأس السنة القديمة” ليلة 13 يناير/ كانون الثاني (وفق التقويم اليولياني) على نحو غير رسمي كتذكار للتقويم التاريخي القديم، إذ يمدّد البعض الاحتفالات حتى تلك الليلة، وإن كان نطاقها أقل اتساعًا من احتفال ليلة رأس السنة الأساسية.

الطقوس والممارسات المرتبطة برأس السنة الحديثة

تشمل احتفالات رأس السنة الروسية المعاصرة كثيرًا من الطقوس المميزة التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من التقاليد الشعبية. ومن أبرز هذه الممارسات:

تزيين شجرة السنة الجديدة (يولكا) :تعد شجرة رأس السنة المزينة بالأضواء والزخارف رمزًا أساسيًّا للمناسبة في روسيا. يُقبل الناس، كبارًا وصغارًا، على تزيين أشجار الصنوبر في المنازل والساحات العامة خلال شهر ديسمبر (كانون الأول)، فتضفي أجواءً احتفالية ساحرة، وتبعث البهجة في النفوس. تاريخيًّا، جاءت هذه العادة إلى روسيا مع إصلاحات بطرس الأكبر مستوحاةً من تقاليد عيد الميلاد الألمانية، ثم تعززت وانتشرت لاحقًا. وخلال الحقبة السوفيتية، تحولت “شجرة الميلاد” الدينية إلى “شجرة رأس السنة” العلمانية؛ فبقيت عادة تزيين الشجرة قائمة حتى بعد عودة الاحتفال بعيد الميلاد دينيًّا، إذ يرى الروس أن الشجرة المزينة من لوازم استقبال العام الجديد، ويحرصون على وضع نجمة في قمتها كانت ترمز في الماضي إلى “نجمة بيت لحم”، ثم أصبحت النجمة الحمراء السوفيتية رمزًا للاحتفال.

شخصية “ديد موروز” وحفيدته “سنيغوروتشكا”: يمثل “ديد موروز”، أو “جد الصقيع”، النسخة الروسية المقابلة لسانتا كلوز (بابا نويل) في تقاليد رأس السنة، لكنه يختلف في المظهر والمضمون. يُصوَّر
“ديد موروز” عادةً كرجل عجوز ذي لحية بيضاء طويلة، يرتدي معطفًا شتويًّا ثقيلًا (غالبًا أزرق اللون أو أحمر في بعض الأحيان)، ويعتمر قبعة تقليدية، ويحمل عصا سحرية. ترافقه دائمًا حفيدته “سنيغوروتشكا” (فتاة الثلج)، وهي فتاة شابة ترتدي ثوبًا أبيض أو أزرق مزخرفًا بالفرو. تطورت أسطورة “ديد موروز” في التراث السلافي القديم كروح للشتاء والصقيع تمتاز بالعدل؛ حيث يكافئ الأخيار ويعاقب الأشرار في الحكايات الشعبية. في العصر الحديث بات “ديد موروز” رمزًا محببًا للأطفال، وعزّز الاتحاد السوفيتي حضوره في احتفالات رأس السنة، فصار يظهر في الحفلات المدرسية والمهرجانات مرتديًا ملابس زاهية برفقة “سنيغوروتشكا” لتوزيع الهدايا على الأطفال، والرقص معهم حول الشجرة. لا تزال العائلات إلى اليوم تدعو “ديد موروز” (غالبًا بشخصية يرتديها ممثل) في حفلات البيوت، أو تعتمد على ترك الهدايا باسمه تحت الشجرة ليفاجأ بها الأطفال صباح 1 يناير (كانون الثاني).

تبادل الهدايا وبطاقات التهنئة: تُعَدّ فترة رأس السنة الوقت الرئيس لتبادل الهدايا في المجتمع الروسي. فبينما يرتبط تقديم الهدايا في الثقافات الغربية بعيد الميلاد، يتبادل الروس الهدايا مع دقات منتصف ليلة رأس السنة، أو صباح اليوم الأول من يناير (كانون الثاني). يحظى الأطفال خاصةً بهدايا يتركها لهم “ديد موروز” تحت الشجرة ليلًا ليجدوها في الصباح. كذلك يتبادل الأصدقاء وأفراد العائلة الهدايا فيما بينهم بهذه المناسبة؛ تعبيرًا عن المحبة والتمنيات الطيبة للعام الجديد. وإلى جانب الهدايا، يرسل الكثيرون بطاقات تهنئة تقليدية مزينة بصور الشتاء، و”ديد موروز”، وشجرة السنة الجديدة، تحمل عبارات التمني بـ”سنة جديدة سعيدة” بالروسية  С Новым Годом!

التحضيرات المنزلية واستقبال العام الجديد: تمتاز الأيام التي تسبق ليلة رأس السنة بحالة من النشاط والحماسة في كل بيت روسي. يحرص الكثيرون على تنظيف منازلهم وترتيبها قبل انتهاء ديسمبر (كانون الأول)، ويُعتقد شعبيًّا أن ترك الأعمال غير المنجزة أو الفوضى مع دخول السنة الجديدة يُعد نذيرًا سيئًا لما سيأتي؛ لذا يسارع الجميع إلى إنجاز المهام المتبقية، وإغلاق دفاتر العام الماضي قُبيل ليلة العيد. كذلك اعتاد البعض ارتداء ملابس جديدة وجميلة في سهرة رأس السنة اتباعًا للمثل القائل “كما تستقبل السنة الجديدة ستقضيها”، أي إن البداية المشرقة تبشّر بعام سعيد. وعامةً، تعم أجواء التفاؤل والاستعداد كل منزل؛ فتُزيَّن البيوت من الداخل بزخارف العام الجديد، وتُحضَّر مأدبة احتفالية غنية بالأطباق التقليدية والمتنوعة لضمان استقبال العام القادم بوفرة وكرم.

الأمنيات والطقوس عند منتصف الليل لحظة الانتقال من العام القديم إلى الجديد لها طابع خاص عند الروس ومصحوبة بطقوس صغيرة يقوم بها الكثيرون. قبل ثوانٍ من انتصاف الليل، وعند بدء دقات ساعة الكرملين الشهيرة إيذانًا بدخول العام الجديد، يعم الصمت والترقب، ويغتنم الجميع الفرصة ليتمنوا سرًا أمنية العام المقبل. من الطرائف المنتشرة أن بعض الأشخاص يكتبون أمانيهم على ورقة صغيرة قبيل منتصف الليل، ثم يحرقونها بسرعة ويخلطون رمادها بكأس الشمبانيا، ليشربوها عند حلول الساعة الثانية عشرة تمامًا، معتقدين أن بهذه الطريقة ستتحقق الأمنيات المنشودة. وفي تلك الثواني الأخيرة من العام، يحرص الروس على التركيز في مشاعر التفاؤل والأمل، ليستقبلوا السنة الجديدة بذهن صافٍ ونية إيجابية.

الاحتفال بعد منتصف الليل والألعاب النارية: مع انطلاق اللحظات الأولى من العام الجديد، تنفجر أجواء الفرح في كل مكان. يطلق الناس الألعاب النارية والمفرقعات في السماء، وتتلألأ المدن الروسية بعروض ضوئية مبهرة احتفاءً بالمناسبة. يخرج كثير من الأشخاص من منازلهم مباشرةً بعد منتصف الليل للمشاركة في الاحتفالات الشعبية في الشوارع والميادين، إذ يعتقد البعض أن البقاء في البيت بعد بداية السنة الجديدة مباشرة ليس فألًا حسنًا. بدلًا من ذلك، يتجمع الجيران والأصدقاء في الخارج لتبادل التهاني ومشاركة الآخرين بهجة العام الجديد. وتصبح الساحات الرئيسة ساحات كرنفال شعبي تعمها حلقات الرقص والغناء، ويستمر إطلاق الألعاب النارية والزينة الصوتية والبصرية حتى ساعات الفجر الأولى.

الفرق بين احتفالات رأس السنة والميلاد الأرثوذكسي في التقويم الروسي

على الرغم من اقتران موسم الشتاء في أغلب بلدان العالم بعيد الميلاد (25 ديسمبر/ كانون الأول) ورأس السنة معًا، فإن لروسيا خصوصية تقويمية وثقافية تجعل احتفالات رأس السنة فيها متميزة ومنفصلة عن عيد الميلاد الأرثوذكسي. يتبع المسيحيون الأرثوذكس في روسيا التقويم اليولياني القديم في الاحتفال بالعيد؛ لذلك يأتي عيد الميلاد الروسي متأخرًا بنحو أسبوعين عن نظيره الغربي، ويُحتَفل به في 7 يناير/ كانون الثاني (الذي يوافق 25 ديسمبر/ كانون الأول وفق التقويم اليولياني). وبسبب التاريخ الفريد للأعياد في روسيا، حدث عبر الزمن تمايز واضح بين دلالات الاحتفالين: أصبح رأس السنة الميلادية (1 يناير) عيدًا دنيويًّا وعامًّا تحتفل به جميع فئات الشعب بلا طابع ديني، فيما يحتل عيد الميلاد (7 يناير) مكانة عيد ديني روحي بالدرجة الأولى لدى من يتبع التقاليد الكنسية.

برز هذا الفرق جليًّا خلال الحقبة السوفيتية حينما أُلغي الاحتفال الرسمي بعيد الميلاد سنوات طويلة، فنقلت كثير من تقاليده الشعبية ليتم إحياؤها في ليلة رأس السنة. على سبيل المثال، فقدت شجرة الميلاد المزينة والهدايا وزيارات “ديد موروز” للأطفال معناها الديني الأصلي، وأصبحت جميعها مرتبطة برأس السنة الجديدة بدلًا من الميلاد؛ لذلك نجد اليوم أن شجرة السنة الجديدة تزين البيوت والساحات في أواخر ديسمبر (كانون الأول) استعدادًا لليلة 31 ديسمبر (كانون الأول)، في حين لا تكون هناك شجرة مخصوصة لعيد الميلاد في يناير (كانون الثاني) إلا داخل بعض الكنائس لترمز لميلاد المسيح. وبالمثل، يتبادل الروس الهدايا والتهاني مع بداية العام الجديد، في حين يُعد عيد الميلاد مناسبة للتأمل الديني وحضور القداس الإلهي في الكنائس أكثر منه يومًا لتقديم الهدايا الدنيوية.

وعلى الرغم من عودة عيد الميلاد عطلة رسمية في روسيا منذ مطلع التسعينيات، فإنه لا يزال يأتي في المرتبة الثانية من حيث نطاق الاحتفال الشعبي مقارنةً برأس السنة. معظم العائلات الروسية تحتفل برأس السنة بحماسة كبيرة، تجمع فيه الأقارب والأصدقاء، وتعد المأكولات الخاصة، وتزين الشجرة، وتطلق الألعاب النارية. وبعد أسبوع، تحل عطلة الميلاد في 7 يناير (كانون الثاني)، التي يغتنمها المتدينون لحضور الصلوات في ليلة الميلاد (6 يناير/ كانون الثاني) وفي يوم العيد، وللاجتماع العائلي في أجواء أكثر هدوءًا ووقارًا. وغالبًا ما تكون الفترة بين 1 يناير (كانون الثاني) و7 يناير (كانون الثاني) إجازة مستمرة في روسيا، ما يسمح للناس بالاحتفال برأس السنة أولًا، ثم قضاء عيد الميلاد براحة، حيث تُغلق المؤسسات الرسمية في هذه الفترة. وهكذا يظل رأس السنة في الوعي الجمعي الروسي عيدًا اجتماعيًّا عامًّا، في حين يحتفظ الميلاد بطابعه بوصفه عيدًا دينيًّا تقليديًّا لدى الكنيسة الأرثوذكسية وأتباعها.

احتفال العائلات الروسية برأس السنة

تُعَدّ ليلة رأس السنة مناسبة عائلية من الطراز الأول في روسيا، حيث تجتمع الأسر في البيوت للاحتفال باستقبال العام الجديد في أجواء دافئة وحميمة. غالبًا ما تبدأ التجمعات مساء يوم 31 ديسمبر (كانون الأول)، فيلتف أفراد العائلة من عدة أجيال حول مائدة عامرة بأشهى الأطباق التقليدية والمأكولات الخاصة بهذه المناسبة. يعد إعداد مائدة رأس السنة من أهم خطوات التحضير لدى كل أسرة، وتتنافس العائلات في تنويع أطباقها والتفنن بها. مع ذلك، هناك أطباق أساسية تكاد لا تخلو منها أي مائدة روسية في هذه الليلة، وعلى رأسها سلطة “أوليفييه” الشهيرة (المعروفة عالميًّا باسم “السلطة الروسية”)، وهي سلطة باردة غنية بالخضروات المسلوقة والمايونيز وقطع اللحم أو النقانق. يليها في الأهمية طبق “سمك الرنجة تحت معطف الفرو” (وهي أكلة تتكون من طبقات من الرنجة المملحة مغطاة بخضراوات مبشورة كالشمندر والبطاطا، ومكسوة بطبقة مايونيز تُشبه المعطف). كما تشمل المائدة كثيرًا من المقبلات والأطباق الأخرى، مثل لفائف الملفوف المحشوة باللحم والأرز، وطبق “خولوديتس” (جيلي اللحم البارد)، إلى جانب أصناف متنوعة من المعجنات والفطائر. ولا تكتمل المائدة الروسية إلا بوجود طبق الفاكهة الشتوية المميز، وهو اليوسفي (الماندرين)، الذي أصبح رمزًا تقليديًّا مرتبطًا بأجواء رأس السنة منذ عقود؛ فكثيرًا ما تُزيَّن به الطاولات، بل حتى يُوضع ضمن زينة الشجرة أحيانًا. وبالطبع تحتل المشروبات مكانها على المائدة، أبرزها “الشمبانيا السوفيتية” (وهي الشمبانيا الفوارة المحلية) التي تُفتَح زجاجاتها، ويُملأ بها الكؤوس قبيل منتصف الليل لتحضير نخب العام الجديد.

خلال السهرة، يتسامر أفراد الأسرة ويتبادلون الأحاديث والذكريات عن العام الماضي وسط أجواء من المرح والتفاؤل. يشاهد الكثيرون برامج التليفزيون الخاصة بالمناسبة؛ إذ تبث القنوات الروسية سهرات ترفيهية وحفلات موسيقية متنوعة بمشاركة أبرز الفنانين. ومن التقاليد المحببة أيضًا مشاهدة الأفلام الكوميدية الكلاسيكية المرتبطة برأس السنة، ولعل أشهرها فيلم “سخرية القدر” السوفيتي (إنتاج 1975) الذي اعتاد الملايين مشاهدته عامًا بعد عام حتى بات جزءًا من طقوس العيد. قُبيل منتصف الليل بدقائق، تتركز الأنظار على شاشة التليفزيون، أو تصغي الآذان إلى المذياع حيث يُذاع خطاب الرئيس السنوي موجّهًا إلى الشعب بمناسبة العام الجديد؛ هذا الخطاب التقليدي يبثه التليفزيون الروسي منذ سبعينيات القرن العشرين، وينتظره المواطنون ليستمعوا إلى كلمات التهنئة والتمنيات الرسمية. ومع اقتراب الساعة من الثانية عشرة، يصغي الجميع إلى دقّات ساعة الكرملين الشهيرة التي تُقرع في الساحة الحمراء بموسكو معلنةً حلول السنة الجديدة. عندئذ يقف الحاضرون ليتبادلوا التهاني بحرارة ويُقبِّل أفراد الأسرة بعضهم بعضًا ويتمنّون عامًا سعيدًا. تُقرع الكؤوس وتتعالى الأمنيات بسنة سعيدة (С Новым Годом!) في حين تنطلق الألعاب النارية في الخارج.

بعد منتصف الليل، قد يخرج بعض أفراد الأسرة أو جميعهم إلى الشوارع للاحتفال مع الجيران والأصدقاء، أو يستمرون في المنزل بالغناء والرقص وألعاب التسلية، وإكمال السهرة حتى ساعات متأخرة. وفي اليوم التالي (1 يناير/ كانون الثاني)، وهو عطلة رسمية، يحين وقت الراحة، وأحيانًا زيارة الأصدقاء أو الأقارب، ومتابعة ما تبقّى من الاحتفالات عبر التليفزيون، والاستمتاع ببداية العام الجديد بأجواء مريحة بعد ليلة صاخبة.

الاحتفالات الرسمية والعامة

لا تقتصر بهجة رأس السنة في روسيا على المنازل والأوساط العائلية؛ بل تمتد لتشمل فضاءات المدينة والأنشطة الرسمية على مستوى الدولة. تبدأ الاستعدادات العامة للاحتفالات مبكرًا مع بداية شهر ديسمبر (كانون الأول)؛ حيث تخصص السلطات البلدية ميزانيات كبيرة لتزيين الشوارع والميادين بالأضواء والديكورات الملونة. تُنصب شجرة رأس السنة الرئيسة في كل مدينة (وغالبًا ما تكون في الساحة المركزية، أو أمام مبنى البلدية)، وهي شجرة ضخمة مزينة -على نحو مبهر- تصبح مقصدًا للزوار لالتقاط الصور والتجمع حولها ليلة الاحتفال. في العاصمة موسكو، تُزيَّن الساحة الحمراء ومحيط الكرملين بإضاءات خلابة، ويُفتتح سوق شتوي تقليدي يقدم المأكولات والحرف اليدوية والهدايا التذكارية، فضلًا عن إنشاء حلبات تزلج على الجليد في الهواء الطلق ليستمتع بها الجمهور.

على الصعيد الرسمي، يوجّه رئيس الدولة خطابًا متلفزًا إلى الشعب في ليلة رأس السنة، يبث عبر جميع القنوات قبل دقائق من حلول منتصف الليل. أصبح هذا الخطاب جزءًا من التقليد الوطني منذ سبعينيات القرن العشرين، ويستعرض فيه الرئيس أبرز أحداث العام المنصرم ويتمنى للمواطنين الصحة والسلام والازدهار في العام الجديد. ومن السمات المميزة أيضًا إطلاق عروض الألعاب النارية رسميًّا عند منتصف الليل؛ ففي كل مدينة تقريبًا تنظم الجهات المحلية عرضًا كبيرًا للألعاب النارية يضيء سماء ليلة 31 ديسمبر (كانون الأول) ويشاهده الآلاف. تتزامن هذه العروض مع دقات الساعة الأخيرة من العام، وتستمر بضع دقائق بعد دخول السنة الجديدة، معلنةً بدء الاحتفالات الشعبية الصاخبة.

وتُقام أيضًا مهرجانات وحفلات عامة في مختلف الأماكن خلال فترة العيد. فبعد منتصف الليل، تنظم كثير من المدن حفلات موسيقية مجانية في الساحات، أو المتنزهات الكبرى، يشارك فيها مطربون وفرق استعراضية لإحياء أجواء الفرح حتى ساعات متأخرة من الليل. كما يُلاحظ انتشار تجمعات شعبية (تسمى بالروسية “غوليانكا”) في الشوارع، حيث يخرج الناس على نحو جماعي للتنزه والاحتفال، وتبادل التهاني مع الغرباء ضمن جو من الألفة الوطنية. ولأن عطلة رأس السنة تمتد رسميًّا إلى أيام عدة (غالبًا حتى 8 يناير/ كانون الثاني بما يشمل عيد الميلاد)، تستمر الأجواء الاحتفالية لفترة أطول؛ فتُنظم خلال الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) فعاليات ثقافية وترفيهية متنوعة، مثل عروض مسرحية خاصة بالأطفال (حفلات “شجرة السنة الجديدة” التي يحضرها ديد موروز لتوزيع الهدايا في دور الثقافة والمدارس)، ومعارض شتوية، وأنشطة رياضية، كالتزلج والمسابقات الثلجية.

في ليلة رأس السنة نفسها، تبلغ الاحتفالات العامة ذروتها. في موسكو مثلًا، اعتاد عشرات الآلاف التجمع قرب الساحة الحمراء لمشاهدة الألعاب النارية، والاستمتاع بالعد التنازلي الجماعي. ولمواجهة الحشود وضمان الأمن، تفرض السلطات إجراءات خاصة، قد تشمل إغلاق بعض المواقع الحساسة، أو تنظيم الدخول بالحجز المسبق. ومع ذلك، يحرص الكثيرون على الخروج بعد منتصف الليل رغم البرد الشديد للمشاركة في هذه اللحظات المميزة التي يتشارك فيها الجميع فرحة استقبال العام الجديد تحت السماء الملونة بالأضواء والابتسامات تعلو الوجوه.

خاتمة

تشكّل تقاليد الاحتفال برأس السنة في روسيا مزيجًا فريدًا من التأثيرات التاريخية والدينية والثقافية التي تداخلت عبر القرون، فقد اندمجت الرموز الأرثوذكسية والموروثات الشعبية القديمة مع المستحدثات السوفيتية الحديثة لتنتج احتفالًا استثنائيًا بات جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية الروسية. إن شجرة رأس السنة المزينة والأطباق التقليدية الشهية وشخصية “ديد موروز” وحفيدته والألعاب النارية وخطاب الرئيس واللقاءات العائلية الحميمية كلها عناصر تصنع فسيفساء هذه المناسبة السعيدة. ورغم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها روسيا، حافظ الروس على ولعهم الخاص بليلة رأس السنة، وجعلوا منها عيدًا جامعًا تتشارك فيه جميع الأجيال وجميع فئات المجتمع، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية، في جو من الفرح والتفاؤل. إنها ليلة تجسد للكثيرين معاني الأمل والبدايات الجديدة، يحافظون فيها على عادات متوارثة، ويبتدعون في الوقت نفسه مظاهر احتفال عصرية. وهكذا تبقى ليلة رأس السنة الروسية حدثًا مميزًا ينير ظلمة الشتاء ببريق الأضواء ودفء العائلة، جامعةً بين تراث الماضي وتطلعات المستقبل في آن.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع