مقالات المركز

تعرف على الدور الأمريكي بالقواعد الإسرائيلية في العراق


  • 24 مايو 2026

شارك الموضوع

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية تقريرًا تحدثت فيه عن اكتشاف قواعد عسكرية إسرائيلية داخل العراق، مستندة إلى مسؤولين عراقيين وإقليميين، ما أثار جدلًا واسعًا داخل العراق بعد ظهور مزاعم تفيد بأن إسرائيل قامت بتشغيل مواقع عسكرية سرية داخل عمق الصحراء العراقية ضمن استعدادات مزعومة لتنفيذ هجوم ضد إيران.

ووفقًا لروايات نشرتها وسائل إعلام دولية كبرى، ثم تداولتها شخصيات سياسية وأمنية عراقية، فقد أُنشئت منشأتان سريتان على الأقل في غرب العراق، واستخدمتا بشكل متقطع لأكثر من عام. وقيل إن هذه المواقع، المخفية في مناطق صحراوية نائية، كانت بمثابة مراكز دعم لوجستي وعملياتي خلال فترات التصعيد الإقليمي. وفي حال تأكدت هذه المعلومات، فإنها ستمثل واحدة من أخطر الانتهاكات للسيادة العراقية في السنوات الأخيرة، كما ستطرح تساؤلات صعبة حول الرقابة الحدودية، والقدرات الاستخباراتية، وموقع العراق ضمن المواجهة الإقليمية المتصاعدة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

اكتشاف في الصحراء

بدأت القضية، بحسب التقارير، باكتشاف غير متوقع قام به راعٍ محلي يُدعى عواد الشمري. وبحسب أفراد من عائلته وتقارير إعلامية، كان الشمري يتنقل قرب بلدة النخيب النائية في صحراء غرب العراق مطلع هذا العام، عندما لاحظ نشاطًا عسكريًا غير معتاد. ووصف شهود عيان وجود مروحيات، ومجموعات من الخيام، وما بدا أنه مهبط طائرات مؤقت في منطقة معزولة. وبدلًا من تجاهل ما شاهده، أبلغ الشمري السلطات العسكرية العراقية بوجود نشاط مريب في الصحراء.

لكن ما حدث لاحقًا حوّل الملاحظة الفردية إلى قضية أمن قومي. فوفقًا لأقارب وشهود محليين، لقي الشمري مصرعه لاحقًا في حادثة تضمنت إطلاق نار من مروحية أثناء مروره مجددًا بالمنطقة. وتقول أسرته إن مركبته عُثر عليها محترقة، بينما كانت جثته مشوهة بشدة. ويعتقد أقاربه أنه صادف، دون قصد، عملية عسكرية شديدة الحساسية. ورغم أن هذه المزاعم لم تُثبت بعد، فإن الأوساط السياسية والعسكرية العراقية بدأت تطرح سؤالًا عاجلًا: ماذا اكتشف بالفعل؟

مزاعم حول موقع عمليات إسرائيلي

زعم مسؤولون عراقيون وإقليميون كبار أن الموقع المكتشف قرب النخيب كان منشأة دعم إسرائيلية سرية. ولم تكن مهمة الموقع المزعومة مقتصرة على المراقبة فقط، إذ أفاد مسؤولون بأن المنشأة استُخدمت لدعم العمليات الجوية، والتنسيق اللوجستي، وتزويد الطائرات بالوقود، وتقديم المساعدة الطبية الطارئة، ودعم العمليات بعيدة المدى ضد إيران. كما زعم بعض المسؤولين أن الموقع لعب دورًا خلال المواجهة التي استمرت 12 يومًا مع إيران في يونيو (حزيران) 2025.

وذكر مصدر أمني إقليمي أن التخطيط لهذه المواقع المؤقتة بدأ أواخر عام 2024، حيث حدد مخططون إسرائيليون مواقع معزولة لدعم سيناريوهات عسكرية مستقبلية.

قاعدة ثانية.. لغز أكبر

ازدادت القصة تعقيدًا بعد كشف مسؤولين عراقيين عن وجود موقع سري ثانٍ في صحراء غرب العراق. وعلى عكس الموقع الأول، لم يُكشف علنًا عن موقع المنشأة الثانية. كما تلقى عدد من النواب العراقيين إحاطات سرية بشأن القضية. وقال أحد البرلمانيين: “قاعدة النخيب كانت فقط القاعدة التي تم اكتشافها”. وأكد مسؤول عراقي آخر وجود منشأة ثانية دون الإفصاح عن موقعها. وفي حال صحة ذلك، فسيعني الأمر وجود شبكة عمليات سرية أوسع، وليس مجرد موقع معزول واحد.

القوات العراقية تواجه مقاومة

بحسب روايات عسكرية، بدأت السلطات العراقية عمليات استطلاع بعد تلقي معلومات من السكان المحليين، لكن الأحداث تصاعدت سريعًا. وزُعم أن دورية عسكرية تعرضت لهجوم أثناء توجهها إلى المنطقة. وأشارت تقارير رسمية إلى مقتل جندي عراقي وإصابة عدد من الأفراد، إضافة إلى تضرر مركبات عسكرية واضطرار القوات إلى الانسحاب. ولم تُحدد رسميًا هوية الجهة المسؤولة، لكن شخصيات عسكرية عراقية أشارت إلى احتمال وجود أطراف أجنبية. وقال أحد القادة العسكريين إن القوات العراقية كانت تشك بهدوء منذ أسابيع بوجود نشاط غير طبيعي في الصحراء الغربية، قبل اكتشاف الراعي للأمر.

هل كانت واشنطن تعلم؟

ربما يتعلق الجانب الأكثر حساسية سياسيًا بالولايات المتحدة. فقد زعم مسؤولون عراقيون أن واشنطن كانت على علم مسبق بإحدى المنشآت على الأقل. وبحسب هذه الروايات، أُبلغت السلطات الأمريكية عبر قنوات التنسيق العسكري، لكنها لم تُخطر بغداد رسميًا. وفي حال ثبوت ذلك، فسيثير الأمر أسئلة دبلوماسية معقدة. إذ يرى مسؤولون عراقيون أن أي نشاط عسكري أجنبي داخل العراق يجب أن يُبلّغ عبر قنوات رسمية.

وهذا يضع العراق أمام معضلة محرجة: إما أن السلطات العراقية لم تكن تعلم بما يحدث داخل أراضيها، أو أن بعض الجهات كانت تعلم لكنها التزمت الصمت. وفي كلتا الحالتين، تحمل المسألة دلالات مقلقة.

جغرافيا السرية

لطالما شكّلت الصحاري الشاسعة في غرب العراق تحديات أمنية كبيرة. فالمناطق قليلة السكان والممتدة نحو الحدود السورية وممرات إقليمية أخرى، استُخدمت تاريخيًا من قبل المهربين والتنظيمات المتطرفة. وخلال الحرب ضد تنظيم “داعش” والغزو الأمريكي للعراق، برزت المنطقة مرارًا باعتبارها منطقة صعبة المراقبة. ويرى محللون أن طبيعة المنطقة النائية توفر بيئة مثالية لعمليات مؤقتة يصعب رصدها.

معضلة العراق الاستراتيجية

حاول العراق لسنوات الحفاظ على توازن هش بين الولايات المتحدة وإيران. فبغداد تحتفظ بعلاقات أمنية مع واشنطن، بينما تتعامل، في الوقت نفسه، مع واقع سياسي متأثر بإيران والفصائل المسلحة المحلية. وقد وضع هذا التوازن العراق مرارًا في قلب صراعات لم يكن هو من بدأها. وتعزز التقارير الأخيرة المخاوف من أن يتحول العراق من مجرد مراقب مجاور للصراعات الإقليمية إلى ساحة عمليات مباشرة.

وقال أحد المسؤولين العراقيين: “هذا يعكس استخفافًا صارخًا بالسيادة العراقية.”

قصة لم تنتهِ بعد

تشير التقارير إلى أن النشاط في موقع النخيب قد توقف منذ ذلك الحين، بينما لا يزال مصير الموقع الثاني مجهولًا. وفي الوقت نفسه، تواصل عائلة الشمري المطالبة بتحقيق في ظروف وفاته. وتقول الأسرة إنها تريد محاسبة المسؤولين والحصول على إجابات. وبالنسبة للعراق، قد تتحول القضية من مجرد قصة عن قواعد سرية إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على التحكم بما يحدث داخل حدودها. ومع استمرار توسع صراعات الظل في المنطقة، يجد العراق نفسه ربما يُستخدم كساحة في مواجهة أكبر تتجاوز حدوده.

أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة مع الصحفي والباحث السياسي العراقي علي حبيب

وقال ستيفن صهيوني: “ظهرت مؤخرًا تقارير إعلامية تتحدث عن اكتشاف قاعدتين عسكريتين إسرائيليتين داخل العراق. برأيك، ما الموقف الرسمي للحكومة العراقية من هذه التقارير؟ وما رأي الشارع العراقي بشأن وجود مثل هذه القواعد على أراضيه؟”

ورد علي حبيب قائلًا إن الرد الرسمي للحكومة العراقية كان نفيًا قاطعًا، مصحوبًا بإجراءات عملية تهدف إلى فرض السيادة. فقد نفت الحكومة وجود قواعد إسرائيلية دائمة، ووصفت تقارير صحيفتي “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” بأنها “شائعات” أو “تحركات مؤقتة مجهولة” تمت معالجتها بالفعل.

وأضاف أن قيادة العمليات المشتركة العراقية أعلنت أنها لا تمتلك معلومات بشأن قواعد أجنبية غير مرخصة، كما رافقت صحفيين إلى مواقع في صحراء النخيب غرب النجف وكربلاء لإظهار أن المنطقة خالية من أي انتشار عسكري. كما عقد رئيس الوزراء علي الزايدي اجتماعًا مع قادة الجيش ووزارة الداخلية وقوات الحشد الشعبي، وطلب إعداد خطة تهدف إلى التحقق من المواقع المزعومة، وإنشاء مراكز مراقبة دائمة في الصحراء الغربية، ومنع تكرار مثل هذه الحوادث.

وأشار علي حبيب إلى أن بعض المستشارين والمسؤولين الأمنيين، مثل حسين علاوي، تحدثوا عن “عملية جوية مجهولة” يُزعم أنها وقعت في مارس (آذار) 2026 وتم التصدي لها من قبل القوات العراقية. كما ظهرت اتهامات غير مباشرة باحتمال وجود دعم أمريكي، بما في ذلك مزاعم تتعلق بالتشويش على أنظمة الرادار.

وأوضح أن البرلمان استدعى وزيري الدفاع والداخلية للاستجواب، بينما وصف نواب، مثل أبو تراب التميمي، القضية بأنها “فضيحة أمنية تستدعي المساءلة”.

أما على مستوى الرأي العام العراقي، فقد أكد علي حبيب أن حالة من الغضب الشديد والرفض الواسع سادت، خصوصًا في الأوساط الشيعية والوطنية. ورأى كثيرون أن القضية تمثل “انتهاكًا صارخًا للسيادة” و”دليلًا على ضعف الدولة”، كما صاحبت ذلك اتهامات بوجود “تواطؤ أمريكي – إسرائيلي”.

وأضاف أن الرأي العام ربط القضية بالنفوذ الخارجي، وطالب باتخاذ إجراءات أقوى من قبل الحشد الشعبي والفصائل المسلحة. كما عكست مواقع التواصل الاجتماعي حالة غضب من “صمت” الحكومة في البداية، مع دعوات إلى تحقيق “سيادة حقيقية”. وقد عزز ذلك من خطاب المقاومة المعادي لإسرائيل، الذي يهيمن على جزء كبير من النقاش العام.

وسأل ستيفن صهيوني: “لقد مر أكثر من عشرين عامًا على احتلال العراق من قبل التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ومع ذلك لا تزال العديد من القضايا دون حل، خاصة الفساد المرتفع. برأيك، هل تعد هذه المشكلات من نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق؟ وما خطط الحكومة العراقية الجديدة لمعالجة هذه الأزمات التي تؤثر على الشعب العراقي؟”

ورد علي حبيب بأن جزءًا كبيرًا من المشكلة يعود إلى تداعيات الاحتلال الأمريكي عام 2003، وفقًا لما صرّح به العديد من السياسيين العراقيين، بمن فيهم قادة الإطار التنسيقي. وأوضح أن الاحتلال أسس نظام المحاصصة الطائفية الذي أدى إلى تفشي الفساد المؤسسي، وتفكك مؤسسات الدولة، وانتشار السلاح خارج السيطرة الرسمية.

وأضاف أن رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي وآخرين سبق أن وصفوا الفساد بأنه مشكلة متراكمة موروثة من مرحلة ما بعد عام 2003، كما اعتبر الزايدي أن الفساد أصبح “عائقًا أمام التنمية”. ومع ذلك، يشدد سياسيون عراقيون أيضًا على مسؤولية النخب السياسية المحلية التي استمرت في ترسيخ نظام المحاصصة والفساد حتى اليوم.

وأشار إلى أن خطط الحكومة الجديدة بقيادة علي الزايدي تتمحور حول إصلاحات شاملة تشمل مكافحة الفساد، وحماية المال العام، ودعم مؤسسات الرقابة، وإدخال شخصيات قضائية داخل الوزارات للحد من المحسوبية والوساطات. كما أعلنت الحكومة تحقيق تقدم في مؤشر مدركات الفساد خلال عامي 2025 و2026.

وأوضح أن الحكومة، على المستوى الاقتصادي والمالي، تسعى إلى خلق فرص عمل دون تمييز، وتنفيذ إصلاحات مالية، وتعزيز التنمية الاقتصادية. أما في ملف الأمن والسيادة، فتؤكد ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وتنظيم أوضاع الفصائل المسلحة، وتعزيز الرقابة الأمنية.

كما تشدد الحكومة على أهمية تحقيق الاستقرار لجذب الاستثمارات، مع محاولة التوازن بين الضغوط الأمريكية المتعلقة بالفساد والجماعات المسلحة، وبين النفوذ الإيراني. ويرى محللون ونواب أن نجاح هذه الخطط يعتمد على وجود إرادة سياسية حقيقية تتجاوز منطق التسويات السياسية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع